الإخوان المسلمون أعداء الجماهير الكادحة

Publié le par mohmedalimawi

(اعيد اصدار هذا النص لان جماعة النهضة في تونس استعادت نشاطها العلني منذ رجوع الغنوشي-زعيم الاتجاه الاسلامي-واصبحت تهدد صراحة قوى اليسار والجماهير المعتصمة عامة في ساحة القصبة بتونس.وتشارك النهضة في ما سمي باطلا بمجلس حماية الثورة الذي يضم اليسار واليميني والاخوانجية والبيروقراطية النقابية –خائنة الشغالين,والتوجهات "الليبرالي" الخ...ان خطر الاخوان يتمثل في تحالفهم مع الدساترة الجدد الذين اتخذوا تسميات جديدة وينسق هذا التحالف الرجعي والذي يمثل مصالح الطبقات الحاكمة عمليات الالتفاف على الانتفاضة وتصفية القوى المطالبة بالتغيير الجذري وساواصل فضح ممارسات الاخوان في نصوص قادمة)

إقترن تاريخ نشأة الحركة النقابية العالمية وتطورها بنشأة الطبقة العاملة وتطورها فى المجتمع الرأسمالي . والمجتمع الرأسمالي كسابقيه العبودي والإقطاعي هو مجتمع طبقي فيه تتحرك مقابل طبقة الرأسماليين المالكة لكافة وسائل الإنتاج الطبقة العاملة التى لا تملك إلا قوة عملها وتناضل بإستمرار من أجل تحسين ظروف عيشها القاسية وتحقيق مصالحها الطبقية .
ويشهد تاريخ الحركة النقابية العالمية على مدى ما قامت به الطبقة العاملة فى نضالها ذاك من مجازر وإرهاب فضلا عن الحرمان والبؤس وعن شتى مظاهر الإستغلال والعنف الرجعي المسلط عليها من قبل طبقة الرأسماليين وأداتهم الدولة البرجوازية بمختلف أجهزتها القمعية غير أن الطبقة العاملة على فداحة الخسائر التى منيت بها وجسامة التضحيات لم تقف مكتوفة الأيدى بل إستماتت فى النضال حتى إفتكت حقها فى بناء منظماتها ومن بينها منظماتها النقابية التى إضطرت الدولة البرجوازية إلى التسليم بوجودها .وهكذا لم تكن النقابات هبة ولا هي دليل على طيبة قلب البرجوازيين بل هو مكسب حققته الطبقة العاملة ببالغ التضحيات ومنتهى التصميم والنضال العنيد .
بيد أن الطبقة الرأسمالية وإن سلمت بوجود النقابات ظلت تكيل لها الضربات تلو الضربات سواء بإحتواء ما أمكن من القادة النقابيين وإفسادهم ليقوموا ولطالما قاموا بالفعل بدور التخريب لنضالات الطبقة العاملة أو بشق وحدة الحركة النقابية وبالتشجيع على إرساء التعدد النقابي أو الإلتجاء على القمع الدموي والمجازر البشعة ضد العمال والنقابيين ولم تتمكن الطبقة العاملة من الإهتداء إلى الخط المعبر عن مصالحها الطبقية بالفعل ولو أنها حققت مكاسب مادية ملموسة عبر نضالاتها المليئة بالتضحيات إلا حين ظهر الفكر الإشتراكي العلمي وإنصهر رواده فى صلب الطبقة العاملة والحركة النقابية العالمية .
إن تأسيس كارل ماركس وفريديريك إنجلس لعلم المادية الجدلية والمادية التاريخية مكنهما من تشريح النظام الرأسمالي القائم على إستغلال طبقة الرأسماليين لمجمل الطبقة العاملة أبشع إستغلال كما مكنهما من الإطلاع العميق على نضالات الطبقة العاملة والمساهمة الفعالة فيها – من موقع القيادة والتسيير من أن يطورا بالنظرية والممارسة معا مجرى الحركة النقابية العالمية و تضران بها أيما ضرر.
لقد كان لشعار الأممية الأولى والأممية الثانية فى طورها الأول : " يا عمال العالم إتحدوا" تأثيرا نوعيا على مسار نضال الطبقة العاملة وعلى منظماتها الجماهيرية : النقابات . ومنذ ذلك الحين إقترن نضال الطبقة العاملة فى النقابات من أجل المطالب الإقتصادية بنضالها من أجل مجمل مطالبها السياسية وأصبح النضال الإقتصادي فى النقابات أوثق ما يكون إرتباطا بالنضال السياسي الذى تخوضه الطبقة العاملة من أجل إسقاط عدوها الطبقي النظام الرأسمالي وإرساء نظام دكتاتورية البروليتاريا و بناء الإشتراكية والتدرج بالمجتمع الإشتراكي فى إتجاه المجتمع اللاطبقي أي الشيوعية .
وهكذا أصبحت النقابات مدرسة يتعلم فيها العمال بالتجربة الملموسة النضال اليومي ضد مستغليهم الرأسماليين و يتلقون فيها فى الآن نفسه التكوين و التثقيف السياسيين و ينصهر الفكر الطبقي فى قاعدته الإجتماعية الطبقة العاملة و يتربى المناضلون الثوريون أو تزداد خبرتهم النضالية من أجل إحكام قيادتهم للحركة النقابية وفرضها حيال سدنة النظام الرأسمالي فى النقابات من دعاة الوفاق الطبقي و توائمهم الفوضويين النقابيين.
لكن الإنحرافات اليمينية والإرتدادت التى شهدتها الأممية الثانية فى طورها الثانى قد إنعكست آليا على النقابية العالمية حتى لقد أصبحت النقابات مرتعا للمدافعين عن النظام الرأسمالي و أهم سند للتوسع الإمبريالي ونهب خيرات الشعوب و قمع حركات تحررها الوطني و تأجيج النعرات القومية الشوفينية و العنصرية بين عمال مختلف القوميات وصولا حتى إعلان القادة النقابيين الرجعيين لمساندتهم اللامشروطة للحرب الإمبريالية الأولى و المساهمة فى إدارتها من موقع أعلى المسؤوليات فى وزارات الحرب .
ولقد خاض لينين نضالا لا هوادة فيه ضد قادة الأممية الثانية و النصف كما كان يسميها و ضد الإرتدادات والإنحرافات عن خط ربط النضال الإقتصادي بمجمل نضال الطبقة العاملة السياسي فى البلدان الرأسمالية وبمجمل نضال حركة التحرر الوطني و الإجتماعي فى المستعمرات و أشباهها . و إفتتحت ثورة أكتوبر الإشتراكية العظمى عصرا جديدا هو عصر إندحار الإمبريالية و إنتصار الثورة الإشتراكية العالمية كما كانت لمنشورات الأممية الشيوعية الثالثة والأممية النقابية الحمراء ولتعاليم ستالين من بعد لينين حول وجوب تواجد الشيوعيين فى النقابات الجماهيرية – لا البوليسية بالطبع- أبلغ الأثر فى تطور الخط الطبقي و إنتشاره فى صلب النقابات داخل المتروبولات الإستعمارية وفى تأسيس الطبقة العاملة الناشئة فى البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة وشبه الإقطاعية لنقاباتها المستقلة وإنخراطها فى حركة التحرر الوطني لذلك تكالبت على النقابات الوطنية فى المستعمرات وأشباهها كل أجهزة القمع الإستعمارية وبتواطئ سافر من العملاء المحليين المرتبطة مصالحهم بمصالح الإستعمار ومن القادة النقابيين الرجعيين فى المتروبولات حماة التوسع الإمبريالي ونهب خيرات الشعوب وجوبهت نضالات العمال بالحديد والنار والقادة النقابيون الوطنيون وبالخصوص الشيوعيون منه بشتى أنواع القمع والإرهاب وصولا إلى الإغتيالات والتصفيات الجسدية فضلا عن النفي والسجون.
إن العصر الذى دشنته ثورة أكتوبر الإشتراكية العظمى عصر إندحار الإمبريالية العالمية وبروز الثورة الإشتراكية العالمية وكجزء لا يتجزأ منها الثورة الوطنية الديمقراطية فى المستعمرات وأشباهها قد فتح أمام عمال العالم بأسره طريق الخلاص النهائي من الإستغلال وأمام شعوب المستعمرات وأشباهها طريق التحرر من أعدائها القوميين والطبقيين وأكد أن لا خلاص إلا بيد العمال وبقيادة حزبهم الماركسي اللينيني المنصهر فى جماهير الفلاحين الفقراء فى الريف والمشع على باقي الجماهير الشعبية.
لقد وعى العمال أينما وجدوا أن لا سبيل إلى هذا الخلاص إلا بالتنظيم وإذا كان تنظمهم فى حزبهم البروليتاري هو أرقى أشكال التنظيم والمعبر عن أعمق درجات حسهم الطبقي فإن إقبالهم على تأسيس منظماتهم النقابية بعزم وتصميم يعد مرحلة متقدمة من مراحل تكريس وعيهم الطبقي وتطوره . لذلك تستنفر الإمبريالية وعملاؤها المحليون كافة الطاقات الرجعية لخنق هذا الوعي وإجتثاثه فى المهد بشتى الأساليب حتى لا يرتقى إلى مستواه الأرقى أي مستوى بناء الأحزاب الماركسية-الينينية.
وإذا كان الدورالذى إضطلعت به الكنيسة فى توطيد الإستعمار وتدعيم عملية النهب الإمبريالي والإظطهاد الطبقي والقومي للشعوب وفى تخريب نضالاتها الطبقية والوطنية أمرا معلوما ولا جدال فيه فإن الإمبريالية عززت ومازالت تعزز ولا تنقطع عن تعزيز الإتجاهات الدينية الأخرى المنيخة بكلكلها من زمان على أدمغة الشعوب و الأمم المضطهدة ، من بوذية فى جنوب آسيا أو وثنية فى أفريقيا أو إسلامية فى الوطن العربي رئيسيا وفى عدة بلدان أخرى شبه مستعمرة وشبه إقطاعية ، لذلك تحتضن الأنظمة العميلة ومن ورائها الإمبريالية العالمية كافة الإتجاهات الدينية وتمول أنشطتها وتشجعها على خلق الجمعيات وتبث رجال الدين داخل المنظمات العمالية النقابية منها والثقافية لتخريب نضالات الطبقة العاملة ووعيها وزرع البلبلة والضبابية والفكر الغيبي الظلامي فى صفوفها وعرقلة إنصهار حملة الفكر الثوري الماركسي اللينيني فى صفوف العمال سواء بالتشويه أو الوشاية بهم لدى البوليس أو الأعراف أو القادة النقابيين الإصلاحيين والرجعيين أو بالسطو على مواد الدعاية والتحريض وإتلافها مقابل إغراق الساحة النقابية بمواد دعايتهم الغيبية التجهيلية التضليلية ،كل ذلك فى محاولة لمنع العمال كطبقة من الإرتقاء إلى مستوى الإستقلالية الإيديولوجية والسياسية والتنظيمية التى تجد أرقى تعبيراتها فى الحزب الماركسي –اللينيني .
فى هذا الإطار بالذات – إطار الإرتباط العضوي بالإمبريالية ومعاداة الجماهير وبالأخص طليعتها الأشد ثورية الطبقة العاملة – يجب أن يضع الماركسيون –اللينينيون الماويون العرب "حركة الإخوان المسلمين " بمختلف تلويناتها المبثوثة فى الوطن العربي. ف"حركة الإخوان المسلمين "فى الوطن العربي بمختلف تلويناتها الإسمية قد لعبت ومازالت دورا تخريبيا عدائيا فى الحركة الوطنية والنقابية العربية وما جماعة "الإتجاه الإسلامي" فى تونس وكل المؤتمرين بالإسلام على شاكلتهم ك"حزب التحرير الإسلامي" ومن لف لفهم إلا إمتداد ل "الإخوان المسلمين".

1- منطلقات إيديولوجية مرتبطة إستراتيجيا بمصالح الإمبريالية والصهيونية والكمبرادور والإقطاع :

فى مقابل التناقضات والصراعات التى تشق العالم وتحكم العصر والتى يرجع الفضل فى تحديدها إلى تطبيق علم المادية الجدلية والمادية التاريخية فى تشريح المجتمع الدولي من قبل معلمي الماركسية –اللينينية والحركة الشيوعية العالمية:
- التناقض والصراع بين الإمبريالية وبين الشعوب والأمم المضطهدة
- التناقض بين العمل ورأس المال .
- التناقض بين الكتل و الدول الإمبريالية فيما بينها
فى مقابل ذلك يطرح "الإخوان المسلمون" التناقضات التالية :
- أهل الكتاب المؤمنون من ناحية ضد الشيوعيين والكفار فى العالم.
- "الأمة الإسلامية " ضد الأمة اليهودية وكافة يهود العالم.
- النظام الإسلامي ضد النظم الوضعية فى العالم .
ففى حين نجد الماركسيين –اللينينيين الماويين يؤكدون على أن الإمبريالية تحتل أحد طرفي التناقض فى كل التناقضات التى تشق العصر أي أنها العدو الرئيسي فى كل التناقضات فهي عدوة الشعوب والأمم المضطهَدة تقمعها وتنهب خيراتها وهي عدوة العمال فى بلدانها تقمعهم وتستغلهم حتى النخاع .
أما التخريجة التى يتحفنا بها الإخوان المسلمون للتناقضات التى تشق عالم اليوم : فإنها تجعل الأمة الإسلامية – ولنغض النظر عن مفهوم الأمة الخاطئ هذا تسهيلا لإسترسال الفكرة لا غير – شعبنا العربي " المؤسلم " من قبلهم على النحو التالي :
1) شعبنا العربي " المؤسلم" عدو الشيوعيين الكفرة فى العالم .
2) شعبنا العربي "المؤسلم" عدو للمسيحيين واليهود فى العالم .
3) شعبنا العربي "المؤسلم" من خلال نظامه الإسلامي عدو لجميع أنظمة العالم بلا إستثناء.
إن الإخوان المسلمين يعلنون العداوة ضد الجميع ويريدون أن يجروا الشعب العربي إلى تكريسها على سائر من هم على الكرة الأرضية - يريدون له أن يتألب عليه عمال العالم وشعوبه وأممه المضطهدة أي أن يجردوه من حلفائه –يريدون له العزلة وللإمبريالية التنفيس عليها لتسهيل المزيد من التغلغل وللصهيونية المزيد من التوسع وللأنظمة الكمبرادورية والإقطاعية المزيد من طول العمر.
إنهم يريدون إدخال الشعب العربي الواحد فى دوامة الإقتتال الطائفي – المسلمين ضد المسيحيين والمسلمين الشيعة ضد المسلمين الخوارج- وضد المسلمين السنيين – والخوارج ضد السنيين والسنيين ضد الشيعة إلى نهاية المعادلة الرياضية وفى داخل الشيعة إثنا عشر مذهبا فى التاريخ هذا إذا لم يزد "حجج الإسلام و آيات الله" من عددها – لتعطينا المعادلة الرياضية النتيجة التالية : 12 طائفة شيعية ضد 12 طائفة = أي 144 حربا طائفية فيما بين الشيعة فقط ودائما على إفتراض الإبقاء على المذاهب الشيعية التقليدية فيما بين الشيعة فقط ودائما على إفتراض الإبقاء على المذاهب الشيعية التقليدية وهذا مستحيل . ينضاف إلى هذا العدد حروب السنة فيما بين طوائفها المذهبية ولنقبل فقط جدلا الإبقاء على مذاهبها التقليدية الكبرى = المالكية – الحنفية – الشافعية – الحنبلية أي 16 حربا فيما بين السنيين فقط ، مع حروب الطوائف الكبرى الثلاث الأولى = شيعة – سنة – خوارج أي 6 حروب والجملة = 144+16+166 حربا طائفية تأكل الشعب العربي وتنضاف إليها حروب "المسلمين + العرب" مع غيرهم من المسيحيين إلخ.
وإذا كانت كل حرب طائفية ستستغرق سنوات فإن هذا معناه أن الإخوان المسلمين يريدون الإلقاء بالشعب العربي فى حروب ضروس لمئات السنين . إنهم بإختصار يريدون إذكاء نار الحرب الطائفية والمزيد من تقسيم الوطن العربي المجزأ إلى دويلات طائفية إقطاعية ترجع به إلى عهود الحروب الإقطاعية فى القرون الوسطى أفليست هذه جنة الإمبريالية العالمية والصهيونية وأفدح خسارة يمنى بها تحالف عمال العالم وشعوبه و أممه المضطهَدة ضد الإمبريالية العالمية وعملائها.
كما أن الإخوان المسلمين حين يعلنون تصميمهم على محاربة الشيوعيين فى العالم والأمم "الوثنية" . هكذا فإنهم يعلنون عن تطوعهم لجعل الشعب العربي صاغرا يبارك بإسم مساندة "أهل الكتاب المسيحيين" الإستعمار العنصري المباشر" فى أرتريا ( جنوب أفريقيا) و يقدمون أبناء العمال والفلاحين العرب جيشا للإمبريالية فى حروبها ضد الأمم والشعوب المضطهَدة والمنتفضة فى سبيل تحررها الوطني والإجتماعي – طالما أن هذه "وثنية" أو "مهددة" بإنتصار الثورة الوطنية الديمقراطية فيها و بناء الإشتراكية إلخ.
إن الإخوان المسلمين يريدون أن يؤلبوا الشعب العربي على كافة شعوب المعمورة من خلال إدعائهم أن "المسلمين خير أمة أخرجت للناس" ، أن لا حق لغير المسلمين من الأمم الأخرى فى الحياة . وهم بذلك يجرون الشعب إلى مواقف عنصرية عدوانية عليها يقوم الكيان الصهيوني من خلال مقولة " ألمانيا فوق الجميع " و " العنصر الآري الخالص المتفوق" لذلك فإن منطلقات الإخوان المسلمين علاوة عن كونها وثيقة الإرتباط بكافة أعداء الشعب هي منطلقات عنصرية معادية للمساواة والعدل وللحرية والسلم.
لكنهم " إذ تعمى بصائرهم" عن الواقع المادي الملموس واقع إنحدار الإمبريالية وإنتصار الثورة الإشتراكية فسيكون مآلهم كمثل ذلك المثالي الشهير الذى ينفى وجود الحافلة كواقع مادي حقيقي حتى إذا ما رفعته الحافلة كان ما زال مصرا – وعجلتها على رقبته على أن لا وجود للحافلة إلا فى مستوى الفكر ولما إجهزت عليه عرف الناس المتجمهرون من حوله وكافة ركاب الحافلة المطلة أعناقهم من خلال نوافذها أن الحافلة واقع مادي وسخروا من إدعاء الهالك ولم يكن جميعا أسفهم عليه بمقدار سخطهم على غباوته.
إن تقديم التناقض القائم فى المجتمع على أنه تناقض بين المسلمين وغير المسلمين معناه تحويل وجهة النضال الحقيقية عن مدارها الصحيح وجعل أبناء الشعب الواحد حطبا للحروب الإقليمية الطائفية تغذيها الإمبريالية ويسيرها العملاء سواء كانوا فى الحكم أو يرغبون فى أن يصعدوا إليه حتى إذا صعدوا فعلا جثموا على صدر الشعب وضموا تدفق خيراته كمن سبقهم إلى الإمبريالية وراحوا يطاردون كل مخالف لرأيهم ويحلون كافة المنظمات و بالدرجة الأولى منظمات العمال السياسية و النقابية لأن المرتكزات الإيديولوجية التى يستند إليها "الإخوان المسلمون" كلها هي أدوات تقتل فى الشعب و فى الطبقة العاملة على وجه الخصوص إستقلاليتها الإيديولوجية و كل وعي بالتنظيم من أجل التغيير الجذري وإلا فما معنى "وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم" و"إنا خلقناكم طبقات " وهلمجرا من المقولات التى تأمر بالإستسلام وتتبع الإستغلال فمن هم "أولو الأمر" إن لم يكونوا طبقتي الكمبرادور والإقطاع و دولتهما بمختلف أجهزتها القمعية تضطهد الشعب و تكفل تدفق خيراته فى الصناديق المالية الإمبريالية النهابة وتضخم الحسابات المالية البنكية الخاصة فى الخارج والداخل على ملك العملاء المحليين .
كما أن إحدى أهم أركان دعاية سائر "الإتجاهات الإسلامية " وتحريضهم هي قضية : " الإبتعاد عن الدين " والعودة إلى الدين هو المفتاح الذى به يحلون كافة التناقضات القائمة فى عصرنا . إن من بين الإفرازات الحتمية للإمبريالية العالمية التفسخ والإنحلال بإشتراء كافة الأمراض والأوبئة الإجتماعية : فإن كل هذا ليس فى نظرهم إلا نتيجة الإبتعاد عن الدين " وكأن الإمبرياليين و العملاء المحليين ليسوا هم السبب فى التشجيع على ذلك عبر الإجراءات اللاوطنية واللاشعبية عبر وسائل التعمية الإيديولوجية والتلويث الفكري والإشهار وعبر إغراق الأسواق بمواد الخلاعة والإستهتار . لقد عاد "الرئيس المؤمن" السادات إلى الدين وفتح مصر العربية على مصراعيها للإمبرياليين و الصهاينة و أصبحت الدعاية للبضائع الإمبريالية والصهيونية والأسواق الحرة تتصدر وسائل الإعلام فهل زال التفسخ والإنحلال اللهم "إلا إذا كان الإمبرياليون المسيحيون" و الصهاينة القائمون على تكريس مقولة "الأمة اليهودية " هم فعلا من أهل الكتاب المؤمنين .أما الشعب العربي ذو الأخلاق السيئة فملعون إلى يوم الدين.
هكذا يعمل "الإخوان المسلمون" و كافة " الإتجاهات الإسلامية " بكل الألاعيب لتحويل أنظار الجماهير عن واقعها الحقيقي و طمس تناقضاتها مع أعدائها الحقيقيين . و العدو الحقيقي للجماهير فى نظرهم هم الشيوعيون الماركسيون-اللينينيون الفعليون لا مدعو الشيوعية عملاء الإمبريالية الإشتراكية الذين ينسقون معهم حول مواقف فى مناسبات سياسية و فى المجال النقابي من أجل التصدى ،اليد فى اليد، للماركسيين –اللينينيين . و ما إنفكوا يرددون : " لقد عزلنا الإسلام فغرقت الحياة بكل مجالاتها و إنقلبت القيم و تداخلت المفاهيم و حلت الفوضى محل النظام و الفساد محل البناء و الإضطهاد محل العدالة ..." (1).
هكذا بكل بساطة تحل المشاكل فقد عاد النميري إلى الإسلام "بتطبيق الشريعة" وجعل نفسه مؤتمرا بمرشده ومرشد "الإخوان المسلمين" " الأعظم" فى السودان حسن الترابي فعاد كل شيئ "على ما يرام" حسب زعمهم، لكن الواقع يؤكد أن الإمبريالية أدركت أقصى فضائعها فى نهب خيرات الشعب وأن "بنك فيصل الإسلامي " بإحتكاره للسلع الإستهلاكية الرئيسية أتى على بقية ما تركه "صندوق النقد الدولي " و"البنك العالمي" من قدرة شرائية مهترئة وأن الكمبرادور والإقطاع فى السودان تضخمت حساباتهم البنكية الخاصة وأنه وبصفة موازية كذلك تم ترحيل "الفلاشا" الأثيوبية عبر السودان إلى الكيان الصهيوني وفى المقابل وفى ظل تطبيق"الشريعة الإسلامية" و"العودة إلى الدين " جوبه الشعب السوداني ب " قطع يد السارق " وما علمنا أن هذا الإجراء نفذ على واحد من خبراء البنوك النهابة و لا على واحد من الطبقة الكمبرادورية أو الطبقة الإقطاعية و لكنه نفذ على الجياع من الشعب و سط مباركة من قبل كافة دعاة " تطبيق الشريعة " من "الإخوان المسلمين " فى أرجاء الوطن العربي لكن الذى علمناه كذلك أن الشعب السوداني لم يقل :" رب أنعمت فزد" ولا صار يحج إلى النميري و مرشده ذى البركات " بل أطاح بالنميري المخلوع وهو الآن يطالب برأسه لكن الإمبريالية تحميه وتحمى رؤوسا أخرى وتطالب وريث "الرئيس المؤمن " فى مصر ألا يستجيب لإرادة الشعب العربي فى السودان .
إن إرجاع "الإخوان المسلمين " كافة ما يعانيه الشعب من إضطهاد وبؤس إلى "الإبتعاد عن الدين " ليس إلا بوحي من الإقطاعيين و أسيادهم الإمبرياليين لتغطية السياسة الإمبريالية النهابة و الإضطهاد الطبقي وصرف الجماهير عن وجهة النضال ضد كافة أعدائه الطبقيين فى إتجاه الإنغماس فى دراسة "نواقض الوضو" و "مبطلات الصيام " و" السمو بالروح إلى أرقى درجاتها " بعيدا عن الواقع المادي للشعب ومشاكله الحقيقية فى إنتظار العدالة الإلاهية – فيا لها من جنة "تحلم بها الإمبريالية و الصهيونية" ويا لها من خدمة يقدمها لهم دعاة "العودة إلى الدين " و"تطبيق الشريعة" فلا عجب أن يكافؤوا من حين لآخر وفى هذا القطر أو ذاك من الوطن العربي من أسيادهم الإمبرياليين بموقع فى سدة الحكم "لتطبيق الشريعة " على أبناء الشعب دون المساس قيد أنملة بمصالح أعدائه .

" الإتجاه الإسلامي " فى تونس : بداية مشبوهة تفضحها مواقف عدائية سافرة :

ثمة شيئ لا بد بادئ ذى بدء من التذكير به هو أن النشاط التخريبي الذى قام به جماعة " الإخوان المسلمين " فى مصر فى خضم العدوان الثلاثي على مصر فى 1956 إثر إعلان جمال عبد الناصر عن إجرائه الوطني القاضى بتأميم قناة السويس ، قد أظهروا بالمكشوف تواطئهم مع أعداء الشعب العربي مما جعله يطالب بمعاقبة الخونة . هذا ما أدى بالإخوان المسلمين إلى أن يدخلوا فى طور عمل سري مدعوم بإمكانيات هائلة وفرتها لهم الإمبريالية العالمية والنظام الملكي الإقطاعي فى السعودية وساعدتهم لا على إعادة البناء وحسب بل على الإنتشار فى كامل أرجاء الوطن العربي لكي تتصدى من خلالهم الإمبريالية والصهيونية والرجعية لحركة النهوض القومي والتى أصبحت بعض القوى البرجوازية الوطنية بقيادة عبد الناصر رمزا لها فى الوطن العربي وذلك فى ظل غياب البديل الوطني الديمقراطي بحكم غياب حزب شيوعي ماوي يقود نضالات الجماهير وأينما وجد نفس وطني داخل الجماهير أو فى الحكم فى أي قطر من الأقطار إلا وإتسع نشاط الإخوان ووضعت له الإمبريالية والصهيونية والنظام السعودي إمكانيات هائلة فى محاولة للضغط عليه وإسكاته وحيثما بدأت تنشأ يقضة جماهيرية نتيجة بداية تنامي الوعي الطبقي والوطني إلا تمتع " الإخوان المسلمون " بمختلف تسمياتهم بالتنفيس عليهم من قبل الأنظمة العميلة لمحاصرتها ومحاولة تهميشها .
فى بداية السبعينات رأى "الإتجاه الإسلامي" النور فى تونس وترعرع فى ظل تشجيع مدير الحزب الدستوري آنذاك ليلعب دورا كبيرا فى التصدى لليسار الناشئ والمتنامي خاصة فى الجامعة وكذلك لتشجيع كل القوى الظلامية المتطرفة فى مواجهة بداية يقظة الحركة العمالية بعد قمع الستينات وبداية التطور النسبي الذى شهدته الحركة النقابية .
فقد وقع تمكين "الإتجاه الإسلامي " فى البداية من كل الإمكانيات المادية للقيام بدوره المخرب للوعي الطبقي والوطني فأصدر مجلتي "المعرفة " و"المجتمع" وحول العديد من الجوامع إلى أماكن للدعاية الإيديولوجية " (2)
إن هذه البداية العلنية تتزامن مع ما كان يجرى فى الوطن العربي وخصوصا طبخة "إتفاقية داوود" الخيانية الإستسلامية ولذلك كان مخطط الإمبريالية ضرب حركة الجماهير أينما وجدت وضرب كل الأطر والمنظمات الجماهيرية التى يمكن أن تلعب دورا إيجابيا إن لم يكن بالتصدى الحازم والمواجهة فعلى الأقل بفضح إتفاقيات الإستسلام القومي وتوقيف إتساع رقعتها . وفى هذا الإطار ، كان ضرب الإتحاد العام التونسي للشغل المنظمة الجماهيرية الكبرى فى تونس ضرورة أملتها مصالح الإمبريالية العالمية ونفذها العملاء المحليون نظرا إلى الدور النضالي الذى أخذت تلعبه المنظمة بفعل ضغط الجماهير والقوى الوطنية الديمقراطية فى صلبها سواء بالدفاع عن مطالب العمال أو بالتنديد بما كان يحاك فى الوطن العربي وما كان يمكن ضرب الإتحاد العام التونسي للشغل دون تدبير مجزرة 26 كانون الثاني (جانفى) 1978 لخنق حالة النهوض والإنتفاضات التى لاحت فى الأفق وبدأت منذ تشرين الأول –أكتوبر 1977 فى إحدى مدن الساحل وهي مدينة قصر هلال التى يرتبط بإسمها إنبعاث الحزب الحاكم "الحزب الحر الدستوري" "الحزب الإشتراكي الدستوري" اليوم .
فما من نقابي نزيه على الصعيد الأممي والعربي إلا ويعرف وحتى المنظمات النقابية العالمية المرتبطة عضويا بهذه أو تلك من الكتل الإمبريالية تعرف أن مجزرة 26 كانون / جانفى كانت الغاية منها تدجين المنظمة النقابية والحركة النقابية بالحديد والنار وإعتداءا سافرا دمويا على حركة الجماهير إلا أن لجماعة "الإتجاه الإسلامي" موقفا آخر.
إنهم بعد تحليلهم وتريثهم وتمعنهم يطالعوننا بالموقف الإستفزازي التالي قائلين :" وتقدم الملاحظات بين أيدى الناس : المطالبة بالحقوق الإقتصادية والسياسية أمر مشروع دينا نصت عليه كل القوانين الدولية إلا أن التعبير عنه لا بد ألا يتعدى المسائل الديمقراطية .أما أن نخرب ونحرق ونعتدى تحت عنوان المطالبة بالحقوق فهو أمر تستنكره الأصوات الحرة وترفضه كل فصائل الشعب الكادح ويتبرأ منه العديد من النقابيين لما إتصلنا بهم وطلبنا وجهة نظرهم فى مأساة يوم الخميس " . ليس للمرء إزاء هذا الموقف إلا أن يعلن عن حيرته فبأي شيئ منه سيبدأ؟
لنلاحظ جيدا أنه موقف وقع التعبير عنه فى شهر أذار /مارس 1978 فى مجلة الإتجاه الاسلامي ( المعرفة العدد6 –السنة 4 الصادر فى مارس 1979 ، الصفحة 6) وهو موقف يتزامن بالذات مع تاريخ إصدار مدير الحزب إذاك "لكتابه الأزرق " السيئ الذكر تحت عنوان "السياسة التعاقدية وأحداث جانفي 78" فهذا التزامن من باب الصدفة أم هو شيئ مدروس لكننا حين نواصل تصفح نفس العدد من مجلة " المعرفة" تطالعنا منتخبات من المقالات التى سبق لجريدة "الصباح " المأجورة أن نشرتها على صفحاتها قبيل و أثناء وبعد المجزرة ، ندرك أن " الإتجاه الإسلامي" سخر مجلته تلك لكي تكون منبرا إضافيا لمنفذى المجزرة .
فلم يكن غريبا أن يكون موقفهم منسجما مع موقف من راحوا بكل هستيرية وحقد على العمال ينددون بحركة الجماهير زاعمين أنها "أمر تستنكره الأصوات الحرة " ومن عساها تلك الأصوات أن تكون – فى ظل حالة الطوارئ ومنع الجولان التى كانت تعيشها البلاد- إن لم تكن أصوات من دبروا المجزرة ونفذوها و نظروا لهما إذاك ومن هم " العديد من النقابيين " الذين طلبت منهم جماعة "الإتجاه الإسلامي" موقفهم إن لم يكونوا إلا عصابة المنصبين البوليسية على رأس منظمة قاطعتها الجماهير العمالية كليا و راحت تناضل من أجل إسترجاع منظمتها والدفاع عن الشرعية النقابية والمطالب. أما جماعة "الإتجاه الإسلامي" و"العديد من النقابيين" الذين إتصلوا بهم فهم "يتبرؤون " من نضال الجماهير و يباركون إطلاق الرصاص على الشعب الأعزل و يرسلون شهداء 26 كانون الثاني / جانفي 1976 إلى "الجحيم" بإعتبارهم "مخربين معتدين" لم يسلكوا "الوسائل الديمقراطية" التى كان يوفرها إنزال الجيش و البوليس و المليشيات المسلحة إلى الشارع و الإعتقالات الجماعية للنقابيين و إنتصاب المحاكم الصورية و إستصدار الأحكام القاسية فضلا عن الحملة الإعلامية المسعورة على نضال الجماهير و الطرد الجماعي بالآلاف من مواطن الشغل . فيالها من ديمقراطية هلل لها" الإتجاه الإسلامي" و إعتبرها مطابقة للشريعة " التى عاكستها الجماهير فحق عليها العقاب " .
لذلك فإن "الإتجاه الإسلامي" و قد لاحظ أهمية العمل النقابي و دوره المؤثر ، إنتهز فرصة "الديمقراطية" تلك و قرر ولوج النقابات لا من باب مقاطعة المنصبين و الوقوف فى صف الجماهير بل من باب العمل مع المنصبين و التنسيق مع مدير الحزب لتتزامن مواقف حزب الدستور و حركة "الإتجاه الإسلامي " و ليتبرآ معا اليد فى اليد من نضالات الجماهير . لقد تصدت الجماهير من داخل مؤسسات العمل لقوانين النهب الإستعماري و للسماسرة و الإقطاعيين و بيادقهم المنصبين النقابيين قرابة السنتين بصفة متصاعدة حتى لقد بلغ عدد الإضرابات طيلة هذه الفترة ما لم يشهد له القطر مثيلا فى تاريخ مرحلة الإستعمار المباشر و لا فى مرحلة الإستعمار غير المباشر هذه أما المنصبون من الدساترة و جماعة " الإتجاه الإسلامي " " الأحرار" فقد مكثوا على " تبرئهم " من نضال الجماهير و من الحركة النقابية المقاطعة و المناضلة التى أجبرت النظام –خصوصا بعد عملية قفصة المسلحة- على خلط الأوراق من جديد و فتح الملف النقابي .
و هكذا فإن الهجمة التى شنها النظام فى مفتتح عام 1978 على الحركة النقابية و التى بلغت أقصى درجاتها فى مجزرة 26 كانون الثانى / جانفى 1978 كانت بإعتراف مكتوب من مدير الحزب نفسه معاقبة للحركة النقابية التى بدأت تدرك بفضل بداية تواجد الفكر الوطني الديمقراطي فى صلبها لطبيعة النظام و إختياراته اللاوطنية و اللاشعبية و عبرت عن موقفها فى اللائحة العامة التى حظيت بإجماع نواب المجلس الوطني للإتحاد العام التونسي للشغل " المنعقد أيام 8و 9 و10 من كانون الثاني /جانفي 1978 و قرر النواب النقابيون خوض نضالات تكرس الربط بين المطالب الإقتصادية و المطالب السياسية فإذا بحركة "الإتجاه الإسلامي" توبخ الجماهير و تتبرأ من حركتها و مواقفها لأنها لم تنتهج فى مطالبها " الأساليب الديمقراطية" كل ذلك ليبلغوا قمة صفاقتهم فى إرتباطهم العضوي بالنظام إبان عملية قفصة المسلحة فى كانون الثانى / جانفى 1980 حيث راحوا يطالبون ، و قد تبنوا مرة أخرى تشويه منفذى العملية سياسيا ، بتمكينهم من السلاح لغزو ليبيا . فيا ليتهم مكنوا من ذلك ، على كل فقد قام فيما بعد "إخوانهم المسلمون" القادمون من الخارج تحت مظلة الإمبريالية و بتسهيل من النظام التونسي بعملية "باب العزيزة الفاشلة " لكن النظام الليبي ما زال على موقفه المناهض لخط الإستسلام القومي الذى دشنه السادات "الرئيس المؤمن" رسميا بإتفاق "مخيم داوود" و أعاد الإعتبار للإخوان المسلمين فى مصر بمنحهم مقاعد فى البرلمان و الذى دعمه الإمام النميري فى عهد "تطبيق الشريعة الإسلامية " بإشراف مستشاره الخاص حسن الترابي "زعيم" "الإخوان المسلمين" حينما طعم الكيان الصهيوني ب" الفلاشا" الأثيوبيين عبر السودان فلا عجب إذن من أن يطلب "الإخوان المسلمون" بتونس الذين يموهون على الشعب العربي التونسي الرافض لجرائم "الإخوان المسلمين" فى مصر خاصة فى 56 –بإتخاذ تسمية أخرى لهم – هي "الإتجاه الإسلامي" – على أن التسمية تفضحها نفس المنطلقات الظلامية و المواقف اللاوطنية و اللاشعبية فلا عجب أن يطلبوا السلاح لغزو ليبيا و لربما "أسلمتها" كما لا عجب منهم أن يباركوا مجزرة كانون الثاني/ جانفى 1978 لأن النقابيين قالوا فى لوائحهم أن إختيارات النظام " تخدم مصالح الإمبريالية و العملاء المحليين " و ضغطوا من أجل التكريس الفعلي لإستقلالية المنظمة و إستقلالية القرار النقابي عن أعداء العمال و قرروا الإضراب العام .
إن الجماهير باقية على إخلاصها لشهداء 26 كانون الثانى/ جانفى 1978 أما مرتكبو المجزرة و الواقفون منها موقف المباركة و التشفى من الشهداء فلن ينساهم الشعب .

3- مهمة تخريب الحركة النقابية من الداخل ومحاصرتها من الخارج وصولا إلى التصفية النهائية :

إن حالة الإرتياب التى أصبح عليها النظام غداة عملية قفصة المسلحة و نتيجة لتصاعد الموجات الإضرابية على إمتداد سنتين منذ مجزرة جانفي- كانون الثاني 78 والمقاطعة النشيطة لعصابات التيجاني عبيد البوليسية أدت به إلى تقديم تنازلات تمثلت أساسا فى إطلاق سراح المعتقلين والسياسيين ( ما عدا معتقلي عملية قفصة بالطبع ) ونفض يده من عصاباته النقابية البوليسية وتمكينه للهياكل النقابية الشرعية من عودتها التدريجية إلى النشاط فى إطار الإتحاد العام التونسي للشغل ، فما كان على جماعة "الإتجاه الإسلامي" المورطة ضد الجماهير و الحركة النقابية أن تفعل و قد خذلها حليفها إن لم يكن إلا أن تقلب مواقفها رأسا على عقب بإنتهازية مفضوحة تمهيدا لتسريب عناصرها داخل الحركة النقابية .
وإذا كان النظام قد حياها قبل مجزرة 26/1/78 بمجلتي "المعرفة " و "المجتمع" فها هو سنة 1980 يمكنها من إصدار صحيفة خاصة بها إنتقت لها من بين سائر "الأسماء الحسنى" إسم "الحبيب" لمغازلة "رئيس الدولة " و راحت فى أعدادها تنشر مقالات حول الحركة النقابية محورها التظاهر بالدفاع عن "الديمقراطية " فى خطب حماسية "ملهبة للمشاعر" و هذه إحدى العينات منها :
" ما من شك أن الأزمات التى مرت بالإتحاد العام التونسي للشغل و بالعمال من قبله إبتداءا من سنة 1925 كانت فى جوهرها أزمة الديمقراطية توجت بالهجمة المباشرة على هياكل الإتحاد الشرعية فى 26 /1/78 لتصادر الحريات و تكمم أفواه العمال و تخنق أصوات الحق و لكن هيهات للجبابرة أن يفلحوا فقد كان الإعتراف بحق العمال فى تقرير مصيرهم و إن كان تنفيذه فى حدود و حذر"(3)
إننا إزاء قراءة "الإتجاه الإسلامي" هذه للحركة النقابية لا بد أن نتوقف عند أمور ثلاثة : أولها يقينهم أن "الأزمات التى مرت بالعمال من قبل الإتحاد العام التونسي للشغل إبتداءا من سنة 1925 كانت فى جوهرها أزمة الديمقراطية " و ثانيها " تتويج هذه الأزمات بالهجمة المباشرة على هياكل الإتحاد الشرعية فى 26/1/78 لتصادر الحريات و تكم أفواه العمال و تخنق أصوات الحق" و ثالثها "هيهات للجبابرة أن يفلحوا فقد كان الإعتراف بحق العمال فى تقرير مصيرهم و إن كان تنفيذه فى حدود و حذر" .
من المؤكد أن المعنى ب"أزمة العمال بداية من سنة 1925 " بالذات إنما هي الهجمة التى شنها الإستعمار المباشر على الحركة النقابية الفتية التونسية فى 1925 و بالذات على أول تنظيم نقابي وطني هو "جامعة عموم العملة التونسيين " بتواطئ سافر من النقابات الإستعمارية ووسط جو من الشماتة و التشفى صادر عن كافة القوى الإصلاحية و ظلاميى تلك المرحلة من "حماة الإسلام" الذين كانوا يتخذون م "رحاب" جامع الزيتونة و بلاط الباي أكبر الإقطاعيين وكرا للوشاية و لتحريض الإستعمار المباشر على قمع كل نفس وطني ديمقراطي بدعوى محاربة "الزندقة و الأهواء و البدع " و غير ذلك من التهم التى كانت تكال إلى مستنيري عهود الظلام القروسطية.
إن "جامعة عموم العملة التونسيين" التى قامت على أرضية ربط النضال الإقتصادي بالنضال من أجل التحرر الوطني و الإنعتاق الإجتماعي و التى يرجع الفضل فى تغلب هذا الخط النضالي على غيره من الخطوط الإصلاحية الأخرى فى صلبها إلى وجود ثلة من العمال المتجذرين فى قيادتها بالذات ( أحمد بن ميلاد و المختار العياري و الطيب دباب) لم تبق السلطات الإستعمارية المباشرة من أثر لوثائقها و مقرراتها و لوائحها مما يشهد على شراسة الهجمة التى أتت على الأعضاء المؤسسين و على أدبيات المنظمة الفتية برمتها فى حين غذت حملة صحفية مسعورة ضدها و إبتزت من الإصلاحيين مواقفهم العدائية الواضحة (4).
و حينما نشر أحد الأعضاء المؤسسين لجامعة عموم العملة التونسيين من إقامته الجبرية المحكوم بها عليه من السلطة الإستعمارية –كتابه "العمال التونسيون و ظهور الحركة النقابية " فى سنة 1927 هبت أجهزة القمع الإستعمارية لمصادرة الكتاب و صادرته بالفعل فماذا كان موقف إسلاف جماعة "الإتجاه الإسلامي" الحالي آنذاك ؟ طبعا صمتوا و لم يقولوا أنها أزمة ديمقراطية .
فهل هذا "السكوت" هو "علامة الرضا" كما يقول الفقه الإسلامي أم أن قمع الحركة النقابية و مصادرة أدبياتها مسألة لهم عنها منادح فى "متن إبن عاشور" و "شرح الأشبوني" و " ألفية إبن مالك" و هلمجرا من الكتب الصفراء .
كلا إنهم تركوا للسلطات الإستعمارية المباشرة و إصلاحيى العصر آنذاك مهمة الإنهاء على بقايا الجامعة النقابية و بقايا الجامعة و تراثها حتى إذا أخرج الطاهر الحداد كتابه الثاني " إمرأتنا فى الشريعة و المجتمع" سنة 1930 إنبروا ليأخذوا قسطهم من تصفية الحساب معه و بإشراف أجهزة القمع الإستعماري المباشر و الباي و "النظارة العلمية" المشرفة على جامع الزيتونة فى أشخاص لجنتها المكونة للغرض من الشيوخ : الطاهر بن عاشور رئيسا و محمد بن يوسف و عبد العزيز جعيط و بلحسن النجار و محمد بالقاضى أعضاء (5) الذين وقعواعلى رسالة هذا نصها :
" جناب الصدر العماد الهمام المفخم أمير الأمراء ، سيدى خليل بوحاجب الوزير الأكبر أدام الله جلاله ،
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و بعد فالمنهي إلى جنابكم أنه ظهر فى عالم المطبوعات كتاب للمسمى الطاهر الحداد عنوانه "إمرأتنا فى الشريعة و المجتمع " طبع بالمطبعة الكائنة بنهج الكنيسة و كان مشتملا على مخالفات شرعية و أقوال لا يسع للمسلم السكوت عليها و حيث طبع هذا الكتاب من غير موافقة "النظارة " عليه و ربما كان موجبا للتشويش الذى نتحاشاه ... نرغب الإذن بحجز الكتاب المذكور عملا بالفصل 23 من قانون جامع الزيتونة حتى لا تنتشر تلك الأفكار العقيمة و تنام الفتنة و الله يحرسكم و يرعاكم و السلام .
- 11 أكتوبر 1930 -
إن هذه الحملة على الطاهر الحداد –رغم الطابع الإصلاحي المحدود جدا فى معالجته لقضية المرأة – لم تكن تهدف إلى مجرد " رد الكفر و الأهواء و البلاء على صاحب كتاب "إمرأتنا فى الشريعة و المجتمع " (6) و لا إلى إعلان " الحداد على إمرأة الحداد " (7) بل كانت تواصلا للحملة القمعية على الحركة النقابية و بقاياها لمنعها من لمّ شتاتها و إعادة البناء لأن ذلك " ربما كان موجها للتشويش الذى نتحاشاه " " النظارة العلمية لذلك أوعزت لشيوخ آخرين للمشاركة فى الهجمة و كان من بينهم راجح إبراهيم و هذه عينة من بعض ما كتب :
... " أنت تعلم وجود شرذمة فى الحاضرة غالب أفرادها من أشباه الأميين قد إبتليت بحب التقليد لدعاة الزندقة و الإلحاد حبا منهم فى الإتساع بحرية التفكير و الإنتساب للتفلسف و العبقرية و البطولة و هذه الشرذمة تتجه كغيرها إلى وجود زعيم على رأسها تسلمه أمرها و تتوجه بتاج البطولة توشحه بوشاح العبقرية ... و صاحب هذا الكتاب يعدّ نفسه لذلك من زمان و قد مهد للأمر بكتابه "العمال " الذى خلا من ذكر الله وعد أنصاره بالإنتقاد عليه فى ذلك تعصبا و جمودا و بإبرازه اليوم لهذا الكتاب يكون قد قدم ثمنا لهذا التاج الذى إليه من أمد بعيد ..." (9)
هكذا إذن كان أسلاف "الإتجاه الإسلامي" يقفون من الحركة النقابية الناشئة فى 1925 و يتبرؤون من دورها الوطني و الإجتماعي لمجرد كون قادة جامعة عموم العملة التونسيين " "شرذمة" قررت تزعم حركة نقابية وطنية مستقلة عن فروع المنظمات النقابية الإستعمارية فى القطر مما جعل أجهزة الإستعمار المباشر تشن هجمتها المعروفة على النقابيين و منظمتهم الفتية و تصادر كتاب "العمال" كآخر وثيقة فى محاولة منها لمحو آثارها و يزكى إقطاعيو العصر إذاك هذا الإجراء لأن "الكتاب خلا من ذكر الله" و خاصة لأن مضمونه – و هذا لا يقولونه بالطبع- تاريخ لحركة عمالية و فلاحية إن لم تكن متجذرة إذاك وهي فعلا غير متجذرة –فقد كان بوسعها أن تتحسن نوعا و كما و تتقدم إلى مستوى "ربما" يصبح
" موجبا للتشويش" و يهدد جديا مصالح الإقطاعيين المرتبطة عضويا بالإستعمار .
أما سلالتهم "الإتجاه الإسلامي" الحالي فقد أصبحوا بالرغم عنهم مدعوين وهم يتحدثون فى الثمانينات بالذات عن "الأزمات التى مرت بالعمال قبل الإتحاد العام التونسي للشغل منذ 1925 أن يذودوا فى دعايتهم و يتنازلون فيما هو مكتوب منها فقط عن دعاية أسلافهم بخصوص جامعة عموم العملة التونسيين لأن الحركة النقابية فى الثمانينات و حتى قبلها أصبحت تعرف تاريخ الحركة النقابية و لم يعد سهلا تمرير مثل تلك الترهات و هاهم يرون أن "الأزمات التى مرت بالعمال من 1925 هي أزمة ديمقراطية فى جوهرها " بحيث تكون الهجمة على الحركة النقابية فى 1925 حسب زعمهم- "هجمة على الديمقراطية " إذاك و ليس بسبب وجود الإستعمار المباشر الذى لم يكن ليسمح لأي منظمة وطنية أن ترى النور فأية "ديمقراطية" يا ترى يمكن أن تتوفر فى ظل الإستعمار المباشر الذى يتحاشى جماعة "الإتجاه الإسلامي " الحديث عنه إطلاقا بالقدر الذى يطمسون به المسألة الوطنية و الطبقية فى كافة المعارك الإضرابية و السياسية التى خاضها العمال و الشعب منذ حتى ما قبل 1925 إلا إذا كان من رأيهم أن الإستعمار يوفر الديمقراطية للشعب و حرية العمل النقابي للعمال و هذا ما لم يحصل و ما لا يمكن أن يحصل إطلاقا و هذا ما لم يكن لينطلي على الحركة النقابية خصوصا بعد مجزرة كانون الثاني/ جانفى 1978 .
إن هذا التعديل فى شكل الدعاية إنما يعزى إلى تطور وعي الطبقة العاملة و الخوف من إنكشاف أمرهم أمام العمال و النقابيين و إفتضاح تورطهم فى تزكية المجزرة لذا كانوا مجبرين على التظاهر بالدفاع عن الإتحاد و التنديد بمجزرة 26 كانون الثاني/ جانفي 1978 فبعد أن كانوا يلحون على " ألا تكون الهيجة المفتعلة التى عاشتها العاصمة تعلة لإجهاض التجربة الديمقراطية التى بدأت تعيشها تونس " (10) هكذا و بعد أن كانت المطالبة بالحقوق الإقتصادية و السياسية " أمرا لا بد ألا يتعدى الوسائل الديمقراطية " و إلا" فإن الأصوات الحرة تستنكره و يتبرأ منه العديد من النقابيين" كما حصل لما إتصل بهم جماعة "الإتجاه الإسلامي" و" طلبوا منهم وجهة نظرهم فى مسألة يوم الخميس ".
بعد كل ذلك ها هي " مأساة يوم الخميس " أزمة للديمقراطية توجت بالهجمة المباشرة على هياكل الإتحاد الشرعية فى 26/1/78 لتصادر الحريات و تكمم أفواه العمال و تخنق أصوات الحق و بعد أن كان مرتكبوها هم بالذات "حماة الديمقراطية " و رواد "التجربة الديمقراطية التى بدأت تعيشها تونس" إبان مجزرة 26 كانون الثانى / جانفى78 و العمال مخربون –محرقون- معتدون و إضرابهم العام "هيجة مفتعلة" و خرقا "للوسائل الديمقراطية " إنقلب الموقف بصورة –غير مفاجئة بالطبع- و جاءت التعابير الرنانة لتصف"أصوات"" الأمس ""الحرة" و مخربى الأمس ب"أصوات الحق" ... و يلحون مرة أخرى فى تفسيرهم لأسباب المجزرة على أنها بسبب أزمة الديمقراطية و ليس بسبب تكريس النظام لإملاءات إمبريالية لن يتسنى له تمريرها إلا بتصعيد الدكترة و الدسترة و تدجين المنظمة الشغيلة بإعتبارها منظمة جماهيرية بدأ يتنامى داخلها خط النضال الطبقي و الوطني فأية ديمقراطية يمكن الحديث عن إمكانية وجودها فى بلد شبه مستعمر و شبه إقطاعي إن لم تكن إلا" ديمقراطية" " مجلس شوري أهل الحل و العقد " من السماسرة و الإقطاعيين يتطارحون فيما بينهم أنجع الأساليب "لتكميم أفواه العمال" و خنق أصوات الحق و الفوز برضى الإمبريالية و تشكراتها.
فأن تكون المسألة الوطنية و الطبقية غائبة تماما عن أذهان جماعة "الإتجاه الإسلامي" فهذا شيئ طبيعي للغاية و متناسق تمام التناسق مع خلفيتهم الإيديولوجية و السياسية لكن أن تكون "أزمة الديمقراطية" هي كلمة السر التى يرددونها و يريدون من العمال ترديدها لفك الطلسم الذى يكتنف الأزمات التى مرت بالإتحاد العام التونسي للشغل و بالعمال من قبله إبتداء من سنة 1925 فذلك منطق يجر إلى الإعتراف معهم بأن العمال التونسيين و الإستعمار المباشر الفرنسي و عملاءه المحليين الإقطاعيين كان ينبغى أن يتعايشوا لو لم تشهد العلاقة بين الطرفين المتعاديين طبقيا ووطنيا" أزمات ديمقراطية " و أن العمال التونسيين و عموم الشعب من ناحية و منذ 1956 و الإمبريالية العالمية و الصهيونية و عملائها المحليين من كمبرادور و إقطاع من ناحية أخرى ، كان ينبغى لزوما أن يتعايشوا لولا "أزمات الديمقراطية" كذلك و هذا معناه أن جماعة "الإتجاه الإسلامي" ليبيّتون جر الشعب و الطبقة العاملة بالذات إلى خطإ الإستسلام القومي و مستنقع الوفاق الطبقي فحسب، بل إلى تخليها نهائيا عن سيرها التاريخي الحتمي فى إتجاه الإستقلالية الإيديولوجية و السياسية و التنظيمية و حملها على أن تتوقف عن النضال تماما و تتنكر لنضالاتها الماضية طالما أن النضال و فى جميع الأحوال لا يمكن أن يكون إلا "متجاوزا للأساليب الديمقراطية " التى يحتفظ بها " الإتجاه" هذا لوحده بحق تحديدها ليحكم على العمال أحيانا بأنهم "أصوات حرة" و " حملة التجربة الديمقراطية التى بدأت تعيشها تونس" و حينا آخر على العمال بأنهم "أصوات حق" و مرتكبى المجازر ضدهم بانهم "جبابرة " ، على أن الواضح جدا أن هذا الحكم لفائدة العمال ضد أعدائهم أو لفائدة الأعداء ضد العمال ، كان و سيبقى لدى "الإتجاه الإسلامي" مرتهنا بموازين القوى بين الطرفين المتعاديين حتى إذا ما إنقلبت موازين القوى تلك قلبوا أحكامهم تلك و مالوا مع الرياح حيث تميل و سواء تحدثوا عن الحركة الجماهيرية أو النقابية فى طور الإستعمار المباشر أو فى طور الإستعمار الجديد الحالي فإن الهجمات على المنظمتين جامعة عموم العملة التونسيين و الإتحاد العام التونسي للشغل و الحكم بالنفي و تنفيذه على محمد علي و رفاقه و إغتيال فرحات حشاد و مجزرة كانون الثانى/ جانفى 78 و غيرها كل ذلك ليست إلا أمور "جوهرها أزمة الديمقراطية ".
إن الحديث فى المطلق عن الديمقراطية و نقيضها الدكتاتورية فى ظل المجتمع الطبقي و خصوصا فى بلد شبه مستعمر و شبه إقطاعي ، لا يمكن أن يكون إلا حديثا ديماغوجيا تضليليا و شاهدا على إنخراط جماعة "الإتجاه الإسلامي " فى الدعاية الرسمية و على مثاليتهم و هذا ما لا ينكرونه إطلاقا لأنهم يتعسفون على الواقع المادي الملموس و يحاولون طمس حقيقته عن أعين الجماهير وهو واقع كم أكد و ما زال يؤكد أنه طالما لم تندحر الإمبريالية و طالما وجد مجتمع طبقي إلا و وجد معه صراع طبقي عنيف يأخذ أشكالا مختلفة حسب درجة تطور كل مجتمع و بالتالى فإن "الديمقراطية " فى المطلق محض أكذوبة يفضحها العنف الرجعي ضد الجماهير من الإمبريالية و الصهيونية و عملائهما المحليين من ناحية أخرى و لا يلوكها إلا الذين صمموا على ألا ينشر الوعي الوطني الديمقراطي خصوصا فى منظمة جماهيرية كمنظمة الإتحاد العام التونسي للشغل.
و لأن هذه الديمقراطية لا يحترمها فى نظرهم العمال " المخربون ، المعتدون ..." أحيانا كما لا يحترمها "الجبابرة" "الأصوات الحرة" حينا آخر كان لا بد من أن يدفع أصحاب "الإتجاه الإسلامي" بإتباعهم إلى النقابات ليصوتوا "الديمقراطية " من تجاوزات الجبابرة و العمال معا.
و فعلا و بعد أن عملوا مع النقابات البوليسية غداة مجزرة 26 كانون الثانى/ جانفى 78 حرصوا مع عودة الهياكل الشرعية تدريجيا فى بداية الثمانينات إلى الإتحاد العام التونسي للشغل " على ركوب الموجة و المشاركة فى الإنتخابات النقابية لإكتساح المواقع و الإستفادة من إشعاع المنظمة و جماهيريتها" .
و منذ ذلك الحين وهم يتأرجحون بين شتى التناقضات فهم تارة يشتمون أقطاب القادة النقابيين و خصوصا منهم الحبيب عاشور بإعتباره "زنديقا" و "كافرا" و تارة أخرى يدعون فى "رؤيتهم للخطة المرحلية للعمل السياسي" (ص9) إلى "المراهنة على شق عاشور فى مواجهته للتيارات اليسارية فى صلب الإتحاد" و "الإعتماد على قوانا الذاتية فى التغلغل و التأثير على الإتحاد".
هكذا إذن " التصدى لمختلف التيارات اليسارية "عبر المراهنة على شق عاشور و الإعتماد على القوى الذاتية من أجل التغلغل و التأثير على الإتحاد " لذلك إرتكز نشاطهم داخل المنظمة على توزيع الأدوار فيما بينهم و توزيع قواهم من أجل تغذية الصراعات الكتلوية داخل القيادة النقابية فى مختلف مستوياتها و نسج المؤامرات و الدسائس للمساهمة "الفعالة" إلى جانب كتل النظام المتصارعة على المنظمة عبر بيادقها فى البيروقراطية النقابية – فى تأديب هذا الشق أو ذاك و طرده من المنظمة كما كان نشاطهم خليطا من التآمر و التجسس على الهياكل و القطاعات المناضلة و رفع التقارير الشفاهية و المكتوبة و ترويج الأكاذيب حول هذا المناضل النقابي أو ذاك و تشويهه بتهم أخلاقية ك "الكفر و الإلحاد و الزندقة" و ما إلى ذلك كما عملوا بكل الأساليب على دعم العناصر الفاسدة التى أضرت بالعمل النقابي أيما ضرر فدافعوا عن الإنقلابات المتكررة فى جامعة النسيج النقابية و قطاع المهن المختلفة و البناء فى جهة سوسة و باجة و سليانة و ضموا تحت مظلتهم أشد العناصر فسادا و جعلوا عدوهم اللدود النقابيين الوطنيين و الثوريين الذين عارضوا البيروقراطية النقابية و قادوا الإنتفاضة عليها فى غرة ماي 1984 فما كان من جماعة "الإتجاه الإسلامي " إلا أن أصدرت بيانا سافلا ملؤه الوشاية و كان تقريرا للنظام و قرار إدانة ضد القوى الوطنية فى الإتحاد لمحاكمتها و سجنها . و لقد هلل "الإسلاميون"" لإجراءات التجريد من الصفة النقابية "التى إتخذتها البيروقراطية النقابية و طبل لها النظام فى بيان إعلامي مطول عبر كافة أجهزته الإعلامية كما تقبلتها الكنفدرالية العالمية للنقابات الحرة ( السيزل) و الجامعة النقابية العالمية (ف-س-م) بكل إرتياح .
لقد ظن " الإتجاه الإسلامي" و قد جرد حوالي مائتي مسؤول نقابي من صفتهم النقابية و هم من خيرة المناضلين النقابيين السياسيين الذين أفرزتهم حركة الجماهير و النضال النقابي خصوصا بعد مجزرة كانون الثاني/ جانفى 78 و ما بعدها أن الجو قد خلا لهم لكي "يبيضوا و يصفروا" لكن صمود النقابيين المناضلين و إلتفاف العديد من القطاعات المناضلة حولهم تصدت لهذه الإجراءات فى كل المناسبات النقابية الكبرى و فى الإجتماعات العامة غير أن جماعة "الإتجاه الإسلامي" كانت دوما تعمل على التصدى إلى حركة الجماهير و قضيتها بالفوضى و الإنسياق إلى دعاة "الكفر و الإلحاد" حتى و إن كان موضوع إجتماعات التصدى للإجراءات اللاوطنية و اللاشعبية المفروضة من قبل النظام و التصدى لموجات الطرد التعسفي من العمل التى شملت العديد من العمال و خيرة النقابيين و لخطة ضرب الإتحاد العام التونسي للشغل التى شرع النظام فى تنفيذها بداية من تحجير النشاط النقابي فى المؤسسات و إيقاف الجريدة الناطقة بإسم المنظمة و إيقاف الخصم الآلي من الأجور لفائدة الإنخراطات فى المنظمة ووصولا إلى إحتلال دور الإتحاد من قبل عصابات المليشيا و إعتقال النقابيين و محاكمتهم بتهم واهية إلخ.
إن عزم "الإتجاه الإسلامي " على "المراهنة على شق عاشور للتصدى إلى مختلف التيارات اليسارية " لم يمنعهم من نسج التحالفات مع بعض المحسوبين على اليسار من إصلاحيين و تحريفيين لكي يلتقوا معا فى خندق واحد هو المزيد من إضعاف العمل النقابي و تسهيل عملية ضرب المنظمة . أما كيف كرسوا " الإعتماد على القوى الذاتية من أجل التغلغل و التأثير فى الإتحاد" فذلك ما تجيب عنه الوقائع الملموسة و الأدلة المستقاة من ممارستهم بالذات:
- تحويل الإتحاد الجهوي بقبلى إلى خلية حزبية محاولين طرد كل من لا يدين لهم بالولاء و إستعمال العنف الشديد ضد العديد من النقابيين.
- عقد صفقات مع أصحاب المؤسسات الراجعة إلى ملكية المنتسبين إلى "الإتجاه الإسلامي" فى باجة لتأثيث دار الإتحاد الجهوي للشغل هناك بالرغم من رداءة المواد موضوع الصفقة و إرتفاع أثمانها أمام المساهمات الأخرى فى المناقصة .
- حصر التكوين النقابي و التثقيف العمالي فقط فى توزيع تدخلات أحد البيروقراطيين النقابيين و العضو فى مجلس النواب وهو :خليفة عبيد ، خصوصا تدخلاته بشأن " تحوير مجلة الأحوال الشخصية " و "عمل المرأة " ( الإتحاد الجهوي بباجة)
– تنظيم لقاءات بين قيادة الإتحاد فى شخص عاشور على الخصوص و قيادة ما يعرف ب " الإتحاد العام التونسي للطلبة " التى شقت الحركة الطلابية برعاية و دعم سافرين من النظام فى محاولة منه لتخريب الحركة الطلابية المناضلة.
- تسخير إمكانات الإتحاد العام التونسي للشغل لطبع أدبياتهم.
- الإندساس و إصدار البيانات الفضفاضة شاتمين "الظلم " داعين إلى الحياة السعيدة دون تحديد من هو المسؤول عن هذا الظلم و لا كيفية التصدى له مقتصرين على العبارات الجوفاء المتجنبة بصفة واعية لأي تحديد إقتصادي واضح.
- تهميش النضالات و تخريبها و محاولة جر الحركة النقابية فى إتجاه عمل إحتجاجي بسبب إختلافاتهم مع النظام حول مسائل لا تتصل بالحركة العمالية إطلاقا- كموعد رؤية الهلال- و عيد الفطر- و الحجاب إلخ .
--------------------------------------------------------------------------------------
1) مجلة المعرفة لسنة 4- العدد6- 1978 ص6.
2) جريدة الحبيب العدد 4 ص 1-2 بتاريخ 14/8/1981
3) أحمد خالد : المرجع السابق ص 325.
4) راجع كتاب أحمد خالد : الطاهر الحداد و البيئة التونسية فى الثلث الأول من القرن 20 ط الدار التونسية للنشر 1967 و المقالات الصادرة فى خمس حلقات عن "الطبقة العاملة فى تونس و نشأة الحركة النقابية : ج ع ع تونسيين = جريدة الشعب لسان الإتحاد العام التونسي للشغل 81-82 .
5) أحمد خالد = المرجع السابق ص 325
6) هو عنوان كتاب ألفه بإيعاز من الطاهر بن عاشور الشيخ المسعودي الأصل عمر بن إبراهيم البري.
7) الشيخ محمد الصالح بن مراد .
8) أحمد خالد : المرجع السابق ص 311 .
9) مجلة المعرفة ، العدد 6 بتاريخ 3/4/1978.



Commenter cet article