الميثاق نقيض مصالح الشعب وتطلعاته الوطنية

Publié le par mohmedalimawi

الميثاق نقيض مصالح الشعب وتطلعاته الوطنية
(انشر هذا النص الصادر عن المنظمة الماركسية اللينينية –الماوية-بتونس بتاريخ سبتمبر 1988
تكمن اهمية هذه الوثيقة التاريخية التي انشرها كما هي فيما يلي:
- لقد سبق للنظام في تونس ان رفع شعار "الشرعية البورقيبية" ثم مع الانقلاب الابيض شعار "الشرعية الدستورية"وحاول خلال الانتفاضة رفع شعار الشرعية الدستورية من جديد لكن الجماهير رفضت الحكومة المؤقتة فالتجأ حاليا الى ما اسماه "بالشرعية الوفاقية" التي تجمع الدساترة الجدد والاخوانجية والاحزاب الانتهازية والعديد من الجمعيات بما في ذلك البيروقراطية النقابية.
- يحاول النظام من جديد ايجاد ميثاق يتفق حوله الثالوث المذكور اعلاه والذي يريد الالتفاف على روح الانتفاضة وقد تعددت التسميات مثل "العهد الجمهوري" او مبادئ الجمهورية الثانية الخ
- يكشف النص حقيقة الاطراف الرجعية والانتهازي التي صادقت على الميثاق وهي اطراف متواجدة حاليا في الهيئة العليا..)

مقدمة
عادة ما تلجأ الطبقات الحاكمة الى إمضاء عقودا إجتماعية او مواثيق "وطنية" في فترات معينة تحاول من خلالها حصر تحركات الطبقة العاملة والطبقات الشعبية عموما في إطار العقود المبرمة وذلك لابقائها تدور في دائرة الترميم ولإيهامها بإمكانية تحسين اوضاعها في ظل النظام الاستغلالي. وبناءا على ذلك تصبح السياسة التعاقدية الشكل الامثل للتصدي للثورة الاجتماعية في البلدان الرأسمالية وإبقاء الطبقة العاملة تحت سيطرة البرجوازية من خلال التداول الاحزاب البرجوازية على الحكم رغم تعدد تسمياتها وبغض النظر عن اختلافاتها. فالحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي في أمريكا رغم تناقضاتهما المرتبطة بالتناقضات في صلب الاحتكارات,يدافعان عن مصالح البرجوازية الاحتكارية ويعملان سوية على استغلال البروليتاريا واضطهاد شعوب العالم وأممه.
وفي نفس السياق يمكن النظر الى تحول السلطة في فرنسا من الاتحاد الديمقراطي الفرنسي الى الحزب الاشتراكي او الى اليسار المزعةم من خلال "البرنامج المشترك" هو في الحقيقة تداول على قمع الطبقة العاملة وخدمة مصالح الاحتكارات العالمية واذا كان الشكل الرئيسي في بلدان الحلف الاطلسي هو التداول على السلطة في اطار الديمقراطية البرجوازية فان السلطة في البلدان المسماة باطلا اشتراكية ترتكز رئيسيا على الحزب الواحد-الحزب" الشيوعي" المزعوم- المعتمد على برجوازية الدولة والحزب.
وتحاول الامبريالية...حل ازمتها على حساب مصالح البروليتاريا في هذه البلدان وخاصة على حساب شعوب العالم واممه المضطهدة ولذلك فانه من اجل مواصلة نهب خيرات المستعمرات واشباهها يعمد المعسكر الامبريالي الى تقديم دعمه للطبقات الحاكمة التي تاخذ فيها الانظمة العميلة بفعل واقع التخلف شكل الانظمة العسكرية البوليسية ولا تلجأ الى "الانفتاح" المزعوم الا في حالات ظرفية حيث تصبح مصالح الامبريالية مهددة وكيان الانظمة ذاتها في خطر.
وفي هذا الاطار تندرج عملية استبدال الطغم العسكرية في امريكا الجنوبية وفي غيرها من مناطق العالم لان هم الامبريالية الوحيد هو الحفاظ على مصالحها ومناطق نفوذها لذلك تلجأ الى اعتماد الصيغ الضامنة لاستقرار مصالحها. واذا انعدم هذا الاستقرار فهي تعمد الى تعويض العملاء بآخرين وهذا ما فعلته مع النميري وماركوس ودوفاليي ويبرك كارمل وضياء الحق الخ...
وغالبا ما تبرز صيغ" المواثيق الوطنية " لضمان الاستقرار المفقود وهي تخدم مصالح الراسمالية الاحتكارية وهي غالبا تقرر على حساب قوت الشعب اليومي وتطلعاته نحو التحرر,واذا كانت السياسة التعاقدية في البلدان الراسمالية (شرقية وغربية) تهدف الى طمس التناقض بين راس المال والعمل فان "المواثيق الوطنية"(الميثاق الوطني او الجبهة الوطنية او التحالف الوطني التي يرفعها عملاء الامبريالية)تهدف هي الاخرى الى طمس التناقض بين الامبريالية من جهة والشعوب والامم المضطهدة من جهة اخرى.
ولئن اختلفت هذه النواثيق شكلا ومضمونا وتعددت بفعل اختلاف الظروف الموضوعية وطبيعة القوى الاجتماعية المتصارعة فهي تخدم في نهاية الامر نفس الاهداف التي يمكن حوصلتها في :
1-ارساء واقع الوفاق الطبقي والمصالحة الوطنية على حساب مصالح الشعب وتزيين وجه الطبقات الحاكمة.
2- التصدي للقوى الوطنية والثورية عموما ومحاولة تهميش حركات التحرر .
وهكذا تصبح الدولة دولة "الجميع" والاجهزة القمعية في خدمة الجميع وتتعدد الوعود وتوهم الطبقات الحاكمة –ومن تحالف معها-الفئات الشعبية بامكانية التوفيق بين مصالح الشعب ومصالح الامبريالية وتلتحق الفرق الاصلاحية بالجوقة لتزيين وجه "الدولة المحايدة" وتطبل لامكانية تحسين اوضاع الجماهير في ظل نظام عميل مبني على استغلال الانسان يرزح فيه الشعب تحت الاستغلال الطبقي والاضطهاد القومي.
ولذلك فانه مهما تعددت المواثيق في ظل النظام الامبريالي الحالي وسواء كان ذلك في افغانستان او الفيليبين او في الصومال فهي تظل واحدة ولايخرج "الميثاق الوطني" المقترح في تونس عن هذا الاطار وحتى يمكن تناول هذا المشروع بالتحليل لابد من فهم الاطار التاريخي الذي طرح فيه.
1- تونس قبيل الانقلاب الابيض.
لقد تميز الوضع قبيل الانقلاب بتدهور اوضاع الجماهير وتفاقم نقمتها من جهة وتصدع صفوف النظام والتجائه الى القمع من جهة ثانية.
ولقد سبق ان عرف القطر مثل هذه الاوضاع قبيل جانفي-كانون الثاني-1978 وتعمقت القطيعة مع النظام اثر احداث 1978- الخميس الاسود-وعملية قفصة 1980.وفي ظل تفاقم التوتر الاجتماعي الذي يهدد مصالح الامبريالية دفعت هذه الاخيرة النظام البورقيبي الى توخي سياسة "الانفتاح" المزعومة على غرار ما حدث في امريكا الجنوبية حيث وقع تعويض بعض الطغم العسكرية بوجوه مدنية وبدأ التطبيل للتجربة الديمقراطية المزعومة في ظل حكومة مزالي والتي سرعان ما افتضح امرها اثناء عملية التزييف الشهيرة للانتخابات التشريعية.
وبالرغم من مهزلة التعددية الهادفة في الحقيقة الى الاعتراف بالشرعية البورقيبية والاجماع البورقيبي وبالرغم من التزييف والعنف الذي مورس ضد الفرق الاصلاحية فقد انطلقت هذه الاخيرة تنادي الى انجاح التعددية المزعومة والعمل على الحفاظ عليها واستغل النظام هذه الاوضاع فقدم بعض التنازلات وسعى الى لم صفوفه وترتيب البيت الداخلي من جديد ضمن "الجبهة الوطنية" وشرع في تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي برفع سعر الخبز ملوحا بأكذوبة تعويض التعويض لاسكات الجماهير الاكثر تضررا.
الا ان هذه المغالطات لم تنطل وهبت الجماهير في اعتى انتفاضة عفوية عرفها القطر في جانفي 84 وهكذا سقطت عملية مناورات النظام واتضحت حقيقة الانفتاح وافتضحت طبيعة المعارضة الاصلاحية .لقد اجبرت "انتفاضة الخبز" النظام على التراجع في تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي الا انه استأنف الهجوم بعد ان التف على الانتفاضة وبدأ حملة قمع مفضوحة على جميع الاصعدة.
فقد توجه سياسيا نحو التطبيع مع نظام مخيم داوود ووطد العلاقة مع معقل الرجعية العربية المتمثلة في آل سعود ودعم القيادة العرفاتية وقام بدور نشيط في تزكية الحلول الاستسلامية وغض الطرف عن النشاط الصهيوني في القطر وفتح الابواب امام الجواسيس اعوان الموساد(الذين كانوا وراء عملية حمام الشط وعملية ابو جهاد...)وتعددت زيارات الاساطيل الامبريالية التي وسعت مجالات حضورها ومناوراتها.
وعلى الصعيد الاقتصادي وقع التوجه نحو التطبيق الحرفي لتعليمات الصناديق الامبريالية فيما يتعلق بالتفويت في المؤسسات العمومية وتجميد الاجور تحت تعلة ربطها بالانتاج والانتاجية وتحرير الاسعار بدعوى العودة الى حقيقتها أي التقدم في حذف صندوق التعويض الذي يمول أساسا من الضرائب المشطة على الفئات الشعبية والتراجع في المكاسب الاجتماعية بتقليص الانفاق في الخدمات التعليمية والصحية والثقافية وغيرها.وهكذا اتسعت دائرة البطالة لتشمل فئات متزايدة باستمرار ومن مختلف المستويات التعليمية.وترافق طرد العمال مع اجراءات تصعيد العسكرة في الحياة العامة وتعددت حملات الرافل-التمشيط- والمداهمات والتمشيط في الاحياء واقترن ذلك بضرب الاتحاد العام التونسي للشغل وعسكرة الجامعة وتجنيد الطلبة وهكذا تعمقت القطيعة مع النظام على كل الاصعدة وكان من نتيجة ذلك ان ازداد تآكل النظام ودخل في دوامة التحويرات الوزارية وافتضحت سياسته الارتجالية وتفاقمت تناقضاته امام تصاعد الغضب الشعبي وحاول عبثا الخروج من عزلته ومن ازمته بايهام الجماهير بانه قادر على التأقلم والتجديد كما حاول بدفع من الامبريالية تفجير الوضع مع النظام الليبي وتحويل وجهة نقمة الجماهير لكن انكشفت اهداف هذه المحاولات وساهمت في تعميق القطيعة.
وفي ظل غياب البديل الثوري وامام تصاعد نقمة الجماهير وتوسع جبهة الرافضين تحرك التيار الظلامي بايعاز من الامبريالية ليعجل بتهاوي بورقيبة الذي وقع التركيز عليه شخصيا.وذلك لاثبات عدم قدرته على توفير الاستقرار للمصالح الامبريالية.
وفي هذا الاطار وقع انضاج الظروف للتحرك الامبريالي نحو ايجاد البديل الضامن لمصالحها اذ ان وضع التوتر الاجتماعي لايخدم تلك المصالح بل يؤدي الى انفجارات غير محسوبة العواقب وتهدد بالتجاوز.وقد توج تحرك الامبريالية لحسم مسألة الخلافة بعد الاعداد الدقيق لذلك من خلال :
أ- تلميع وجه الجنرال- ب-انفلات الوضع الامني وبروزه كالرجل القوي من خلال مسكه لكل خيوط الوضع الداخلي والاشراف الشخصي على عمليات المداهمة-ج-الارتقاء الى منصب الوزير الاول ومسك الملفات السياسية- د-الانقلاب العسكري بالاعتماد رئيسيا على" وزارة الداخلية والحرس الوطني" .
هذا ما حدث فعليا وسيشهد التاريخ بذلك لكن الصحافة المأجورة والفرق الاصلاحية سرعان ما خانتها الذاكرة ودخلت بعد في تشويه حقيقة الاحداث التاريخية.
II طبيعة الانقلاب
عادة ما تحصل الانقلابات في علاقة بالاوضاع الاجتماعية السائدة أو بارتباط هذا البلد اوذاك بالتناحر الامبريالي على المنطقة او كذلك بتشابك العاملين في نفس الوقت ولذلك فان تهاوي ماركوس في الفليبين يختلف عن سقوط سنكارا في بركينا فاسو واغتيال السادات يختلف عن اعدام بوتو الخ...وبغض النظر عن اختلاف الانقلابات حسب الظروف الموضوعية والذاتية فانها تعكس دوما درجة معينة لتطور حركة الطبقات وتنطلق من الشعارات التي ترفعها حركة الجماهير ثم الالتفاف عليها وافراغها من محتواها وهكذا فقد اجبر قرسيا في البيرو على مهاجمة صندوق النقد الدولي لكنه سرعان ما اصبح يؤتمر بأوامره كما تظاهرت اكينو (الفليبين) بمعارضتها للقواعد الامريكية من جهة وقبولها لامكانية الاصلاح الزراعي من جهة أخرى ويندرج هذا التظاهر بتلبية مطالب الجماهير ضمن سياسة امتصاص النقمة قصد تركيز النفس وعزل القوى الثورية ولذلك يتوجه العملاء الجدد نحو تسوية ظرفية ومنقوصة لواقع التوتر او يكتفون بمجرد وعود في حالة استتباب الامن من جديد او يعجزون طبعا على مغالطة الجماهيرفي صورة قدرة البديل الثوري على الحفاظ على التعبئة الجماهيرية بحيث تنكشف لعبة الانفتاح من الوهلة الاولى وتفشل مناورات التقسيم وسياسة فرق تسد لتتحول الى القمع المفضوح وفي هذا الاتجاه تقدم الانقلاب العسكري في تونس في زي مدني واجتهد للتستر وراء "الشرعية الدستورية" لازاحة بورقيبة لاغير لكنه يظل انقلاب عسكري يكرس نفس الاختيارات بل يدعم التوجه العسكري من جهة والمد الظلامي من جهة ثانية.ويظل التوجه العسكري البوليسي العنصر القار بينما تعتبر سياسة"الانفتاح" او العوبة المواثيق او الادعاء بفصل الحزب عن الدولة الخ...توجهات ظرفية تتواتر حسب تطور الاوضاع واحتداد الصراع الطبقي وانعكاسه على الطبقات الحاكمة.
لقد كشفت الممارسات اليومية حقيقة الوعود وفهمت الجماهير بعد ان الانقلاب في اعلى هرم السلطة لم يحسن قدرتها الشرائية التي ازدادت تدهورا .لقد اتضح للشعب الكادح ان النظام القائم يسير وفق نفس الاختيارات فهو يعمل جاهدا لدعم الاستسلام القومي حتى ان اصبح القطر مرتعا لجولات الموساد ووكرا لطبخات الحوارات الخيانية بين القيادات العرفاتية والقوى الصهيونية وهو احد الاطراف الضاغطة في اتجاه التطبيع مع نظام مخيم داوود في اطار المصالحات والتمهيد لعقد المؤتمر الدولي للالتفاف على الانتفاضة وتوظيفها سياسيا في نهج الاستسلام.
كما ان التوجهات الاقتصادية والاجتماعية هي ذاتها فسياسة التفويت قائمة الذات تشهد مزيدا من الدفع وذلك خلال عملية دعائية واسعة عمت الصحف الماجورة ومن خلال انبراء حزب سياسي اعطاه النظام التاشيرة وجعل من قضية التفويت اولى محاور اهتمامه.وبينما تزداد موجة التهاب الاسعار يتواصل تجميد الاجور وتزداد القدرة الشرائية تدهورا لتصل الى45 % حسب الاحصاء الرسمي.
وعوض اعفاء الفلاحين من الضرائب ومدهم بالبذور والاسمدة والماء...فقد سن النظام العفو الجبائي على الاعراف وقدم لهم كل التسهيلات باسم دفع الحركة الاقتصادية في حين تشكو الجماهير من سحب المكاسب ومن الطرد والبطالة.
يعكس الواقع الاقتصادي والاجتماعي للجماهير الاختيارات السياسية للنظام ومن اجل تغطية هذا الواقع المترد والمواصلة في تطبيق السياسة اللاشعبية لصندوق النقد الدولي يحاول النظام تغيير وجهة اهتمامات الجماهير بسن اجراءات متعددة تهدف الى تزكية اختياراته.وفي هذا الاتجاه وعلى غرار حكومة مزالي فقد جعل النظام مسألة الانفتاح والديمقراطية محورا قارا في دعايته لكن الواقع يكشف حقيقة هذا التوجه فاقتصر تحوير الدستور على الفصول المتعلقة بالخلافة وجاء تحوير قانون الاحزاب وقانون الصحافة ليحد من الحريات ويزيدها تكبيلا.
هذا فضلا عن العديد من القوانين الاخرى المنافية لحرية التعبير والتنظيم ومازالت سارية المفعول كما يواصل النظام تمسكه بالهيكل البرلماني القائم ويكتفي في اطار تركيز النفس بالترقيع من خلال الانتخابات الجزئية ومقابل هذا الانفتاح المزعوم يعمل النظام على ارساء الفرق البوليسية المتعددة والاجهزة المختصة تحسبا لانفلات الوضع كايجاد المجلس القومي للامن الذي يبين بالمكشوف حقيقة التوجهات العسكرية البوليسية.
لقد اصبحت توجهات النظام واضحة لدى الجماهير التي لم تر من التغيير المزعوم شيئا ففي نفس الوقت الذي يلوح فيه النظام بالتفتح الذي يقع توظيفه في اتجاه تركيز الموالين ودعم ما سمي بالاجماع الرئاسي ودولة المؤسسات يتجه النظام الى اعداد العدة من اجل محاصرة التحركات الجماهيرية وفرض سلم اجتماعية توافق عليها الاحزاب الكرتونية والبيروقراطية النقابية هذا فضلا عن دعمه للتيار الظلامي بغية ضمان قاعدة شعبية واستعمال المغالطة والتلاعب بالمشاعر الدينية للجماهير لتهميش مطالبها وتغييب مصالحها.
ان جملة التدابير التي اتخذها النظام ولئن حضيت بتزكية بعض الاطراف الاصلاحية فانها تصطدم بواقع الصراع الطبقي والنضال الوطني وسيكشف هذا الواقع في المدى القريب ان كل التخطيطات المصاغة بمعزل عن مصالح الشعب وعلى حسابه مآلها الفشل الذريع.
لقد تمكن النظام في ظل التاثير الضئيل للبديل الثوري في حركة الجماهير من اخذ زمام المبادرة ونجح نسبيا في الحد من القطيعة التي كانت سائدة قبيل الانقلاب وهو مازال يتعامل بحذر مع الملفات الساخنة في انتظار تركيز نفسه وتحقيق ما سمي" بالاجماع الرئاسي" ودولة المؤسسات ولذلك فانه يتعين على القوى الثورية عموما فهم المغزى من الميثاق وطرح كيفية التصدي له في علاقة بحركة الجماهير.


III توجهات الميثاق
ليس هذه المرة الاولى التي تعتمد فيها الطبقات الحاكمة الى طرح المواثيق فقد سبق للنظام ان طرح في 1974 "ميثاق الرقي" الى افضى الى احداث 26 جانفي 1978 كما طرح النظام صيغة " الجبهة الوطنية" ليلملم صفوفه والتي ادت رغم كل الاحطياطات الى انتفاضة 1984 وهاهو الان يطرح من جديد "ميثاقا" يريده عقدا أدبيا ملزما للاطراف المساهمة فيه فماهي بنوده وماذا يهدف النظام من وراء ذلك؟
لقد دعى بن علي بعض القوى السياسية والاجتماعية يوم 22 افريل –نيسان-1988 الى المشاركة في صياغة ميثاق لخص توجهاته العامة في المحاور التالية:
1) "حماية المجموعة الوطنية من عوامل التفكك والاندثار(...) تبيين دور الاسلام كدين وكحضارة في الحفاظ على هويتنا(...)وايلاء الاسلام ما يستحقه من اعتبار لائق واحترام شعبنا في معتقداته ومقدساته بعيدا عن كل العقد"
2) "دعم السيادة الوطنية وصيانة الاستقلال السياسي والسيطرة على عوامل تبعيتنا وحماية النظام الجمهوري ومؤسساته"
3) "الاجتهاد المبدع في اطار قيمنا الحضارية (...) وحب العمل الدؤوب كشرط من شروط تحقيق نهضتنا (..) تقليص اسباب الحيف والحفاظ على السلم الاجتماعية"
4) "ان يضبط الميثاق مفهوم التنمية الشاملة(...) بعيدا عن الضغوط والمزايدات الحزبية والفئوية وبما يكفل الحرص على النجاعة الاقتصادية"
5) ان يحدد الميثاق طبيعة علاقاتنا الخارجية (...)وان يستجلي افاق بناء صرح المغرب العربي المشترك والتضامن الاسلامي(...) والالتزام بتعهداتنا الدولية.(التسطير من عندنا)
ان تناول هذه المحاور بالتحليل سيكشف حقيقة توجهات الميثاق الذي يريده النظام التزاما ادبيا للاطراف الرجعية والاصلاحية المشاركة في بلورته بمعزل عن مصالح الشعب وتطلعاته. وبما ان الميثاق لايلزم سوى اصحابه وسيفتضح امره لدى أوسع الجماهير العربية التي ستدخل في تناقض صارخ مع توجهاته من خلال نضالاتها ودفاعها عن مطالبها فعلى القوى الوطنية الديمقراطية عموما ان تساهم في احكام الدعاية ضد وسائل الاعلام الرسمية والمأجورة وان تدفع نحو كشف الاهداف اللاوطنية واللاشعبية للميثاق وذلك بالتركيز على المحاور التالية:
1) مفهوم الهوية من وجهة نظر الطبقة العاملة وعلاقتها بالنضال ضد الامبريالية وضد الصهيونية والرجعية العربية- مفهوم الهوية واعادة الاعتبار للتراث التقدمي للشعب العربي وللامة العربية المضطهدة التي تعمل الامبريالية على مزيد تجزئتها بالتركيز على النعرات والطائفية وعلى التيار الظلامي المتحالف معها.
2) توجهات التنمية الفعلية المنطلقة من مصالح الشعب وارتباط بناء الاقتصاد الوطني بالنضال الحازم ضد الامبريالية وضد املاءات الصناديق النهابة فالوطنية تعني في نهاية المطاف تأميم مصالح الامبريالية وارساء صناعة وطنية متحررة من هيمنة الاحتكارات العالمية وهي تعني كذلك الاعتماد على طاقات الجماهير في السيطرة على ثرواتها الطبيعية وتسخيرها لمصالحها كما ان الوطنية مرتبطة بالمسألة الديمقراطية ومسألة تحرير جماهير الفلاحين والنهوض بالزراعة.فكيف يمكن الحديث عن الوطنية في حين اصبح القطر ملحقا للسوق الامبريالية التي تنهب ثرواته وتستغل عرق جبين الجماهير الكادحة؟
3) فهم المدلول الحقيقي للعبارات العامة في الميثاق المتحدثة عن "دعم النظام الجمهوري ودولة المؤسسات"(أي دولة الكمبرادور والاقطاع) و"حب العمل والسلم الاجتماعية"وهي دعوة صريحة الى العمل وفق ارادة الاعراف والاقلاع نهائيا عن المطالبة بالحقوق المشروعة فالمطلوب هو الانصياع الى توصيات الصناديق النهابة بدون نقاش وبدون تفكير واذا مافكرت الجماهير او احتجت فهي تتنكر الى "حب العمل" وتهدد "السلم الاجتماعية" و"دولة المؤسسات" الخ من التهم التي تتحول الى "خيانة عظمى" وتشريع المحاكمات السياسية باسم "صيانة النظام الجمهوري"
إستنتاجات
لقد حسم الانقلاب معركة الخلافة في صلب الطبقات الرجعية ونظرا لطبيعة النظام واجهزة الدولة المدافعة عن مصالح الكمبرادور والاقطاع فان الازمة الامبريالية والانظمة الموالية لها لن تحل على كاهل الجماهير من خلال المواثيق الرجعية التي يقع اعدادها من وراء ظهر الشعب الكادح واذا نجحت مناورة الامبريالية ظرفيا في تجديد الوجوه نظرا لضعف تأثير القوى الوطنية الديمقراطية في الحركة الشعبية واذا توصلت هذه المناورة الى شق صفوف الاطراف السياسية رجعية كانت ام "ثورية" نظرا لتهافت البعض على الكراسي وقصر نظر البعض الاخر.فان توجهات الميثاق ستعيد الى الاذهان حقيقة المناورة وستعي الجماهير بتناقض الوعود مع الواقع المعيش.
لقد عمل النظام اثر الانقلاب على تقليص القطيعة بينه وبين الجماهير فرفع راية "الديمقراطية" من جهة ودخل في تجديد رموزه مع عسكرة الحياة بغية تركيز النفس من جهة ثانية.ان الهدف من الانقلاب اذن هو :
1- توحيد صفوف الطبقات الحاكمة وتحقيق الاجماع حول شخص بن علي بعد ما كان حاصلا حول بورقيبة أي استبدال ماسمي "بالشرعية البورقيبية " بالشرعية الدستورية" -2- الاعتماد على التيار الظلامي وعلى قاعدته من اجل استعماله كبوق لتزكية مخططاته والاعتماد عليه لتهميش حركة الجماهير وتقسيمها ولمحاربة القوى الوطنية الديمقراطية والماركسية اللينينية تحديدا.-3- استمالة القوى الاصلاحية والانتهازية والاستفادة من تحركاتها المكثفة في بث الاوهام حول طبيعة السلطة ومغالطة الجماهير وفي تقسيم الحركة الجماهيرية والتصدي لعملية تجذرها.
وبايجاز فان النظام يحاول استعمال كل الاوراق فضلا عن الاعداد العسكري غير المعلن من أجل مراقبة الحركة الجماهيرية ومحاصرة قواها الطلائعية لكن الرياح تجري بما لاتشتهيه السفن اذ ان الصراع الطبقي ليس بوصفة جاهزة فقد انهارت المواثيق السابقة رغم كل التدابير المتخذة وستنهار المواثيق اللاحقة التي تمضى بتغييب الشعب تغييبا كليا وتنصب اناس يتحدثون باطلا باسمه.
ولذلك فانه في منتهى الاهمية فهم اهداف المناورة والوعي 1) بان الصراع الطبقي مهما بدى خافتا ومهما تقلصت القطيعة بين الجماهير والنظام ظاهريا فانها موجودة موضوعيا نظرا لتضارب المصالح. 2) الوعي بانه مهما بدت الرجعية متحدة ورغم عملية لملمة الصفوف فان جبهة الميثاق تنخرها تناقضات عدة سرعان ماتنفجر امام اول هزة جماهيرية.
ولذلك لايجب الاستهانة بالمناورة والتصرف وكأن شيئا لم يكن بل يجب التحلي بالحنكة السياسية المفقودة عند بعض المتطفلين عل التحليل المادي الجدلي ودفع عملية الصراع الطبقي والنضال الوطني نحو توسيع جبهة الجماهير واضعاف جبهة الثورة المضادة.
واذا كانت قوى الثورة المضادة تدفع من خلال المناورات المختلفة حسب اختلاف وضع حركة الجماهير الى تمييع الصراع الطبقي وطمس النضال الوطني من اجل استعادة انفاسها والتراجع حسب الظروف عن مكاسب الحركة الجماهيرية فان القوى الوطنية الديمقراطية تعمل من جهتها على ترسيخ المكاسب المسجلة والارتقاء بوعي الجماهير وتجربتها في اتجاه احباط مخططات الامبريالية وعملائها وطرح نفسها بديلا فاعلا في عملية الصراع الطبقي.
ومن هنا تأتي ضرورة نفاذ الموقف الشيوعي لاوسع الجماهير ولاتقتصر المسألة على وجود هذا الموقف على الرف او في حلقات ضيقة كما يفعل التيار التصفوي اليميني المندس بل كل المسألة تكمن في ايصال الموقف الشيوعي من جهة وجعله موقف الجماهير نفسها من جهة ثانية.
وفي هذا الاطار تكتسي مسألة تربية المناضلين والجماهير عامة تربية ثورية تقطع مع التذبذب البرجوازي الصغير وهي مسألة ذات اهمية قسوى وتتمحور هذه التربية على مستوى اشكال النضال والتنظيم حول توخي اساليب كفاحية والاقلاع عن اللهث وراء التحركات القانونية لاغير.
ان هذا التوجه الكفاحي لايعني الاستخفاف بالعمل الشرعي والقانوني بل المطلوب هو استغلال مجمل الاطر الجماهيرية وتوضيف النشاط من أجل دعم العمل الثوري.
لقد استغلت الاطراف اليمينية الانقلاب لتحيي تنظيراتها حول التحول السلمي وحول امكانية حدوث انتخابات فعلية في ظل الانظمة الموالية للامبريالية وهي تضرب بالتالي عرض الحائط بالصراع الطبقي ومايترتب عنه من تصادم عنيف بين الجماهير من جهة والانظمة من جهة أخرى.فقد اثبتت التجارب في امريكا الجنوبية زيف "الانفتاح" وزيف "الانتخابات"واثبتت التجربة في القطر حقيقة الانتخابات المهزلة سنة 1981 وماتلاها وبما ان النظام الامبريالي العالمي مبني على اساس نهب خيرات الشعوب واستغلال عرق جبينها فهو بالطبع في تناقض كلي مع مصالح الشعوب وتطلعاتها نحو التحرر وهو يعمل كذلك على تلجيمها من خلال الانظمة العميلة وهكذا تصبح المطالبة باسط الحقوق جريمة فيعتبر الاضراب مثلا "تخريبا" لدولة المؤسسات ويصبح حق التظاهر عصيانا مدنيا الخ...وتظل شعوب المستعمرات واشباهها امام اختيار واحد هو اسلوب العمل السري الذي يتطور بتطور الصراع الطبقي وتغير موازين القوى الى الانفجارات العنيفة لتأخذ طريقها في النهاية نحو اسلوب حرب الشعب بقيادة الطبقة العاملة.
ان طمس ارادة الشعوب او التخطيط من وراء ظهرها يؤدي الى فشل هذه المخططات وبما ان الميثاق لايخرج عن هذا التصور فان الجماهير وقواها الطلائعية –نواة حزب الطبقة العاملة- ستدخل في تناقض معه بمجرد المطالبة بابسط حقوقها وستجد حركة الجماهير نفسها مكبلة بميثاق يتعارض وابسط تطلعاتها فتفرض عليها النقابة المساهمة في الحقل النقابي وتحجر كل التحركات وفق شعار "صيانة السلم الاجتماعية" ويصاغ ميثاق طلابي يهمش مطلب التعليم الشعبي والمجاني ويزداد اضطهاد جماهير الفلاحين في اتجاه تطبيق توصيات الصناديق النهابة.
ولذلك فاحسن رد على الميثاق هو التمسك بمكاسب الكادحين والحركات الجماهيرية والعمل على تطويرها بتوخي الاساليب النضالية الملائمة.وقد سبق للحركة الجماهيرية ان قالت كلمتها –رغم القمع- في المسألة الوطنية فخرجت في مظاهرات تندد بالغارة الصهيونية على حمام الشط والاعتداء على الجماهير العربية في ليبيا او محاصرة المخيمات كما ساندت الانتفاضة في الضفة والقطاع ووقفت ضد التطبيع مع نظام مخيم داوود ورفضت علنا-على عكس المواقف الرسمية-الحلول الاستسلامية وهي تعتبر حضور الاساطيل وجولان الجواسيس والموساد خاصة والمناورات الحربية الامريكية الخ...اعتداءا على الكرامة الوطنية.
كما سبق للشعب العربي في تونس ان عارض الاجراءات الاقتصادية المفروضة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وانتفاضة"الخبز" 1984 مثلا خير دليل على ذلك فقد قال لا لقانون افريل 1972 وما شابهه وقال لا لتجميد الاجور وتحرير الاسعار الملتهبة باستمرار والتراجع في المكاسب الاجتماعية .
وتحركت جماهير الفلاحين لتطالب بحقها في الارض المسلوبة وبقسطها في استغلال المياه وبحقها في القروض والدعم خاصة امام سياسة اهمال المناطق الريفية على كل المستويات.
وبايجاز فان الجماهير الكادحة تناضل من اجل السيادة الوطنية الفعلية وهي مانفكت تطالب بتحسين قدرتها الشرائية وترفض بدعة الانتاج والانتاجية والسلم الاجتماعية الممضاة على حسابها فهي تطالب بالشغل القار وتناضل ضد الطرد وآفة البطالة وتتحرك من اجل المسكن اللائق والتعليم المجاني والعلاج الجدي...
فهل احترم الميثاق مطالب الجماهير الشعبية وتطلعاتها نحو التحرر وتحليها بالوطنية الفعلية؟ بالطبع لا.ولن تنجح الانتخابات المهزلة من جهة ولا الاعداد العسكري المكثف تحسبا للانفجارات المقبلة في كبت صوت الشعب من جهة ثانية.
ولذلك يتحتم على القوى الماركسية اللينينية والوطنية عموما ان تقف الى جانب الشعب وفي صفه وان تنطلق من مطالبه الحيوية ومن استعداداته لتكشف حقيقة المناورة من جهة وتدحض الاوهام الاصلاحية من جهة أخرى,الاوهام التي تهدف الى عرقلة مسيرته والحيلولة دون تجذر وعيه واساليب نضاله ومن واجب هذه القوى ان تبلور مطالب الحركة الجماهيرية بكل وضوح في الحركة العمالية وفي حركة الشبيبة من جهة وان تعمل على استنهاض الفلاحين الفقراء من جهة ثانية وذلك من اجل فرز طبقي يعيد الاعتبار للمسألة الوطنية والديمقراطية.

ايلول-سبتمبر 1988 تونس



Commenter cet article