حول الدين

Publié le par mohmedalimawi

حول الدين
مدخل
يعدّ الدين أحد المكونات الرئيسية للإيديولوجيا السائدة فى الوطن العربي و من خلاله تتحصن الطبقات المهيمنة تجاه كل نقد يمكن أن يطال ما تأتيه من ممارسات على مختلف الأصعدة مصبغة بذلك على ذاتها شرعية دينية لا ينبغي فى تقديرها أن يرقى إليها الشك أو القدح . و لا تشهر الطبقات المهيمنة فى سبيل المحافظة على هذه الصورة التي تبدو عليها عصا قمعها المادي فحسب وإنما تستعمل كذلك شتى أنواع القمع الإيديولوجي التي تتفتق عليها قريحتها فتنفث أجهزة دعايتها الغباء الإيديولوجي على نطاق واسع فتغتال المعرفة العلمية فى اليوم الواحد عشرات المرات أما الخرافة فتنتصب ملكة تحرق لها البخور وتتلو على مسامعها التراتيل .
فى مواجهة ذلك يغدو من الملح بالنسبة للشيوعيين الماركسيين اللينينيين كشف حقيقة ذلك الخداع الإيديولوجي و فضح المرامي والأهداف التي تختفي وراءه ،وليس هناك من شك فى أن الدراسة النقدية للمسألة الدينية فى أبعادها المختلفة تعد فى هذا المجال العتبة المفضية لولوج فضاء يطاح فيه بشتى المقدسات التي تحاول الطبقات البائدة التمترس وراءها . نقول ذلك و نحن نؤكد فى ذات الوقت على أن نقد الدين لا ينبغي أن يظل حبيس تناول النصوص المجردة وإنما و بالأساس تناول الواقع الاجتماعي بالنقد هذا الواقع الذي يؤلف الدين هالته الروحية كما يؤكد ذلك كارل ماركس .
على هذا الأساس فإنه لا بد من الإشارة إلى وجود إنحرافين أساسيين بصدد دراسة المسألة الدينية ،يتمثل أولها فى إنكار ضرورة نقد الدين بدعوى أن ذلك من شأنه أن يثير حفيظة "الجماهير المؤمنة ". هذا الموقف لا يخدم فى حقيقة الأمر البروليتاريا الثورية وإنما يقدم أجلّ الخدمات لأعدائها إذ أنه يترك أسلحتها الإيديولوجية بمنأى عن النقد وهو ما يعبر حسب لينين عن "ضيق أفق وانتهازية البرجوازية الصغير أو المثقف الليبرالي الذي يقشعر بدنه من النضال ضد الدين " (1) كما أنه يلغى جملة و تفصيلا الأهمية الفائقة التي يكتسيها نقد الدين الذي أكد كارل ماركس بأنه الشرط الممهد لكل نقد "(2) أما الانحراف الثاني فيتمثل فى توجيه النقد للدين من حيث هو نصوص مفصولة عن الواقع الاجتماعي الملموس الذي أفرزها، فالنقد هنا لا يطال إلا الأفكار أما الواقع العيني الذي يعد المرتكز المادي الذي يقوم عليه الدين فيظل بعيدا عن كل نقد ومثل هذا الموقف لا يقود فى الحقيقة إلا إلى ترسيخ الغباء الإيديولوجي الذي يتخذ من الدين سلاحا له وهو ما يمدد فى أنفاسها ولا يقود بالتأكيد إلى اضمحلالها. يقول لينين بهذا الصدد : " ليس هناك من كتاب ثقافي يستطيع أن يستأصل الدين من الجماهير المسحوقة تحت أقدام العمل الرأسمالي ما لم تتعلم هذه الجماهير بنفسها النضال المتماسك المنظم ضد بذور الدين هذه, ،ضد سلطة رأس المال فى جميع أشكالها ." (3)
وفى الوطن العربي حيث يبلغ الاضطهاد الإمبريالي الإقطاعي أعلى درجاته، وحيث تخرج الإمبريالية منة كمّها الجماعات الدينية الموغلة فى ظلاميتها التي لا تتوانى فى تبرير الأوضاع الاجتماعية القائمة فقط وإنما تريد كذلك العودة بالجماهير إلى عهود أشد انحطاطا ، فإنه من المهم بالنسبة للشيوعيين الماركسيين اللينينيين الماويين أن يعملوا دونما هوادة من أجل توجيه سهام نقدهم للإيديولوجية الدينية من خلال الكشف عن بذورها الاجتماعية وأن يستنهضوا الجماهير للنضال ضد البؤس الطبقي الذي كثيرا ما يُغَلف برداء الدين أي بكلمة إشهار سلاح النقد الذي لا يغنى بالتأكيد عن نقد الأسلة أي الثورة الاجتماعية العنيفة التي من شأنها أن تهدم أركان السيطرة الإمبريالية الإقطاعية طوبة طوبة وتفتح المجال رحبا أمام بناء عالم ينتفي فيه إستغلال الإنسان للإنسان أي الوصول إلى المرحلة الشيوعية التي فيها فقط يزول نهائيا البؤس الطبقي الذي تجد فيه الإيديولوجية الدينية من حيث هي وعي زائف أسباب بقائها وإنتشارها .
و للقيام بهذه المهمة سوف نحاول فى هذا البحث الوقوف أولا على الأهمية التي إكتسبها نقد الدين فى الفلسفة الحديثة لكي نصل ثانيا إلى تبيُّن الفهم الماركسي-اللينيني الماوي لمسألة الدين و سنخص ثالثا بالحديث الظرفية الاجتماعية التي نشأ فيها الدين الإسلامي و نحن نطمح من خلال ذلك إلى إثارة المزيد من البحث و الإستقصاء حول هذه المسائل التي نعتقد جازمين أنها تمثل إحدى إشكاليات النضال الثوري فى مرحلته الراهنة .
1) نقد الإيديولوجيا الدينية :
أ – لمحة تاريخية موجزة:
سيطرت الإيديولوجيا الدينية لفترات طويلة على عقول الناس ولم يبدأ تأثيرها بالانحسار النسبي إلا مع بداية ظهور الرأسمالية تحت تأثير النقد الذي وُجّه لها من قبل فلاسفة البرجوازية الآخذة فى الصعود .
كان على البرجوازية الصاعدة فى أوروبا لكي تنجز ثورتها وتحقق ذاتها كطبقة أن تخوض صراعا مريرا ضد الإقطاع ،صراعا متعدد الأوجه ألّف فيه الجانب الإيديولوجي حيزا غير قليل الأهمية . وبما أن الإيديولوجيا السائدة فى عصر الإقطاعية كانت تقوم أساسا على سيطرة الدين فإن المهمة الإيديولوجية الأولى التي واجهت فلاسفة الثورة البرجوازية الديمقراطية تمثلت فى التصدي لهذا الفكر الذي وقف فى ذلك الحين حجر عثرة أمام التطور التاريخي على جميع الأصعدة .
وكانت الإيديولوجيا الدينية تقف عائقا أمام تطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج بتأييدها لطبقة الإقطاع حيث لعبت الكنيسة دورا كبيرا فى إضفاء الشرعية الدينية على حكمها وفى مثل هذا المناخ الفكري والإجتماعي استعملت شتى السبل من أجل الحيلولة دون تطور المعرفة العلمية .
و بما أن البرجوازية كانت بحاجة إلى تحرير الأقنان لاستعمالهم كعمال فى ورشاتها
ومصانعها من جهة وإلى تطوير المعارف العلمية والتقنية من جهة ثانية لإنجاز
ثورتها الصناعية فقد كان عليها أن تناضل بصفة مباشرة ضد السلطة الدينية – سلطة الكنيسة – خاصة وأن الكنيسة لم تكن تمثل سلطة دينية روحية فحسب بل كانت تمثل عدوا طبقيا بإعتبار أنها كانت تملك الأراضي فى أوروبا وتوحد تحت رايتها كل الإقطاعيين .
لقد كان النضال الإيديولوجي ضد سلطة الفكر الديني الشرط الممهد للنضال السياسي والثورة على الإقطاعية ،وقد إضطلعت الفلسفة المادية بهذه المهمة خير إضطلاع فكانت معادية للاهوت و الميتافيزيقا. وحمل لواء هذه الفلسفة المادية ما قبل الماركسية فلاسفة مناضلين عرفوا الإضطهاد والملاحقة ،نذكر منهم - .... ديدرو (1713-1784) الذي إعتبره لينين أكبر مفكر مادي كاد يصل إلى إستنتاجات المادية المعاصرة قبل ماركس وإنجلس و الفيلسوف و الطبيب الفرنسي لامترى ( 1709-1751) الذي طور الجانب المادي فى الفلسفة الديكارتية و بياربايل الفيلسوف والصحفي الفرنسي المتوفى سنة 1706 الذي يقول بصدده ماركس وأنجلس "إن الرجل الذي أسقط على الصعيد النظري حظوة ميتافيزيقا القرن 17 و كل ميتافيزياء هو بيار بايل " إن بيار بايل إذ ذوب الميتافيزياء بواسطة الريبة حقق ما هو أفضل من تعبيد الطريق لعملية تبنى المادية و فلسفة الحس السليم فى فرنسا ، لقد أعلن المجتمع الملحد الذي قدر له أن ينشأ بعد قليل و ذلك بإثبات إمكانية وجود مجتمع ملحدين خالصين وبإثبات أن الملحد يمكنه أن يكون إنسانا شريفا وأن الإنسان ينحط لا بالإلحاد بل بالخراف و الوثنية ." ( 4)
أما الفيلسوف الذي بلغت معه مهمة نقد الفكر الديني حدودها القصوى فى ذلك الحين فهو الألماني لويد فورباخ الذي ليخفي ماركس و أنجلس تأثرهما بفلسفته.
ب- نقد فيورباخ للدين :
إن الدين الوحيد الذي قام فورباخ بدراسته و نقده هو الدين المسيحي وكان ذلك فى كتابه "جوهر المسيحية " وقد إنطلق فورباخ من هذه الدراسة للقيام بتعميمات قادته فى أحيان كثيرة إلى إستنتاجات خاطئة .
يقوم نقد فورباخ للدين على القول بأن الدين وحده هو ما يميز الإنسان عن الحيوان لأن الحيوان لا دين له ولأن الإنسان وحده من بين كل الكائنات له القدرة على الوعي بجوهره وعيا لا محدودا . و يتكون الإنسان فى جوهره حسب فورباخ من قوة العقل والإرادة والقلب وتمثل العاطفة أو القلب الجوهر المطلق للإنسان أو جزأه الإلاهي ،يقول فورباخ :" إن القلب ليس شكلا للدين بحيث يكون للدين مكانه فى القلب إنه جوهر الدين ." (5) والوعي الديني الذي يرتكز رئيسيا على الإعتقاد بوجود قوة غيبية ماورائية أو آلهة تتحكم فى مصير الإنسان ليس سوى وعي الإنسان بذاته كما بين ذلك فورباخ من خلال قوله : إن الله ليس شيئا غير جوهر الإنسان و قد أصبح نقيا من كل الحدود والشرور كما تبدو للفرد البشري سواء من خلال الإحساس أو الفكر ." (6) فالإنسان الواقعي الذي يحس بنقصه وبمحدوديته و بعجزه عن تجاوز هذا النقص وهذه المحدودية يخلق بخياله صورة لكائن لا واقعي يضفى عليه من ذاته ويخلع عليه كل صفات الكمال التي يفتقر إليها . ولكنه لا يعي أن هذا الكائن من خلقه ولا وجود له إلا فى خياله فيضفى عليه صبغة القدسية ويعبده والإنسان فى كل ذلك مغترب لأنه لا يعبد سوى جوهره الذي يبدو له فى صورة كائن أسمى و حسب تعبير فيورباخ : " إن الجوهر فى شكل صورة جوهر الدين ".(7)
و الإعلان عن زيف التصورات المرتبطة بالوجود الإلاهي يقترن بالإعلان عن زيف التصورات المرتبطة بوجود عالم آخر فالعالم الآخر حسب فيورباخ "ليس إلا هذا العالم وقد تحرر من كل ما يبدو خيرا أو شرا. إن الفرد يعلم هذه المحدودية بإعتبارها محدودية وهذا الشر بإعتباره شرا بنفس القدر واليقين الذي يعرف به أن فى العالم الآخر تزول هذه الحدود ، إن العالم الآخر هو شعور الإنسان وتخيله أنه قد تحرر من هذه الحدود التي تحد فى هذا العالم من وجود الفرد و من إحساسه بذاته ." (8)
فالعالم الآخر حسب التحديد الفيورباخي ليس سوى صورة خيالية ناتجة عن رغبة فى التعويض عن الحرمان الذي يعيشه الإنسان فى العالم الواقعي بتصور عالم آخر يجد فيه الإنسان التلبية الكاملة لما يرغب فيه فالمتدين حسب فيورباخ :" يعرض عن ملذات هذه الأرض ولكن فقط ليربح ملذات سماوية أو قل إنه يعرض عنها لأنه يتملك بعد على الأقل فى مستوى الفكر لهذه السعادة الأخروية ،هذه الملذات هي نفس ملذات الحياة الدنيا ،لكن محررة من كل القيود والضيق المميز لهذه الحياة "(9) فالدين يصل إلى السعادة عبر خط ملتو هذه السعادة التي يصل إليها الإنسان الطبيعي والعاقل حسب عبارة فيورباخ عبر خط مستقيم . فالإنسان ليس فى حاجة إلى البحث عنها فى العالم الآخر ما دام قادرا على تحقيقها فى هذا العالم لذلك فقد إستهدف نقد فيورباخ للدين تعويض تلك السعادة الوهمية بسعادة واقعية وهو الأمر الذي لا يمكن أن يتم من وجهة نظره إلا بفهم الإنسان لحقيقة الأديان السائدة وإستبدالها بدين جديد هو دين الحب والصداقة .
إن الأديان السائدة كعلاقة عاطفية بين البشر لا توجد بينهم بصفة مباشرة بل تجمعهم حول عقائد واحدة وطقوس واحدة و تربطهم ببعضهم البعض بعلاقات دينية غير أننا نجد فى علاقات الحب والصداقة حسب فيورباخ ما هو أسمى من ذلك بكثير .يقول إنجلز معلقا على ذلك : " فى رأي فيوباخ إن الدين علاقة عاطفية ،علاقة قلوب البشر فيما بينها التي ما تزال تبحث حتى اليوم عن حقيقتها فى إنعكاس وهمي للواقع بواسطة إله واحد او آلهة متعددة هي إنعكاسات وهمية للصفات الإنسانية و تجدها الآن مباشرة ودون وسيط فى الحب بينك أنت و بيني أنا." (10)
وهكذا فإن الهدف من نقد الدين لدى فيورباخ ليس إلغاء الدين بل تعويضه
بدين جديد و فى هذا تكمن مثاليته مما جعل إنجلس رغم إعترافه بالإسهام الذي قدمه فيورباخ فى توضيح مفهوم الإغتراب الديني ينقده بشدة فى كتابه "لويد فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية ".أما الملاحظات التي سجلها ماركس حول فلسفة الدين لدى فيورباخ والتي نشرت تحت عنوان "أطروحات حول فيورباخ " فإنها رغم طابعها المختزل تكتسي أهمية بالغة إذ أنها إستوعبت أهم ما يمكن توجيهه من نقد إلى فيورباخ فى هذا المجال بالذات وهذا يقودنا إلى تناول النقد الذي واجهته فلسفة فيورباخ حول الدين .
ج- نقد نقد فيورباخ للدين :
يقول ماركس : " إن الدين هو وعي الذات أو الشعور بالذات لدى الإنسان الذي لم يجد بعد ذاته أو الذي فقدها ." (11) وهو يتفق فى ذلك مع فيورباخ فى تحديده للوعي الديني كوعي يعبر عن إغتراب الذات الإنسانية ،لكنه يختلف معه فى تحديد طبيعة الإغتراب الديني وأسبابه فإن كان فيورباخ يربط هذا الإغتراب بجوهر الإنسان المطلق فإن كارل ماركس يقرنه بعوامل تاريخية وإجتماعية وإقتصادية وإن كان يتفق معه فى القول بأن الإله ليس سوى إنعكاس لصورة الإنسان فهو يختلف معه فى تحديد طبيعة هذا الإنعكاس. إن الدين حسب كارل ماركس لا يعكس صورة الإنسان المجرد المطلق الذي يخلق بعيدا عن الزمان والمكان بل هو يعكس الإنسان ككائن إجتماعي وتاريخي فالإنسان ليس مجرد كائن جاثم فى مكان ما خارج العالم فالإنسان هو عالم الإنسان الدولة ،المجتمع وهذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان الدين الوعي المقلوب للعالم لأنهما بالذات عالم مقلوب." (12)
فالإغتراب الديني حسب كارل ماركس إذن لا يمكن فهمه إذا فصلناه عن الإغتراب الإقتصادي والإجتماعي لأنه فى نهاية الأمر ليس إلا نتاجا له ،فتفسير الإغتراب الديني لا يتم إلا بالرجوع إلى التناقضات ،تناقضات الواقع الإجتماعي والإنسان حين لا يجد ذاته فى المجتمع الطبقي يخلق لنفسه عالما مثاليا يتجاوز بواسطته تناقضات هذا الواقع ويحقق بواسطة كل ما عجز عن تحقيقه فى محيطه الواقعي .
و عجز فيورباخ عن إدراك العلاقة بين الإغتراب الديني و الواقع الإجتماعي جعله يقع فى العديد من الأخطاء منها:
أولا: ما ذكره إنجلز من أن فيورباخ "قد بين أن الإله المسيحي ليس سوى الصورة الوهمية للإنسان ،سوى إنعكاس له و لكنه نفسه نتاج سيرورة طويلة من التجريد خلاصة عدد غفير من الآلهة ،آلهة القبائل والأمم السابقة وبالتالي فإن هذا الإنسان وليس هذا الإله سوى صورة عنه ليس إنسانا واقعيا ولكنه هو أيضا خلاصة عدد كبير من البشر الواقعيين, الإنسان المجرد وبالتالي فهو بدوره صورة ذهنية ." (13)
وبمعنى آخر فإن فيورباخ يتغافل عن حقيقة أن الإلاه الواحد يمثل مرحلة عليا فى تطور الظاهرة الدينية لا يمكن فهمها إلا بربطها بالمراحل السابقة التي تمثلت فى عبادة الإنسان للطبيعة وعبادة الإنسان للإنسان, فالأديان التوحيدية ومن ضمنها المسيحية لا يمكن فهمها إلا بفهم التطور التاريخي السابق للمجتمعات التي ظهرت فيها .
ثانيا: يعتبر فيورباخ أن "المراحل الإنسانية لا يمكن أن تتمايز عن بعضها إلا بتغيرات من نوع ديني ." (14) ويعتبر إنجلز هذا الفهم فهما مثاليا لأنه يحدد بطريقة خاطئة العوامل المسببة للثورات الإجتماعية ويضع الدين أساسا لكل تغيير فى حين أن العديد من الثورات وإن إتخذت طابعا دينيا فإن أسبابها الحقيقية هي إجتماعية وإقتصادية ،هذا بالإضافة إلى أن الثورات الإجتماعية لم تتخذ طابعا دينيا إلا فى الفترات التي كان فيها الدين الشكل الإيديولوجي الوحيد المهيمن ،فالثورة البرجوازية مثلا لم تتخذ الدين كشكل إيديولوجي لها بل حاربته ولجأت إلى الأفكار السياسية والحقوقية لتستمد منها إيديولوجيتها الخاصة .
ثالثا : إن نقد فيورباخ للدين لا يهدف إلى إلغائه بل إلى تعويضه بدين جديد هو دين الحب و يعلق إنجلز على هذا الدين الجديد بقوله " إن إمكانية معاناة المشاعر الإنسانية الخالصة فى علاقتنا مع أمثالنا هي اليوم مفسدة بصورة كافية من قبل المجتمع المبني على التناحر وعلى الهيمنة الطبقية حيث نحن مجبرين على التحرك والعيش وبالتالي فليس ثمة من سبب فى أن نفسده أكثر من ذلك برفع هذه المشاعر إلى مصاف الدين ." (15) فليست المشاعر الإنسانية القائمة على النفاق البرجوازي هي التي ستلغي الإستغلال والمجتمع الطبقي بل إن إلغاء الإستغلال هو الذى سيلغى تلك المشاعر .
لهذه الأسباب نقول إن نقد فيورباخ للدين لم يكن نقدا جذريا لأنه لم يقف على الأسباب الحقيقية للوعي الديني مما يجعله عاجزا عن تعيين الطرق التي ينبغي أن يستأصل بها الدين كوعي زائف من أذهان البشر، و إذا نظرنا لفيورباخ من زاوية كونه مثقفا برجوازيا يمكننا فهم الحدود التي يقف عندها نقد الدين لديه ،فالبرجوازية تاريخيا لم تكن معادية للدين إلا عندما كان هذا العداء يخدم مصالحها فى صراعها ضد الإقطاعية لكن عند صعودها إلى السلطة إكتشفت الخطأ الكبير الذى وقعت فيه حين بالغت فى هجومها على الفكر الديني إذ إكتشفت فى الدين أفضل سلاح لتخدير البروليتاريا و ترويضها على الإستسلام الطبقي مما جعلها تلجأ للدين ثانية بعد أن ساهمت هي ذاتها بقسط وافر فى نزع القناع عن الوهم الديني عبر رصيد فلسفي وأدبي و علمي لم يعد ملكها بل أصبح ملكا للبروليتاريا الثورية التى ترفع راية النضال لا ضد الفكر الديني فحسب بل ضد كل أشكال الوعي الزائف بما فى ذلك المنوعات الأخرى التى تشتمل عليها الإيديولوجية البرجوازية لذلك ينادي إنجلز فى هذا المجال "بنشر الأدب الفرنسي الرائع فى القرن الثامن عشر بكثافة بين العمال ،فهذا الأدب يشكل من حيث الشكل والأساس إحدى ذرى العقل الفرنسي وهو مع أخذ العلم عصرئذ بالإعتبار – ما زال يحتل حتى اليوم موقعا عاليا للغاية من حيث الجوهر والمضمون أما من حيث الشكل فلم يبلغ أحد مستواه قبلا . " (16) وهو بذلك يثمن ما قدمه هؤلاء الأدباء البورجوازيون الذين تنكرت البورجوازية لتراثهم المادي بعد تركيزها لسلطتها . ويمكن أن نفهم من ذلك تحريضه للعمال على رفع الراية التى أسقطتها البورجوازية ،راية النضال ضد الدين مع التشديد على أن نضال العمال ضد الدين ليس نضالا
فى مجال الفكر فقط بل هو نضال عملي كذلك من حيث إقترانه بالممارسة الثورية فى أشكالها المختلفة .
2) الدين : النشأة و التطور التاريخي :
أ- من الأشكال الأولى للوعي البشري إلى الدين:
يعرف إنجلز الدين بقوله : " إن كل دين ليس سوى الإنعكاس الواهم فى دماغ البشر
للقوى الخارجية التى تسيطر على وجودهم اليومي هذا الإنعكاس الذى تتخذ فيه القوى الأرضية شكل قوى فوق أرضية . فى بدايات التاريخ كانت قوى الطبيعة هي الخاضعة لهذا الإنعكاس ثم لم تلبث أن دخلت الميدان إلى جانب قوى الطبيعة قوى إجتماعية ، قوى تنتصب أمام الله البشر تبدو غريبة كل الغرابة و البداية غامضة وملغزة كذلك وهيمنت عليهم بنفس مظهر الضرورة الطبيعية وقوى الطبيعة ذاتها سواء بسواء .
تحوصل هذه الفقرة بشكل رائع الموقف الفلسفي الماركسي من الدين حيث أن النظرة الماركسية خلافا للنظرة المثالية ترفض إعتبار الدين نتاجا متعاليا عن الإنسان وتعتبره نتاجا أرضيا مثله فى ذلك مثل كل أشكال الوعي الأخرى ،فالدين يجد تفسيره لا فى السماء بل فى الأرض فى واقع البشر و فى شروط حياتهم المادية .
ولكي نقف على الملابسات التى حفت بنشأة الظاهرة الدينية من الضروري العودة إلى البدايات الأولى للوعي البشري ،حيث نجد أن الإنسان الذى إستقل لتوه عن المملكة الحيوانية قد واجه ظواهر الطبيعة المحيطة به محاولا فهمها والتحكم بها فلم يجد أمامه من سبيل إلا تقليدها معتقدا أنه يتمكن بذلك من السيطرة عليها وعبر هذه المحاكاة التى تقوم على تقنيات محددة بدقة نشأ السحر الذى مثل بذلك أول الخطوات التى خطاها الإنسان فى سبيل فهم الطبيعة ،ففي هذه اللحظة من عمر البشرية لا تزال وسائل التأثير فى الطبيعة محدودة الفاعلية فعجز الإنسان هنا يبلغ أوجه فهو يواجه الطبيعة مجردا من أي سلاح غير الأدوات التى نجح بصعوبة بالغة فى إنتاجها .
ومن خلال السحر أضفى البدائي على الطبيعة صبغة إحيائية فنظر إليها على أنها مجموعة من الأرواح التى يمكن التأثير فيها من خلال التشبه بها أي من خلال محاكاتها . يقول عالم الإناسة فريزر قي هذا المجال : " لقد حسب الناس عن خطإ أن نظام أفكارهم هو عينه نظام الطبيعة و تصوروا أنهم ما داموا قادرين على ممارسة تحكم بأفكارهم فلا بد أن يكون فى مقدورهم أيضا التحكم فى الأشياء ." و على هذا النحو إعتقد البدائي أن رغباته يمكن أن تتحقق من خلال طقوس تقع تأديتها بدقة متناهية وإذا حدث إتفاقا أن حصلت النتيجة المرجوة فإن ثقة البدائي تزداد وتتعاظم أما إذا ظل ما يبتغى بعيدا عن التحقيق فإنه يفسر الأمر بتدخل قوى شريرة حالت دون ذلك أو بإقناعه بأنه لم يؤد تلك الطقوس بالحذق المطلوب وهكذا فإنه فى كل الحالات يؤمن إيمانا قاطعا بجدوى تلك الطقوس التىيضفى عليها طابع القداسة . فالبدائي يعتقد أن بإمكانه تغيير مجرى الظواهر حسب إرادته فهو ينتزع من ذاته صفاتا محددة عادة ما تكون ذات طابع نفسي (فرح/غضب) و يضفيها على الطبيعة ثم يعمد بعد ذلك إلى إقتحام "هذه الحركة الذاتية ( لا الموضوعية ) للظواهر الطبيعية التى كان هو مؤسسها ويعتقد بذلك أنه قد حقق نصرا على قوى الطبيعة وبطبيعة الحال فإن إنتصاره هذا هو إنتصار وهمي إذ أنه لا يتعلق بالكشف عن القوانين الحقيقية المتحكمة فى الظواهر الطبيعية وإنما بقوانين متوهمة لذلك فإن عالم الأناسة تايلور يختزل المبدأ الذى يقوم عليه السحر فى قوله : " إنه أخذ علاقة وهمية بطريق الخطإ محا علاقة فعلية
." و يذكر فرويد أنه فى قبائل الإينو اليابانية يجرى إستجلاب المطر بالطريقة التالية " يصب بعضهم الماء فى منخل كبير بينما يطوف آخرون فى أنحاء القرية بإناء مزود بشراع ومجداف كما لو أنه قارب ." (17) كما يبين أنه حينما يخرج قسم من سكان قرية الدايان إلى صيد الخنزير البرى لا يجوز للذين يبقون أن يلمسوا بأيديهم زيتا أو ماء فإن لم يراعوا هذه الحيطة أرتخت أصابع الصيادين و أفلتت طريدتهم فى سهولة و كذلك عندما يقتفى الصياد من قبيلة جيلياك فى الغابة أثر قنيصة يحظر على أولاده الذين يلازمون البيت أن يرسموا رسوما على الخشب أو الرمل و إلا تداخلت دروب الغابة تداخل خطوط الرسم فلا يعود الصياد يهتدى إلى طريق العودة ." (18)
ومن الهام أن نشير فى هذا المجال إلى أن بعض الترسبات السحرية لا تزال سائدة فى القطر العربي تونس حيث يسود الإعتقاد فى بعض مناطق الوسط العربي بأن كسوف الشمس يعود إلى إلتهامها من قبل ثعبان ضخم لذلك فإن الناس يعمدون إلى إحداث الضجيج من خلال قعقعة الأواني معتقدين أن ذلك من شأنه إدخال الذعر على الثعبان الذى يولى بموجب ذلك الأدبار فتعود الشمس إلى حالها السابق .و فى بعض الجهات الأخرى يسود الإعتقاد بأنه إذا ما سكبنا ماءا باردا على عقرب لدغت أحدهم فإن ذلك من شأنه أن يخفف من آلامه . و من خلال هذه الأمثلة يتبين لنا أن الإنسان عبر ممارسته السحر يقيم فى واقع الأمر علاقات بين ظواهر لا رابط بينها . و فى السحر من حيث هو تقنة البدائي يتغيب الجانب الفكري الذى لا يزال فى هذا الطور من حياته الإنسانية ،فى ومضاته الأولى و فى اللحظة التى تطور فيها العمل الفكري نشأت شيئا فشيئا الأسطورة التى وجد فيها السحر تعبيره النظري المنطوق فكانت بذلك شكلا من أشكال الوعي الذى حاول الإنسان من خلاله فهمالطبيعة و تطويعها لرغباته . وفى الأسطورة يحتل النص الشفوي موقعا مميزا فالكلمة فى الذهنية الأسطورية فاعلة فهي التى تمر بالأشياء من واقع اللاتعين إلى واقع التعين ،من الفوضى إلى الإنتظام مثلما هو عليه الحال فى أسطورة ملحمة الخليقة لدي البابليين فمردوخ هو الذى أرسى النظام فى الكون (تعاقب الليل و النهار إلخ ) من خلال تغلبه على قوى الفوضى التى كانت تسود العالم و فى مطلع كل عام يحتفل البابليون بذلك الإنتصار من خلال تأدية هذه الأسطورة فى إحتفال جماعي و يعتقدون إعتقادا أن ذلك من شأنه أن يرسخ ذلك الإنتصار و يمنع قوى الفوضى من العودة من جديد فالكلمة هنا لها أهميتها المميزة بل إن الأشياء الموضوعية المحيطة بالبدائي لا ينظر إليها بموجب ذلك إلا من حيث هي تجسيد لكلمة الأسطورة و ترجمة واقعة لها .
بالنظر إلى الفشل المتكرر الى آل إليه السحر و الأسطورةتخلى الإنسان تدريجيا عن قدراته الوهمية و أسندها إلى قوى غيبية متعالية عنه أصبح يتقرب إليها عن طريق العبادة كسبا لودها و إجتنابا لغضبها و من هنا ظهر الفكر الديني كإمتداد للفكر
الأسطوري ليعطي القدرة التى كان يعطيها السحر للبشر إلى الآلهة وحدها و لم تكن هذه الآلهة فى البداية سوى تشخيصات متنوعة للقوى الطبيعية فعرفت الشعوب القديمة بحسب العوامل الطبيعية المؤثرة فى حياتها آلهة المطر و الجفاف و الخصب و آلهة القمر و الشمس إلخ .
وتعد الديانة التوتمية حسب علماء الإناسة من أقدم الديانات التى تعبر عن عبادة الإنسان للطبيعة فى شكل عبادة توتم حيوانية أو نباتية و فى الديانة التوتمية يسمى أبناء القبيلة أو ؟؟؟ بإسم إحدى النباتات أو الحيوانات التى يعتقدون فى إنحدارهم منها و يحرمون على أنفسهم قنص الحيوان التوتم أو قتله أو أكله كما يحرمون إن كان نباتا قطفه أو إستعماله و يصل التحريم أحيانا إلى حد حظر لمس التوتم و مناداته بإسمه أو النظر إليه . و يتخذ التوتم شعارا للقبيلة و أساسا للقرابة بين أفرادها و يعتقد فى قدرته على حماية القبيلة من الأخطار و الأعداء .
و قد مثلت الديالنة التوتمية مرحلة تمهيدية للتطور اللاحق للأديان إذ لم تنفصل الآلهة فيها بعد عن البشر و كان معتنقوها رغم تقديسهم للتوتم يعتقدون فى تماهيهم معه و فى وجود قرابة شخصية تربطهم به و هذا يعني أن الديانة التوتمية كسائر الديانات التى عرفتها فترة المشاعة البدائية ديانة بدائية لم ترتق بعد نحو التجريد الكلي للآلهة الذى عرفته الأديان اللاحقة .
و مع ظهور التقسيم الإجتماعي للعمل و إنحلال المشاعة البدائية و ظهور المجتمع الطبقي برزت إلى الوجود الأديان الإجتماعية فقد أدى تقسيم العمل إلى ظهور طبقتين متناقضتين : طبقة العبيد و طبقة الأسياد تشغل كل منها موقعا محددا فى عملية الإنتاج حيث يقوم الأسياد بالإدارة و التخطيط فى حين يقتصر دور العبيد على التنفيذ ، تنفيذ إرادة غريبة عنهم و تنفيذ أعمال يسخرون فيها لخدمة مصالح غيرمصالحهم . و تمثل الإنعكاس الخاطئ لهذه الوضعية فى وعي البشر المنتجين فى تأليههم لهذه القوى الإجتماعية المتحكمة بمصائرهم فوقع تأليه رؤساء القبائل و الملوك (قيصر ،الفراعنة ) مما جعل لكل قبيلة وشعب إلاها خاصا و فى حالة توحد القبائل أو الأقوام يجرى توحيد الآلهة و فى عديد من الحالات ترجيح بعضها على البعض الآخر حسب موازين القوى الإجتماعية و علاقة الأقوام ببعضها البعض . . و مع مرور الزمن تحولت تدريجيا عبادة رؤساء القبائل و الملوك إلى عبادة الأسلاف ثم ظهرت لدى بعض الأقوام فى سياق التطور التاريخي و فى إطار سعيها نحو التوحد الإقتصادي الحاجة إلى لإيديولوجية تجمع بينها فكانت الأديان التوحيدية إستجابة لهذه الحاجة الإجتماعية و قد إتخذت شكل عبادة الإله المجرد الذى خلقته القدرة الإنسانية على التخيل . و هكذا إنتقلت الديانات من طور تعدد الآلهة إلى طور التوحيد نتيجة عوامل إجتماعية و تاريخية بحتة لا علاقة لها بما إدعي من "نبوءات " و "رسائل إلهية " للبشر.
فالأديان الإجتماعية ليست سوى إنعكاس خيالي لواقع البشر لكن هذا الإنعكاس بعد نشأته بصفة عفوية يعاد إنتاجه بصفة واعية من قبل الطبقات السائدة لخدمة مصالحها فتنشئ لذلك المؤسسات و التنظيمات اللازمة . و هكذا بعد أن كانت الطقوس الدينية
تمارس فى النظام المشاعي البدائي من قبل كل أفراد الجماعة نجدها تمارس فى المجتمع الطبقي تحت إشراف فئة متخصصة من رجال الدين وهي تشغل موقعا طبقيا
متميزا و تنتظم فى إطار مؤسسات دينية تنحصر وظيفتها فى إعادة إنتاج الوعي الديني ،و رغم الأشكال المختلفة التى تتخذها هذه المؤسسات فإنها تؤدى وظيفة واحدة الحفاظ على مصالح الطبقات المستغلة مهعما إختلفت أوضاعها التاريخية و الإجتماعية .
ب- الدين من حيث الوظيفة:
تحوصل قولة كارل ماركس "الدين أفيون الشعوب " أهم وظائف الدين فالطبقات السائدة تلتجئ إليه كوسيلة إيديولوجية لتخدير الشعب وإبعاده عن واقع. وتعانق الطبقات المضطهدة عن غير وعي منها إيديولوجية مضطهديها تسكينا لآلامها و هروبا من واقعها .
يحدد لينين الدور الإيديولوجي للدين بقوله "تحتاج كل الطبقات المضطهدة لصيانة سيطرتها إلى وظيفتين اجتماعيتين وظيفة الجلاد ووظيفة رجل الدين فيقمع الأول احتجاج وإستنكار المضطهَدين ويواسيهم الثاني و ؟؟؟ تعاستهم و شفائهم من خلال أفاق تبقى سيطرة الطبقات على مصالحهم مع هذه السيطرة ويحرفهم عن الفعل الثوري ويحارب تصميمهم الثوري ." (19) يشكل الدين كوعي زائف سلاحا إيديولوجيا فى يد الطبقات السائدة تستعمله كل طبقة حسب ما يوافق مصالحها وهو كشكل من أشكال الوعي مهما حلق فى السماء و إدعى لنفسه البعد عن واقع الصراع الطبقي فهو ذو صلة وثيقة بهذا الواقع لأن الإيديولوجيا الدينية وإن كانت تنشر فكرا ظاهره الغيب فإن أبعاده السياسية والإجتماعية غير خافية عن الأنظار .
فما هي الأبعاد السياسية والإجتماعية للأفكار والمعتقدات والطقوس الدينية ؟ يرتكز الوعي الديني على الإعتقاد فى وجود قوة فوق طبيعية خلقت البشر الذين تتحكم بمصائرهم حسب إرادتها ومشيئتها وما عليهم سوى الخضوع لهذه الإرادة العليا وتنفيذ أوامرها ،وهو بذلك يربى الأفراد على عقلية الخضوع والخنوع لا لهذه القوة فحسب بل لكل ما هو سائد بإعتباره نابعا من المشيئة الإلهية . كما يرتكز الوعي الديني أيضا على الإيمان بالرسل والأنبياء ودورهم فى "هداية " الناس مقزما دور البشر إلى مجرد أتباع مما يجعلهم يركنون إلى السلبية تجاه واقعهم فى إنتظار الرسول المنقذ (عودة المسيح أو المهدي المنتظر ) ويصور الدين الجماهير فى شكل "رعاع " تسيطر عليها الغرائز الحيوانية وتميل بطبعها إلى الشر والفساد مبررا بذلك كل الشرور التى تسود المجتمع بإرجاعها كعقاب مستحق و كإمتحان لا بد من المرور به فمن نجح كان مصيره الجنة ومن أخفق كان مصيره جهنم و بؤس القرار.
ويضبط الدين سلوك الأفراد بمجموعة من المعايير والقيم الأخلاقية ذات الطابع المطلق وهي موجهة من حيث جوهرها ناحية الحفاظ على مصالح الطبقات السائدة فهي تطلب من الفقراء القناعة والرضاء وطاعة أولى الأمر وعدم الحسد وتطلب من
الأغنياء ما يثبت امتيازاتهم رشوة الفقراء بالصدقة والإحسان , عدم التكبر والزكاة والحج ...و يصور الدين الكون كلغز إلاهي يعجز الإنسان عن فهمه وهو بذلك يكرس السلبية فى المجال المعرفي ويقف أمام أي إستعمال خلاق للفكر البشري وأمام أي
تفكير نقدي بإعتباره تحديا للإله وسقوطا فى الكفر والزندقة ولا يخفى على القارئ
بطبيعة الحال أن السلبية فى مستوى الوعي تقود إلى السلبية فى مستوى التعامل مع إشكاليات التغيير الإجتماعي.
ويحدد الدين الصراع داخل المجتمع على أنه صراع بين مؤمنين وملحدين مغطيا بذلك التناقضات الحقيقية داخل المجتمع ومكرسا على هذا النحو إغترابا مزدوجا على مستوى الوعي وعلى مستوى الممارسة الإجتماعية .
كما يوجه الدين أنظار البشر نحو الخلاص الأخروي فيحرمهم بذلك من أدوات النضال والتحرر الواقعي فهل تحتاج الطبقات المهيمنة إلى أكثر من ذلك لإرساء دعائم سيطرتها الطبقية ؟
إنها رغم إلحادها لا بد أن تعلن إيمانها على رؤوس الأشهاد وتظهره لتأييد سيطرتها على البروليتاريا الثورية و باقي طبقات الشعب التى أثبتت التجربة فى أحيان كثيرة أن السلاح الإيديولوجي أقدر على تركيعها من أي سلاح آخر .
بالإضافة على ما تقدم من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن إنتشار الدين فى أوساط المضطهَدين كثيرا ما يجد أسبابه فى جملة من العوامل نذكر منها :
أولا: أن المضطهَدين يجدون فى الدين العزاء والسلوان فى مواجهة الواقع الأليم الذى يعيشونه لذلك فهم إثر كل محاولة فاشلة فى التمرد يلجؤون إلى إستبدال التجاوز الحقيقي لتناقضات الواقع بتجاوز وهمي فى مستوى الخيال عن طريق تخيل عالم آخر تتحقق فيه السعادة ويعاقب فيه الأغنياء عن بذخهم ويثاب فيه الفقراء عن صبرهم .
فالديانة المسيحية مثلا ظهرت فى العالم القديم على إثر ثورة إجتماعية هامة قام بها العبيد والفلاحون الأحرار وفقراء المدن وهي الثورة التى قادها سبارتاكوس ضد النظام العبودي فى روما القديمة وقد قمعت هذه الثورة التى تظل علما مضيئا فى تاريخ نضال الشعوب من أجل الحرية بضراوة مما جعل الطبقات المضطهدة تفقد أي أمل فى تحطيم النظام العبودي وهذا ما يفسر لماذا كان أغلب المنضمين إلى المسيحية عند ظهورها من العبيد والفقراء فقد كانوا يبحثون فى عالم السماء عما إفتقدوه فى العالم الأرضي لذلك يقول باحث تاريخ الأديان الفرنسي أنسلان :" لقد إنتصر المسيح لأن سبارتاكوس كان قد هزم ." (20)
ثانيا : إن الدين حسب تعبير كارل ماركس هو " التحقيق الوهمي للكائن الإنساني لأن الكائن الإنساني لا يملك واقعا حقيقيا."(21) وهذا ما يفترض من وجهة ثانية تشبث الجماهير المسحوقة به لأن التعويض الوهمي الذى يوفره لها هو ما يخفف عنها وطأة الإضطهاد ،فالمساواة الحقيقية فى المجتمع مثلا يستعاض عنها بمساواة وهمية معنوية كالأخوة فى الدين أو المساواة الحقوقية ،وهذه المساواة لا تميز جوهر العلاقات القائمة لكنها ترفع معنويات المؤمنين بها إذ تلغي بجرة قلم الفوارق الطبقية وتصالح الإنسان مع واقعه ومع مضطهِديه.
ويصبح الإغتراب الإجتماعي بذلك منتجا آليا لإغتراب آخر فى مستوى الوعي ولأن الدين تعويض وهمي وسعادة وهمية للشعب فإن إلغاء شتى صنوف الإستغلال
وتحقيق سعادة الإنسان الفعلية على وجه الأرض هو الشرط الضروري لإلغاء الدين
ج- شروط زوال الدين
يقول كارل ماركس : " إن إلغاء الدين من حيث هو سعادة وهمية للشعب هو ما يتطلبه صنع سعادته الفعلية . إن تطلب تخلى الشعب عن الوهم حول وضعه هو تطلب التخلي عن وضع بحاجة إلى وهم." (22) فتخليص الشعب من الوهم الديني لا يمر عبر النقد النظري للدين فحسب بل يجب أن يمر أساسا عبر النقد العملي للواقع الذى ينتج الدين و بما أن "سلاح النقد لا يمكن أن يحل محل نقد السلاح " فإن النضال ضد الدين لا يمكن أن يمر إلا عبر النضال ضد جذور الدين فى الواقع الإجتماعي أي ضد الإستغلال والإضطهاد الطبقي .
و فى سياق هذا النضال تكتشف الجماهير الشعبية بالملموس المبادئ الإجتماعية التى تدافع عنها الإيديولوجية الدينية والمعادية جوهريا لمصالحها. تدافع الإيديولوجية الدينية مثلا عن الملكية الخاصة كحق مقدس وتدافع عن المجتمع الطبقي كضرورة طبيعية عن الربح (أو الإستغلال) كأمر مشروع. وهي تعادي بذلك أية إيديولوجيا تبشر بمجتمع لا طبقي تزول فيه المصلحة الخاصة وإستغلال الإنسان للإنسان .
وعداء الإيديولوجية الدينية موجه "رئيسيا ضد الفكر الشيوعي لأنه يهدد المصالح الطبقية التى تدافع عنها وإذا كانت الإيديولوجيا الدينية عاجزة عن التصدي للفكر الشيوعي على المستوى النظري والسياسي لأنها تدافع عن قضية خاسرة ولأنها لا تستطيع أن تكشف عن وجهها الحقيقي أمام جماهير المضطهَدين،حتى لا تظهر بمظهر المعادي لمصالحها فإنها تسعى إلى تحويل وجهة الصراع من صراع بين مدافعين عن إلغاء إستغلال الإنسان للإنسان ومدافع عن الإضطهاد الطبقي إلى صراع بين مؤمنين و ملحدين .
ومهمة الشيوعيين الماركسيين اللينينيين الماويين هي توضيح الطابع الحقيقي للصراع الذى هو أساسا صراع سياسي وإجتماعي من أجل دفع البروليتاريا وسائر المضطهَدين إلى النضال ضد الإستغلال و"بذلك يتحول نقد السماء إلى نقد الأرض ،نقد الدين إلى نقد الحقوق ونقد اللاهوت إلى نقد السياسة." (23) لذلك لا يطلب الشيوعيون الماركسيون اللينينيون الماويون من الجماهير أن تتخلى عن معتقداتها الدينية كشرط أولي لخوض النضال بل يقودونها فى النضال لتتخلى عن أوهامها .
و لا يجب أن يكون لدى الشيوعيين الماركسيين اللينينيين الماويين أي وهم حول إمكانية القضاء النهائي على الرواسب الدينية فى المجتمع
الطبقي لأن الدين كجزء من البنية الفوقية لا يمكن أن يزول إلا بزوال
البنية التحتية التى إنتجته و بما أن العلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية ليست علاقة ميكانيكية فإن عناصر من البنية الفوقية القديمة يمكن أن تستمر و تتعايش جنبا إلى جنب مع البنية الفوقية الجديدة لبعض الوقت .
و إذا أخذنا بعين الإعتبار أن الدين كان ولا يزال عنصرا ملازما لكل المجتمعات الطبقية فإن القضاء على المجتمع الطبقي لا يعنى بالضرورة الزوال الميكانيكي للدين إذ يتطلب الأمر إعادة تثقيف الجماهير لتتخلص من رواسب الماضي و تنسى مخلفاته الفكرية .
إن الماركسية اللينينية الماوية كفلسفة مادية معادية للدين وملحدة بالضرورة لكن الماركسية كفلسفة تمثل نظرية الطبقة العاملة لا الطبقة الملحدة لذا فهي توجه نضالها رئيسيا ضد الإستغلال الطبقي وتدافع عن مصالح الطبقة العاملة مهما بلغت درجة تأثير الدين عليها ،إنها تسعى إلى تحرير الجماهير من وعيها الزائف وتمكنها من الأسلحة النظرية والسياسية للنضال ضد أعدائها الطبقيين و يمثل حزب البروليتاريا الثوري السلاح الرئيسي فى نضالها ذاك لذا يحذر لينين من تسرب أي فكر غيبي إلى صفوف الكوادر الحزبية ويرفض إعتبار الدين مسألة خاصة بالنسبة للشيوعيين لأن الشيوعي يجب ان يكون مسلحا بالوعي العلمي المادي الجدلي والمادي التاريخي وبالتالي ملحدا بالضرورة . يقول لينين فى هذا الصدد : " الدين بالنسبة لحزب البروليتاريا الإشتراكية ليس قضية خاصة .إن حزبنا هو جمعية مناضلين واعين و طليعيين يقاتلون فى سبيل تحرر الطبقة العاملة . إن هذه الجمعية (الحزب) لا تستطيع و لا ينبغي لها أن تظل غير مهتمة بغياب الوعي بالجهل وبالتجهيل المصطبغة بصبغة إعتقادات دينية ." (24) لذلك لا بد لحزب البروليتاريا أن يخوض صراعا فكريا ضد الإيديولوجيا الدينية وأن يحارب كل تغبية دينية لجماهير الشعب
3) ملاحظات ضرورية لفهم الديانة الإسلامية :
أ- من أجل دراسة علمية للإسلام :
على إمتداد حقب متلاحقة من الزمن حرصت الإيديولوجية الدينية السائدة فى الوطن العربي على تقديم نفسها على أنها ذات مصدر علوي لا
يرقى إليها الشك ومن أجل ذلك روجت ما لا حد له من المزاعم فمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب وقع تصويره فى ثوب إنسان منعزل عن الحياة الإجتماعية نزل عليه الوحي فجأة وهو يتعبد فى غار حراء أما العرب قبل ظهور الإسلام فقد وقع التأكيد على أنهم يعيشون عصر "الجاهلية " على مختلف المستويات إلى أن حدث إنقطاع مفاجئ فى سير حياتهم الإجتماعية بظهور الإسلام الذى يصور هنا على أن البداية الفعلية لتاريخ العرب وأنه من حيث بنائه المعرفي منفصل تماما عن الذهنية العربية التى كانت سائدة إبان ظهوره .
و لجأت الإيديولوجية الدينية الإسلامية فى هذا المجال إلى التصدي لكل الأبحاث التى تناقض هذا التصور شاهرة سلاحا قديما قدم الدين نفسه يتمثل فى التكفير فالأبحاث الأنتروبولوجية والإجتماعية والفلسفية التى تتناول ظهور الإسلام فى إرتباطه الوثيق بالحياة الإجتماعية والفكرية السائدة فى الجزيرة العربية فى القرنين السادس والسابع ميلادي تعد تجنيا على المقدس وإعتداءا على "الوعي العام" و بهذه الآلية الدفاعية المكشوفة المرامي تتحصن الإيديولوجية الإسلامية من النقد الصارم الذى يمكن أن
يوجه لها وقد نجحت بذلك فى الكثير من الأحيان فى أن تظل بعيدة عن سهام النقد
.ومختلف الدراسات التى كتبت فى هذا المجال غلب عليها طابع الإحتشام وجاءت مفتقرة إلى الجرأة اللازمة فى مثل هذه الحالات وهو ما يطرح اليوم على الشيوعيين الماركسيين اللينينيين الماويين فى الوطن العربي إيلاء هذه المسألة المزيد من الإهتمام والبحث خاصة فى المبررات التى تم دفنها تحت ركام من المغالطات المحبوكة بعناية منقطعة النظير من قبل إيديولوجيين مختصين لا هم لهم سوى حراسة الواقع الإجتماعي المهيمن بشتى الطرق والأساليب .
ب- الإسلام مصدره الأرض لا السماء:
الإسلام هو إحدى الديانات التوحيدية التى عرفتها البشرية وهو بذلك يكون إلى جانب ديانات أخرى مثل اليهودية والمسيحية المرحلة المتأخرة فى تطور الظاهرة الدينية أي ما نسميه الأديان العليا التى تتميز عامة عن الأديان السابقة بتفسيرها للطبيعة والمجتمع على نحو أكثر تجريدا وشمولية إذ هناك إله واحد يتحكم بمصائر مختلف المخلوقات التى "يقول لها كن فتكون " .
وقد ظهر الإسلام فى الجزيرة العربية فى ظرفية إجتماعية وثقافية وسياسية إتسمت بالحاجة الماسة إلى توحيد القبائل العربية فى مواجهة
الأخطار الخارجية المحدقة بها ممثلة فى الغزو الحبشي والغزو الفارسي والغزو البيزنطي من جهة وفى الضرورة الملحة للخروج من وضعية البؤس الإجتماعي والتناحر بين القبائل المختلفة والإنحطاط الفكري من جهة ثانية فقد كان "الوضع فى مكة وفى مدن عربية أخرى مهيأ لإستقبال منقذ مخلص للناس من البؤس الإجتماعي والإقتتال القبلي والأوهام الوثنية ." (25)
كانت الأديان الوثنية منتشرة فى شبه الجزيرة العربية حيث إتخذت كل قبيلة لنفسها إلاه تعبده ومثلت مكة فى هذا المجال بالذات مركز إستقطاب ديني ففيها أقامت القبائل المختلفة آلهة لها من الأصنام تقدم لها القرابين والأضاحي على مدار السنة وتنبع القيمة الدينية لمكة فى هذا المجال من كونها المركز التجاري حيث تعقد الصفقات ليس فقط بين سكان الجزيرة العربية وإنما كذلك بين العرب من جهة والأحباش والفرس والبيزنطيين من جهة ثانية. و" وصل المكيون قبل الإسلام عندما كان العداء بين الفرس والروم بالغا منتهاه إلى درجة عظيمة فى التجارة وكان على تجارة مكة إعتماد الروم فى كثير من شؤونهم حتى فيما يترفهون به كالحرير وحتى إستظهر بعض مؤرخي الإنفرنج أنه كان فى مكة نفسها بيوت تجارية رومانية يستخدمها الرومانيون للشؤون التجارية والتجسس على أحوال العرب."(26) وفى مناطق أخرى من الجزيرة العربية إنتشرت شيئا فشيئا الديانتان المسيحية واليهودية خاصة فى المناطق المتاخمة لسوريا وفلسطين وفى يثرب (المدينة ) وقد إنتعشت اليهودية بشكل خاص فى اليمن أين أصبحت دين الدولة فى القرن السادس مستفيدة من حيث إنتشارها من الصراع الذى كان ناشئا بين الحميريين الذين كانوا يحكمون اليمن وبين الأحباش الطامعين فى الإستيلاء على كامل الجزيرة العربية, فإلى جانب المكانة الإقتصادية التى كانت تتمتع بها مكة مثلت السواحل اليمنية على البحر الأحمر مناطق لا تقل أهمية فى هذا المجال حيث كانت المدن الساحلية تتحكم بطريق سير البضائع المتجهة إلى بيزنطة وهو ما دفع الأحباش إلى السعي للسيطرة على هذه المنطقة متحالفين فى ذلك مع البيزنطيين وقد إتخذوا فى سعيهم هذا الديانة المسيحية سلاحا إيديولوجيا . وهكذا فإنه تحت ذريعة مناصرة مسيحيي اليمن شن الأحباش غاراتهم على الحميريين الذين تحصنوا بدورهم فى مواجهة ذلك بالديانة اليهودية.
وقد كانت الغلبة فى الأخير للأحباش الذين سيطروا على اليمن سنة 525 م وتحكموا بذلك بالطريق التجارية الكبرى طريق العطور. ولم تقف مطامع الأحباش عند هذا الحد وإنما أعدوا العدة لإحتلال مكة وذلك بعد فشلهم فى إضعافها إقتصاديا ودينيا من خلال إقامة هيكل ديني فى اليمن يكون فى ذات الوقت مركزا إستقطاب على المستويين الروحي والاقتصادي فكان أن قاد أبرهة الأشرم الحبشي جيشه فى حملة على مكة مستعملا الفيلة إلا أنه لم ينجح فى مسعاه هذا إذ فتك وباء الجدري بجيشه الذى مات منه العدد الكثير وقد فسرت الإيديولوجية الإسلامية بعد ذلك بحوالي 40 سنة هذه الحادثة على أنها معجزة فعزتها إلى تدخل "طير أبابيل " رمت جيش أبرهة "بحجارة من سجيل " فكانت هزيمته (أنظر القرآن) .
وكان الفرس يراقبون هذا الصراع متحينين الفرصة الملائمة للإنقضاض على اليمن فإستغلوا هزيمة الأحباش وبسطوا نفوذهم على اليمن مستعينين فى ذلك برفض سكان اليمن العرب للإحتلال الحبشي وهو ما عبر عن نفسه فى ذلك الحين فى إنتفاضة "سيف بن ذى يزن" الذى إستنجد بكسرى أنوشروان لطرد الأحباش و بذلك إحتل الفرس اليمن .
وفى خضم هذا الصراع الذى تعددت الأطراف المشتركة فيه أدرك العرب أكثر فأكثر الحاجة الماسة إلى تجاوز التشتت القبلي الذى جعلهم لقمة سائغة أمام أعدائهم وقد ساهم إحتكاكهم بالديانتين اليهودية والمسيحية فى نمو الميل إلى "التجريد " لديهم حيث أصبحوا ينظرون شيئا فشيئا إلى عباداتهم الوثنية على أنها أمر قد إستنفذ أغراضه ،وقوى الجدل بينهم حول عدد من الإشكاليات الفكرية مثل الخلق والألوهية والبعث والقيامة وكان الإنحطاط الإجتماعي الذى بلغ درجة خطيرة فى تلك الآونة باعثا على التذمر فالبؤس الطبقي تفاقم وإستشرى خاصة فى مكة التى كانت تتكثف فيها مختلف التناقضات الطبقية فمن جهة هناك الأسياد المالكون للعبيد والذين يستمدون نفوذهم من الأعمال التجارية وإستغلال الأراضي (خاصة فى يثرب) ومما تدره عليهم المؤسسة التى يقومون بالإشراف علي طقوسها المختلفة ومن هؤلاء من كان يشرف على "المشارب وبيوت الدعارة " وكانت هذه عادة شائعة إذ يسخر الرجل بعض جواريه للعمل فى البغاء و يكتسب من عملهن هذا . " (27) ومن جهة أخرى هناك العبيد ومن يسمون "بالأرذال " عامة وهم يشتغلون فى المهن الشاقة و يباعون فى الأسواق و يتعرضون لشتى صنوف الإستغلال .
هذه الوضعية بابعادها المختلفة دفعت بإتجاه ظهور عدد من الحكماء الذين سوف يدعون إلى تجاوزها وقد أكدوا خاصة الحاجة الملحة إلى التوحيد الديني وبالتالي تجاوز التشتت الإيديولوجي الذى كان يطبع بطابعه المجتمع العربي فى تلك اللحظة من التاريخ وقد عرف هؤلاء الحكماء بإسم "الحنفاء" أو "الأحناف " ومن بينهم قيس بن ساعدة الأيادي وزيد بن عمرو بن بن نفيل وأميه بن أبى الصلت وأرباب بن رباء وسويد بن عامر المصطلقى وأسعد أبو كرب الحميري وكيع بن سلمة بن زهير الإيادي وعمر بن جندب الجهنى وعدي بن زيد العبادي وسيف بن ذي يزن وورقة بن نوفل وكعب بن لؤي بن غالب ...إلخ وظهور هؤلاء يعود فى جانب كبير منه إلى تلك الظرفية التى أشرنا إليها ،فالواقع الإجتماعي فى شبه الجزيرة العربية كان يعيش حالة من الإضطراب والفوضى الناتجة عن التناقضات الداخلية المحتدمة والصراع الفارسي الحبشي و لوالحقه الإيديولوجية من خلال إحتكاك العرب بالديانتين اليهودية والمسيحية لذلك فقد بدأ يظهر موضوعيا الميل إلى التحالفات الكبرى بين القبائل العربية فى مواجهة الأخطار المحدقة فالأطر القبلية القديمة أخذت تتفكك شيئا فشيئا مفسحة الطريق أمام ظهور أطر إجتماعية أكثر إتساعا فالوحدة على مختلف المستويات ومن بينها المستوى الإجتماعي الإيديولوجي كانت مسألة راهنة موضوعيا فى تلك اللحظة التاريخية ومن الدلالات العظيمة الأهمية فى هذا المجال ما يذكره المؤرخون العرب حول معركة "ذى قار" (609*) التى يقول المسعودي فى كتابه "مروج الذهب " أن محمد قد شارك فيها قبل إصداعه بدعوته وقال خلاله قولته الشهيرة :"هذا أول يوم انتصفت العرب فيه من العجم و بن نصروا".
ومن العلامات الأخرى الدالة كذلك على هذا التوجيه و تفجير الأطر القبلية القديمة تخلى مجموعة من القبائل عن آلهتها القديمة وإستبدالها بآله واحد فقبائل حشعم و بجيلة و باهلة ودوس وأزد السراة وهززان والحارث بن كعب وجرم وزبيد والعوث بن فربن أد وبنى هلال بن عامل تخلوا عن آلهتهم القديمة وإستبدلوها بصنم واحد يعرف بإسم ذو الخلصة . أما قبائل قضاعة واخم وخذامة وعاملة وغطقان فإستبدلت آلهتها بصنم يعرف بإسم "الأقصير"(28) و تجدر الإشارة فى هذا السياق إلى أن "الله" كان من ضمن آلهة العرب المتعددة قبل ظهور الدعوة المحمدية ولا أدل على ذلك من وجود إسم "عبد الله" و يذهب عدد من الباحثين إلى أن "الله" كان ينظر إليه ككبير لآلهة أما مناة آلهة الموت والقدر والعزى آلهة الخصب واللات الآلهة فينظر إليهن كبنات لهذا الإلاه الأكبر.
ويذكر هنا أن زيدا بن عمر بن نفيل قد قاطع عبادة الأصنام وكان يتأمل ويتعبد منزويا فى غار حراء كل شهر رمضان من كل عام كما يذكر أن أبو ذر الغفاري قد وحد وتعبد "الله" قبل ظهور الدعوة المحمدية بثلاث سنوات .
وإذا أخذنا هذه الوقائع المختفية بعين الإعتبار أمكننا القول إن الديانة الإسلامية لم تكن إلا تكثيفا لإتجاه عام كان مجتمع شبه الجزيرة العربية يسير وفقه فى تلك الآونة ففهم ظهور الإسلام لا يمكن أن يتم على النحو المطلوب إلا فى إرتباط بهذا السياق التاريخي فقد جاء كتتويج منطقي لهذا المسار فمحمد كان فى قلب الأحداث الإجتماعية وقد أدرك جيدا الضرورة القسوى التى تكتسيها عملية توحيد كما أنه كان على بينة من أمر الحركة الفكرية التى سلكت هذا المنحى. وفى هذا المجال يذكر إبن الأثير أن محمدا لما سئل عن زيد بن عمر بن نفيل وهو من أبرز الحنفاء ،قال :" يبعث أمة وحده وكان يتعبد فى الجاهلية و يطلب دين إبراهيم الخليل ويوحد الله." (29)
وينتمي محمد صاحب الدعوة الجديدة إلى أقوى قبيلة فى مكة فى ذلك الوقت وهي فرع من بني هاشم وينحدر من عائلة بن عبد المطلب وهي أقل العائلات ثراء . وقد عانى من شظف العيش نتيجة الموت المبكر لأمه وأبيه وقد بدأ حياته راعي غنم ثم إشتغل لصالح إمرأة ثرية هي خديجة بنت خويلد فى ميدان التجارة ولئن كانت الإيديولوجية الإسلامية تستعمل هذه الدلالات لتقدم لنا محمدا فى ثوب المعزول عن الحياة الإجتماعية قبل ظهور دعوته الدينية فإن الحقيقة خلاف ذلك فقد كان على بينة من أمر الحنفاء وشارك فى معركة ذي قار وأدرك أهمية وحدة العرب فى مواجهة الأخطار الخارجية وتجاوز التناقضات القبلية ومكنته الرحلات التجارية من التعرف على الأديان الأخرى وخاصة الديانة المسيحية. ويذكر الباحثون فى هذا المجال بالذات محاوراته مع الراهب "بحيرة" وبالنظر إلى ذلك فقد جاءت نصوص القرآن مشبعة بهذه النزعة نحو الوحدة مثلما تشير إليه الآيات التالية :" شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما أوصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه "(سورة الشورى أية 14) . و"أطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وأصبروا إن الله مع الصابرين ". (سورة الأنفال آية 42. و" لا تكونوا كالذين تفرقوا وإختلفوا من بعد أن جاءتهم البينات ."(آل عمران أية105) و"إعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم لأصبحتم بنعمته إخوانا . " (آل عمران الآية 103)
ونفس هذا البعد الإجتماعي لمعنى التوحيد نجده فى أول وثيقة سياسية وضعها محمد إثر الهجرة إلى يثرب وقد ورد فيها : " هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ومن تبعهم ،إنهم أمة واحدة من دون الناس ." (31) إن هذه الدلالات المختلفة تؤكد أهمية ما قاله كارل ماركس و فريديريك إنجلس وهما يدرسان الملابسات التى حفت بنشأة الدين الإسلامي برغم قلة المعلومات المتوفرة لديهما حيث نجد فى مراسلاتهما تركيزا على هذه الظرفية الإجتماعية المتسمة أساسا بخراب التجارة فى شبه الجزيرة العربية والغزو الحبشي والغزو الفارسي. فقد ورد فى رسالة ماركس إلى إنجلس بتاريخ 2/6/1855 :" فى عصر محمد كان الطريق التجاري بين أوروبا وآسيا قد تبدل تبدلا كبيرا وكانت مدن جزيرة العرب التى شغلت قبل ذلك قسطا كبيرا من التجارة مع الهند وغيرها كانت فى حالة من الإنحطاط التجاري الأمر الذى أسهم فى إطلاق الحركة ". (31) –أي حركة الدعوة المحمدية – كما نظرا إلى الدين الإسلامي على أنه عبر فى اللحظة التى جاء فيها عن الوعي القومي العربي المستيقظ الذى حركته من جهة غزوات الفرس من الشمال؟؟؟؟ التى إندفعت إلى مكة تقريبا."(32)
ومن الهام هنا أن نشير إلى أن الدعوة المحمدية عند إنطلاقتها سوف تجد فى المضطهدين قوة دفعها الرئيسية فى الوقت الذى وقف فيه كبار التجار المالكون للعبيد وللأراضي والإمتيازات المختلفة والقائمون على شؤون الدين الوثني ضدها نجد أن العبيد والمعدمين عامة قد ناصروها وقد ظلت الدعوة محدودة الإنتشار فى مكة لمدة 13 سنة إلى أن قرر محمد وأتباعه الهجرة إلى يثرب ومن الأهمية بمكان أن نبين هنا كذلك أن هذه الهجرة لم تحدث هكذا فجأة وإنما تمت بعد أن تهيأت لها الشروط الموضوعية التى قادت موضوعيا إليها متمثلة فى الصراع التاريخي الذى كان قائما بين مكة ويثرب فمكة كانت تعد المركز التجاري والديني أما يثرب فكانت مركزا زراعيا بالأساس وبالنظر إلى المكانة الثانوية ليثرب فقد طمح أهلها وخاصة قبيلتي الأوس والخزرج إلى إحتلال موقع أكثر تأثيرا فى مجتمع شبه الجزيرة العربية عامة ولأجل ذلك إستغل الأوس والخزرج التناقض الذى يشق مكة بين من ناصر الدعوة المحمدية و من عاداها فالروايات التاريخية تذكر أن فى موسم الحج سنة621وصل إلى مكة 12 رجلا ( 10 من الخزرج و 2 من الأوس) يحملون إلى محمد قرار البيعة فلقيهم عند العقبة وهي مكان بين مكة ومنى و إنكشف اللقاء عن عقد تلك البيعة المسماة بإسم "بيعة العقبة " التى كانت المقدمة العملية المهمة جدا فى فتح طريق الهجرة التاريخية إلى المدينة " .(33) فبعد عام فقط أي سنة 622 بدأت الهجرة حيث غادر مكة حوالي 100 شخص متسللين ومتفرقين وبوصولهم أصبح الخلاف بين مكة والمدينة يثرب أكثر إتساعا ومنذ ذلك التاريخ تكثفت المعارك بين الأنصار والمهاجرين من جهة وزعامة قريش من جهة ثانية . وبعد أعوام من القتال أي سنة 630 تمكن الفريق الأول من احتلال مكة .
بعد عامين فقط توفي محمد (632) عن سن ناهزت 62 عاما وقد أحدث ذلك ضجة فى أوساط المسلمين حتى أن إبن سعد يذكر فى طبقاته أن عمرا لم يصدق نبأ الوفاة قائلا : " لا أسمعن أحدا يقول إن محمدا قد مات ولكنه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى بن عمران فلبث عن قومه 40 ليلة والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات . " إلا أن ابا بكر سرعان ما أعاد الأمور إلى نصابها فخاطب عمرا قائلا : " أسكت فسكت عمر ثم صعد أبو بكر المنبر ثم قال :" أما بعد فمن كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت ." ثم تلا الآية :" و ما محمد إلا رسول قد خلت قبله الرسل فإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ." (آل عمران الآية 144) .
و عند موت محمد مباشرة تفجرت مباشرة مشكلة على غاية من الخطورة تتعلق بالخلافة فنشبت الخلافات بين كبار صحابة محمد من المهاجرين والأنصار بشأن السلطة فظهر بذلك إلى السطح الخلاف بين المهاجرين والأنصار من جهة والخلاف بين المهاجرين أنفسهم من جهة ثانية .
فبشأن الخلاف طالب كل من المهاجرين والأنصار بالحق فى الخلافة وهو ما يعود بالأساس إلى رواسب التناقض القديم بين بنى هاشم الذى ينتمى إليهم محمد وصهره وإبن عمه علي من جانب وبين عبد شمس وتيم وأمية وغيرهم الذين ينتمى إليهم بقية المهاجرين ومنهم أبو بكر وعمر من جانب آخر .
ويذكر هنا أنه فى اللحظة التى كان فيها علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب (عم محمد) وأسامة بن زيد ( أحد الصحابة ) بصدد القيام بالإجراءات المتعلقة بدفن محمد من غسل لجثمانه وتكفينه إحتدم الصراع بين الأنصار والمهاجرين إذ كان منادى الأنصار ينادي فى المهاجرين قائلا :" إجعلوا لنا فى رسول الله نصيبا فى وفاته كما كان لنا نصيب فى حياته ." و قد إعتقد فى البداية أنهم يريدون المشاركة فى مراسم الدفن إلا أن هذا الإعتقاد تبدد بعد ذلك عندما إجتمع الأنصار فى سقيفة بنى ساعدة وأعلنوا سعد إبن عبادة زعيم الخزرج أميرا خلفا لمحمد وهو ما أثار حفيظة المهاجرين الذين سارع منهم أبو بكر وعمر إلى المكان الذى تم فيه إعلان الإمارة لسعد بن عبادة لإابعدوا الناس عن هذا الأخير. ويذكر حسين مروة فى هذا المجال أن أبو بكر شق طريقه إلى صدر الإجتماع وخطب فى المجتمعين قائلا :" يا معشر الأنصار منا رسول الله فنحن أحق بمقامه ". فأجاب الأنصار: " منا أمير ومنكم أمير ." فقال أبو بكر "منا الأمراء وأنتم الوزراء ". وإحتدم الجدال بين الفريقين المهاجرين والأنصار حتى كادت الفتنة تشتعل بينهم لولا أن أنقذ الموقف واحد من زعماء الأنصار ،أبو عبيدة الجراح إذ تقدم إلى أبو بكر وبايعه بالخلافة فإنقاد الأنصار لرأي أبى عبيدة الحاسم وأصبح أبو بكر أول خليفة من الخلفاء الأربعة ." (34)
و لئن تم بذلك حل الخلاف الأول فإن الخلاف الثاني سوف يظل قائما حيث سيدعى كل فريق إنه الأحق بالخلافة وهو ما سيؤول فى نهاية الأمر إلى ما سمي "بالفتنة الكبرى " التى سوف تؤدي إلى مقتل عثمان ثم علي بالإضافة إلى بروز تيارات دينية إسلامية شتى سيدعى كل منها أنه يمثل "ألإسلام الحقيقي " ، هذه التيارات التى ستتخذ مع مجرى التاريخ العربي ألوانا مختلفة لا تزال تفاعلاتها قائمة حتى الآن .

هوامش
1- نصوص حول الموقف من الدين – لينين
2- نقد فلسفة الحقوق لدى هيغل – كارل ماركس
3- نصوص حول الموقف من الدين – لينين
4- حول الدين – ماركس و إنجلس
5- جوهر المسيحية – فيورباخ
6-7-8-9- نفس المصدر
10- حول الدين – ماركس و إنجلس
11- 12-13-14-15-16 نفس المصدر
17-18- الطوطم و الحرام –فرويد
19- حول الموقف من الدين- لينين
20 الوعي الإجتماعي – أ . ك . أوليدوف
21- 22- 23- حول الدين – ماركس و إنجلس
24- حول الموقف من الدين – لينين
25- مشروع رؤية جديدة –طيب تيزيني
26- أسواق العرب – سعيد الأفغاني
27- اليمين و اليسار فى الإسلام – أحمد عباس صالح
28- النزعات المادية فى الإسلام – حسين مروة
29- أسد الغابة – ج 2 ص 236 – إبن الأثير
30- حياة محمد – محمد حسنين هيكل ص 225
31-32- حول الدين – ماركس و إنجلس
33-34 – النزعات المادية فى الإسلام – حسين مروة .

الفهرس
مد خل –
1) نقد الإيديولوجيا الدينية :
أ- لمحة تاريخية موجزة
ب-نقد فيورباخ للدين
ج –نقد نقد فيورباخ
2) الدين النشأة و التطور التاريخي
أ- من الأشكال الأولى للوعي البشري إلى الدين
ب- الدين من حيث الوظيفة
ج- شروط زوال الدين
3) ملاحظات ضرورية لفهم الديانة الإسلامية
أ- من أجل دراسة علمية للإسلام
ب- الإسلام مصدره الأرض لا السماء



Commenter cet article