قراءة فى بدائل اليسار فى تونس

Publié le par mohmedalimawi

أعيد اصدار النص لان الانتفاضة في تونس في خطر فهناك العديد من الاطراف الانتهازية التي تجمعت في "جبهة"14 ثم في ما يسمى بمجلس حماية الثورة - الذي يجمع الشيوعي والاخوانجي -من اجل الالتفاف على الانتفاضة واستغلال الوضع بهدف الحصول على بعض الامتيازات في اطار النظام الاستعماري الجديد.يكشف هذا التكتيك انتهازية الاطراف اليسارية التي لا يزعجها التحالف مع الاخوان المسلمين او التعامل بصفة رفاقية مع البيروقراطية النقابية للاتحاد العام التونسي للشغل التي خانت الشغيلة وباعت البلاد مع الجنرال المخلوع.
مقدمة :
تعددت المبادرات السياسية فى تونس وإرتبطت فى الحقيقة بموعد 04 وما يتطلبه من بدائل وتختلف هذه المبادرات حسب إختلاف رؤية أصحابها وتصوراتهم ودون الدخول فى تفاصيل المبادرات يمكن تصنيفها إجمالا إلى ثلاث مجموعات :
أ- مبادرات تندرج ضمن الصراع على السلطة فى إطار الصراع الإمبريالي على القطر ويفتقد أصحاب هذه المبادرات إلى مشروع سياسي مستقل عن دوائر الإستعمار الجديد .
ب- مبادرات صادرة عن مجموعات تسعى إلى المشاركة فى السلطة إنطلاقا من مبدأ "دولة القانون " ومفهوم التداول على السلطة على غرار ما يحصل فى أوروبا مثلا أو فى البرازيل و السينغال . وهي مجموعات لا تخرج تصوراتها عن النظام العالمي الجديد .
ج- مبادرات صادرة عن مجموعات تتحدث بإسم اليسار وبإسم الماركسية وتطرح نفسها بديلا للإستقطاب الرجعي .
لكن كلمة يسار كلمة فضفاضة تجمع العديد من الأطراف التى هي فى بعض الأحيان غير متجانسة لذلك وجب توضيح المرجعية الحقيقية لهذه الأطراف.
وفى إطار المساهمة فى الصراع الدائر حاليا حول البدائل للإستقطاب الثنائي دساترة- (نسبة الى حزب الدستور) /إخوان- (التيارالأصولي الإسلامي) نقدم قرائتنا من وجهة نظر فكر الطبقة العاملة للوثائق المتداولة فى الساحة وذلك بهدف بلورة بديل يرتكز أساسا على ثوابت "الديمقراطية الشعبية " ويساهم فى تربية الجماهير على أخذ مصيرها بيدها ويفتح آفاق التحرر أمامها. وتتناول قراءتنا هذه البدائل اليسارية التالية : 1- برنامج الحرية السياسية "لحزب العمال "الشيوعي" التونسي" 2 - نص "الحركة الديمقراطية ومشكلات توحيدها " لمحمد الكيلاني وهو منشق عن حزب العمال ومؤسس الحزب اليساري الاشتراكي و3– نص من مجلة قوس الكرامة "من أجل بديل ديمقراطي شعبي ،من أجل الجمهورية الديمقراطية " لشكرى بلعيد,الناطق باسم الوطنيين الديمقراطيين بالجامعة - ونصين نكرة بدون إمضاء وقع إصدارهما من قبل مجموعة ذات توجهات شرعوية و نقابوية –حزب العمل الوطني الديمقراطي حاليا- " وثيقة مرجعية للنقاش " و " أرضية مشتركة "
ويتمثل القاسم المشترك لهذه النصوص / البدائل في:

▪ أولا، تجنب الحديث عن الأهداف الحقيقية وهو ما يدفعنا إلى التفكير فى أن الهدف النهائي بالنسبة لهذه الوثائق عديم الأهمية ولو فرضنا أن المسألة مسألة تكتيك لا غير وأن التركيز على الآني هو المحدد راهنا فإن ذلك يتم – مع الأسف- فى تناقض والأهداف المعلنة أو غير المعلنة لأن التكتيك الصحيح مهما كان آنيا ودقيقا فإنه يجب أن يعكس فى كل لحظاته المحتوى الوطني او الطبقي من جهة والأسلوب الجماهيري الثوري من جهة ثانية ،
▪ ثانيا، حصر التكتيكات الحالية فى المطالبة بالحريات العامة مع تغييب كلي لدور الجماهير صانعة التاريخ من ناحية وكيفية النضال من أجل إنجاز الحريات من ناحية ثانية .

فهل أن "النضال "بين ظفرين يتم من خلال الضغط على النظام بإعتماد الرأي العام الخارجي ( الإشتراكية الديمقراطية الأوروبية مثلا او السفارة الأمريكية) وبتحريك الجبهة الداخلية الحقوقية مع إستغلال الحركة العفوية لإقناع السلطة بمزيد تقديم التنازلات فى مجال "الحريات " أم أن النضال من أجل الحريات الذى هو نضال مات من أجله الالاف والملايين يتم من خلال إستنهاض الجماهير بهدف ممارسة أبسط حقوقها التى أقرها دستور البلاد وصادق عليها النظام نفسه محليا و دوليا ؟ هل أن النضال من أجل الحريات يتم بهدف دعم المكاسب فى هذا المجال إعترافا بتضحيات الشهداء الوطنيين ومواصلة النضال على درب التحرر أم أن النضال من أجل الحريات يتم بصفة فوقية وبالإكتفاء بالهامش القانوني مثلما أكدت على ذلك الوثائق دون إدخال الجماهير فى حلبة الصراع ويصبح هدفه الوحيد كيفية المشاركة في" دولة المؤسسات" في ظل نظام العمالة ؟

إن جوهر القضية يكمن إذن فى السؤال التالي : هل أن الموقف السياسي والسلوك المترتب عنه يهدف الى إضعاف الطبقات الحاكمة ودعم الحركة الثورية أم لا ؟ وهل أن السلوك اليومي يدعم صمود الكادحين أم يزين وجه النظام ؟ إن قراءتنا للوثائق المذكورة آنفا هي قراءة نريدها علمية وعملية تنطلق من ثوابت الحركة الشيوعية المتعلقة بواقع أشباه المستعمرات ومن مكاسب الطرح الوطني الديمقراطي في تونس فيما يخص طبيعة النظام وشكل السلطة وتطرح وفق موازين القوى الحالية وحسب الدروس المستخلصة من النقائص والأخطاء وتفتح آفاق التحرر أمام الجماهير . فإلى أي مدى يحترم تكتيك "الحرية السياسية" العلاقة بين الإستراتيجيا والتكتيك ؟ وإلى أي مدى يتطابق شعار "المطالبة بالحريات " فى إطار المسموح به " مع الأهداف المعلنة أو غير المعلنة ؟ وهل أن مثل هذه التكتيكات أو الشعارات تدعم الحركة الثورية أم تزين رئيسيا وجه ممثلى الإستعمار الجديد؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه وفق المحاور التالية :

1) تكتيك الحرية السياسية يطمس المسألة الوطنية الديمقراطية .
2) أشكال النضال والتنظيم .
3) التوجهات التكتيكية للبديل الثوري .

1 ) تكتيك الحرية السياسية يطمس المسألة الوطنية الديمقراطية :

أ) التنكر عمليا للمسألة الوطنية :
إن القاسم المشترك الذى يجمع الأطراف المعنية بالنقد هو الطمس عمليا للمهام الوطنية التى أصبحت غائبة فعليا من برنامج "الحرية السياسية " وإن إعترفت بذلك لفظيا بعض العناصر المنسوبة إلى الطرح الوطني الديمقراطي فمجموعة حزب العمال منطقية مع طرحها الحالي المتعلق بالمسألة الوطنية ، فهي تغيب القضية عن وعي وذلك نتيجة تحليلها للمجتمع الذى يظل فى رأيها رأسماليا فى الجوهر ، لذلك فهي تركز على الحكم "الفردي" البورقيبي أو النوفمبري وتستنتج أن الحل هو "الحرية السياسية " وتصبح الديمقراطية – بمعنى الحريات فقط – هي القضية الأساسية والرئيسية وكأن هذه الحريات يمكن الظفر بها في ظل نظام العمالة . وقد تجسد ذلك فى برنامج "الحرية السياسية" بحيث نجد ما يلى :"إن العائق الذى يحول دون توحيد الجماهير وتنظيم صفوفها ...هو دون شك النضال من أجل الظفر بالحرية السياسية وكسر عبودية حزب الدستور (1)" ويضيف" البرنامج " :" إن الفارق بين "الحرية السياسية" المطروح مباشرة والثورة الديمقراطية الوطنية المطروحة على إمتداد مرحلة يتمثل فى كون الهدف من الأولى هو جعل البرجوازية الحاكمة تتخلى عن شكل سلطتها الفاشي والإقرار "بالحرية السياسية " (2)" .
وتجسد المجموعة تصورها "للحس"-الحرية السياسية- فتقول "تشهد بلدان عديدة باوروبا أو أمريكا اللاتينية أو آسيا أو أفريقيا وكان آخرها بلد الفليبين على كون النضال ضد الديكتاتورية الفاشية عسكرية كانت أم مدنية يؤدى إلى إسقاطها والظفر كخطوة أولى بالحرية السياسية ".(3) (وهذا يعنى أن الفليبين تتمتع ب"الحرية السياسية " حاليا).
وفى نفس المعنى ورغم إختلاف الألفاظ نجد فى نص "من أجل بديل ديمقراطي شعبي..." ما يشابه الوصف المذكور آنفا. فبالرغم من الاعتراف بالمسألة الوطنية فإن ذلك يظل حبرا على ورق عند وصف السلطة التى تصبح وكأنها مستقلة صاحبة القرار السياسي ويتبين ذلك منذ الصفحات الأولى إذ يقول الكاتب : " إن 7-11 هو تعبير عن إنتفاض الطبقات الرجعية الحاكمة على وضعها الأزموي " وهو فى نفس السياق يتحدث عن "ثوابت النظام وخياراته الجوهرية" أو "تحكم السلطة فى مجريات الصراع وإدارة حركته وفق مصالحها وعلى قاعدة ثوابت النظام " (4) وإن إعترف الكاتب بالمظلة الإمبريالية فإن البرجوازية الكمبرادورية كما يقول تبدو مستقلة ولها حرية الإختيار ...وبذلك يغيب الجانب الأساسي والرئيسي أي الصراع الإمبريالي على القطر بالوكالة من خلال رموز الطبقات الحاكمة التى لا يذكر منها سوى الكمبرادور عن قصد طبعا لأن ذلك يعكس تحليله للمجتمع الذى يرفض مصارحتنا به .
وفى "وثيقة مرجعية للنقاش" المنجزة من قبل العناصر المؤسسة لحزب العمل "الوطني الديمقراطي" نجد – مرة أخرى التركيز الصريح على جانب الحكم الفردي – ما يلى :" سيطر الحزب الواحد وإنتفت حياة سياسية ذات طابع ديمقراطي وإنتفت التعددية الحقيقية ... وتفشت مظاهر الإستبداد وقمع الحريات (5)" (وكأنه بالإمكان تحقيق الديمقراطية الحقيقية فى ظل الإستعمار الجديد) .
إن التركيز على وصف الحكم الفردي (الذى يوحي ضمنيا بالإستقلالية عن الإمبريالية ) من قبل الأطراف الأربعة يهدف إلى تقديم المسألة الديمقراطية وتحديدا الحريات أو بالأحرى ما يسمى بالتعددية كمسألة أساسية تسبق القضية الوطنية وتصبح الحل السحري لواقع الهيمنة وهكذا تصل الأطراف الأربعة إلى نفس الإستنتاج وهو "لا تغيير دون الحرية السياسية " وفى هذا الإطار ورد فى نص "من أجل بديل ..." :" إن عنوان كل المبادرات المطالبة بالحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان ...هو الأساس والقاعدة فى طرح القضية الديمقراطية "(6) . أما أصحاب "الوثيقة المرجعية " فقد ربطوا التحرر بحسم المسألة الديمقراطية [ فى جانب الحرية السياسية لا غير ]:" لا سبيل إلى (التحرر ) إلا بإطلاق حرية العمل السياسي" (7) .
و يعنى التركيز على الديمقراطية فى مستوى الحريات فقط وإن إعترف البعض شكليا ب" ترابطها مع القضية الوطنية " بالضرورة طمس المسألة الوطنية والإعتراف ضمنيا بوطنية هذا النظام أو ذاك أو على الأقل بوطنية مؤسساته ثم إعتبار المسألة الديمقراطية وتحديدا قضية الحريات القانونية هي الرئيسية أي المحددة فى حسم التناقضات وفى التقدم خطوة نحو المهام الوطنية الديمقراطية / الديمقراطية الجديدة .
ويتماشى هذا التحليل وبرنامج حزب العمال الذى يطرح صراحة "ثورة ديمقراطية وطنية"(اي الديمقراطية اولا ثم تاتي الوطنية) ويعترف عمليا بان المجتمع رأسمالي فى حين أن مثل هذا الطرح مرفوض لفظيا من قبل أصحاب النصين المذكورين غير أن الممارسة العملية لهؤلاء والمواقف الواردة فى نصوصهما من جهة ثانية تثبت دون عناء أنه يقع رفع شعار المسألة الوطنية لمغالطة الجماهير وللمزايدة . فالإقرار بإن المسألة الوطنية مسألة أساسية يعنى بالضرورة وفى كل خطوة إعتبار الطبقات الحاكمة دوما لاوطنية ، ليس لها إستقلالية القرار وإن تمتعت ببعض الهوامش . والإقرار بأن التناقض إمبريالية / شعب تناقض أساسي ورئيسي فى الآن نفسه يعنى حسب المادية الجدلية أنه لا يمكن حل المسألة الديمقراطية بصفة عامة أولا ثم حل التناقض الرئيسي ثانيا . وتتضمن المسألة الوطنية على المستوى العملي جل المهام اليومية مثل معاداة كل مظاهر الإستعمار الجديد : التطبيع ،الإصلاح الهيكلي ، الشراكة وما ينتج عن ذلك من تفويت وتسريح عمال ونظام المناولة ومدرسة الغد والتامين على المرض...) .
وتعتبرهذه المحاور محاور أساسية ورئيسية فى نفس الوقت إذ بدون أخذها بعين الإعتبار لا يمكن التقدم ولو خطوة واحدة بإتجاه إضعاف الرجعية الحاكمة فلا يمكن دعم القطيعة بين السلطة والجماهير ولا يمكن تسليح الجماهير بوعي وطني ديمقراطي وطبقي يمكنها من أخذ مصيرها بيدها ورسم تكتيكاتها من أجل المحافظة على المكاسب ومواصلة النضال. ان نقطة ضعف هذه الأنظمة هي بالذات التنكر للمسألة الوطنية بحيث تنكشف عمالتها وإنحيازها التام لمشروع الإستعمار الجديد الذى ترتبط به عضويا. وقد دللت الأحداث المتعاقبة على تمسك الجماهير بالمسألة الوطنية ( تبنى " القضية الفلسطينية " ورفض الخيارات الامبريالية ودعم الشعب العربي فى العراق وحتى التعاطف مع الشعب فى أفغانستان لأن الجماهير رغم عفويتها تكن الحقد الوطني لممثلي الإستعمار الجديد أو المدافعين عنه.) وتظل مهمة تعرية لاوطنية هذا الملك أو ذاك الجنيرال مهمة اساسية وتبيان ان العميل مجبر على تطبيق سياسة اسياده وعلى توفير الاستقرار بالحديد والنار .
تظل المسألة الوطنية قضية أساسية قارة فى جدول أعمال الشيوعيين (الماويين) وحاضرة يوميا فى عملية الدعاية والتحريض والتنظيم وتمثل هذه المسالة نقطة قوة لامجال لتهميشها بتعلة الغطاء القانوني او مستلزمات النشاط القانوني الخ... غير أن الوثائق المذكورة أعلاه تتناقض كليا وهذا التوجه وهي بالتالي : 1- فى تعارض صارخ مع ثوابت الحركة الشيوعية فيما يخص محتوى النضال في أشباه المستعمرات 2- تتناقض مع مكاسب الطرح "الوطني الديمقراطي" ومع واقع البلدان الزراعية المتخلفة 3- تدير ظهرها لحقيقة تطور وجهة الصراع الطبقي فى العديد من أشباه المستعمرات ( الفيليبين بما أنها ذكرت فى إحدى النصوص ، والنيبال والبيرو...).
تسترشد هذه النصوص فى الحقيقة بالحركة الإصلاحية التى وقفت فى الفليبين إلى جانب أكينو وضد الثوار الذين فضحوا ألعوبة الإنتخابات كما وقفت الإصلاحية إلى جانب فوجي موري فى البيرو وضد الحزب الشيوعي البيروفي /الدرب المضيئ الذى دعا إلى مقاطعة الإنتخابات المهزلة والتى إفتضحت حقيقتها لاحقا . وساهمت هذه المواقف الإصلاحية-الانتهازية دون شك فى تزيين وجه الأنظمة وإيهام الجماهير بإمكانية إحراز "الحرية السياسية" فى ظلها او بالاحرى تحول هذه الانظمة الى انظمة توفر الديمقراطية للشعب . وساعدت مثل هذه المواقف الانتهازية ساعدت الرجعية على ترتيب بيتها وإسترجاع أنفاسها وشن حملة شعواء ضد الشيوعيين الحقيقيين .
وبإيجاز يهدف التنكر للمسألة الوطنية او طمسها عمدا من جهة والتركيز على الحريات السياسية من جهة ثانية والإدعاء بأن تلك هي "المطالب الشعبية " أو جوهر المبادرات السياسية " يهدف إلى تبرير المشاركة فى مؤسسات لاوطنية بتعلة القيام بالدعاية المضادة والدفاع عن مصالح الشعب فى عقر دار الإستعمار الجديد . ولا يختلف هذا المنطق فى شيئ عن المعارضة الكرتونية ولا عن التنظيرات التحريفية السابقة والحالية الداعية إلى إستكمال الإستقلال أو التقليص من التبعية الإقتصادية . فقد دفن الإصلاحيون كلمة ثورة منذ زمان وأصبح مثلهم الأعلى، حسب تصريحاتهم فيما يخص شكل السلطة ، فى الفيليبين أو البرازيل والمغرب والسنيغال ...حيث تحققت الحرية السياسية وحيث "التعددية الحقيقية ".انهم تحولوا الى اشتراكيين ديمقراطيين متخلفين بما انهم يعيشون في مجتمع زراعي متخلف, غير انهم واصلوا التحدث باسم الشيوعية لمغالطة الجماهير.
ب ) تشويه المسألة الديمقراطية :
إن المسألة الديمقراطية فى البلدان الزراعية المتخلفة هي بالأساس مسألة تحرير الفلاحين من إضطهاد السماسرة وملاكي الأراضي الكبار والعمل على تطبيق شعار "الأرض لمن يفلحها " وهو شعار يسخر منه جماعة ح. العمال ويعتبرونه ضربا من الشعبوية . ان إختزال المسالة الديمقراطية فى الحريات العامة مثلما تفعل الوثائق المذكورة آنفا هو فى الحقيقة إحتقار لجماهير الفلاحين ,اثمن حليف للطبقة العاملة وتركها تحت هيمنة الطبقات الحاكمة أو مرهونة لدى البنوك وضحية غطرسة ملاكي الأراضي الكبار.
يعتبر برنامج "الحس" كتكتيك جزء لا يتجزأ من الإستراتيجيا وهو تكتيك سبق للينين أن رفعه فى ظروف محددة وفى علاقة عضوية بتحرير الفلاحين عن طريق النضال المسلح (8) . وهذا التكتيك المنسوخ إعتباطيا لا ينطبق على أشباه المستعمرات أولا ولا يتماشى وطبيعة النظام وواقع التناقضات الراهنة وكيفية حلها وهو إلى جانب كل ذلك يغيب كليا حليف الطبقة العاملة-جموع الفلاحين لا سيما منهم الفقراء - . وإن إعتبرنا ذلك منطقي فى إستراتيجيا حزب العمال فإن العناصر التى تسمى نفسها "وطنية ديمقراطية " تتعارض كليا وثوابت الطرح الذى تدعي الدفاع عنه ذلك أن النضال من أجل الحريات لا يمكن أن يتم بمعزل عن الجماهير عموما اما حصر إنجاز الحريات فى " نضال " المعارضة الكرتونية أو ما يسمى باليسار الضامن الوحيد لإيجاد "حكومة مؤقتة أو مجلس تأسيسي" (9) فهو ضرب للمسألة الديمقراطية . كما أن تغييب قضية الفلاحين من المسألة الديمقراطية إستراتيجيا وتكتيكيا يعنى التنكر الفعلي للمسألة الديمقراطية وحصرها فى هامش من الحريات لبعض الأطراف (الإصلاحية تحديدا) هو كذلك تنكر لشعار "الحرية للشعب" وتناقض مع الشعار الإستراتيجي "أرض ،حرية ،كرامة وطنية " .ان الحرية السياسية تعني في الحقيقة منح هذه الاطراف حرية التحرك بل انها تقتصر على هذه الاطراف التي تقبل النشاط في حدود المسموح به امبرياليا ولاحديث عن الحرية للشعب طبعا.
ان حصر الحريات فى الهامش الظرفي الذى يمكن للرجعية أن تجبر على تقديمه وربط هذا الهامش بشروط النظام أي "الأطر الموجودة القانونية أو المسموح بها"(10) يعني القبول بشروط الإستعمار الجديد وسلوك سياسة إنتهازية هدفها تشريع هذا الفريق أو ذاك دون مراعاة النضالات الشعبية ولا المكاسب التى إستشهد من أجلها العديد من المناضلين . ويبرر كل ذلك طبعا بتخلف الحركة الجماهيرية من جهة وضعف الذات الثورية من جهة ثانية وينضاف إلى ذلك واقع الجزر وإنسداد الأفق أمام الفرق الإصلاحية التى لا ترى خلاصها إلا فى الأطر القانونية وفي الاموال والامتيازات التي تقدم لها من قبل هذه الانظمة . وتتعارض هذه الخطط مع طموحات الجماهير وواقع نضالاتها وهي فى الحقيقة تكتيكات مصلحية لا تراعي سوى مصالح العناصر التى تلهث وراء المقاعد والإمتيازات الخاصة .

2) أشكال النضال و التنظيم :

إذا إستثنينا نص "الحركة الديمقراطية ومعضلات توحيدها " الذى يقر صراحة بأن "تحول الجمهورية الديكتاتورية إلى جمهورية ديمقراطية يتم من داخل الأطر الموجودة القانونية أو المسموح بها – الأطر التى تتواجد فيها الجماهير أو التمثيلية – البرلمان والمجالس البلدية ..."(11) فإن النصوص الأخرى تتجنب الحديث صراحة عن كيفية تحقيق الحريات العامة . فبرنامج ح.العمال يصرح بأن السلطة:" ستتخلى عن شكلها الفاشي " هكذا – بمحض إرادتها – أما بالنسبة ل"من أجل ... الجمهورية الديمقراطية " فإن النص يكتفى بالمطالبة بالحريات ولا ندرى من سيحقق "الجمعية التأسيسية والحكومة الوطنية المؤقتة "، قد يكون "الحلف الطبقي الشعبي " كما يقول الكاتب أو الجبهة الديمقراطية الموحدة أو وحدة قوى اليسار الراديكالي " أما كيف يتم ذلك فلا نجد سوى إشارات عابرة مثل الحديث عن إنمحاء حزب الدستور "إنمحاء وإنحلال وتفسخ هذا الكيان المصطنع والغريب...كما إضمحلت كل الأحزاب الإدارة ". (12) أو الحديث عن "أدوات الإنجاز" فى المطلق أو عن "الأداة السياسية الحاوية " مع الحرص على إبقاء مثل هذه الأدوات نكرة ودون تحديد طبقي . أما " وثيقة مرجعية " فهي فى الحقيقة تتبنى تكتيك"الحرية السياسية" الذى صادق عليه شق من "الشعلة" سابقا (13) لكن الوثيقة لا تذكر صراحة كيف يمكن تحقيق "الحرية السياسية" ورغم كل ذلك نجد إشارات فى نص"أرضية مشتركة " تفيد بأن جوهر الأشكال المتبعة يكمن فى الأطر الجماهيرية القانونية :" إن النضال من أجل هذه الأهداف يقتضى مباشرة التنسيق لإنجاز أعمال ميدانية مشتركة مع الأحزاب والمنظمات الشعبية والتنظيمات الجماهيرية التى لها هذه الأهداف نفسها"(14) . ويخفي السكوت عن كيفية إنجاز الحرية السياسية حقيقة ترفض هذه الاطراف البوح بها الا وهي مغازلة النظام والتظاهر بإحترام القانون من جهة ومغالطة الجماهير والتظاهر بتبنى العنف الثوري المسكوت عنه من جهة ثانية .
إن القاسم المشترك لهذه النصوص البدائل كما أسلفنا هو المطالبة بالحريات العامة من أجل هدف متفق حوله هو "الجمهورية الديمقراطية " عوض الجمهورية الديكتاتورية الحالية كما أسماها البعض وإلى جانب الإتفاق حول الهدف تعكس النصوص بصفة ضمنية ومن خلال إشارات متعددة الإتفاق حول كيفية الوصول عبر الطرق القانونية إلى الجمهورية المنشودة .
و يتضح من خلال الاستشهادات المذكورة أن الهدف المعلن وإن وقع أحيانا تغليفه بجمل ثورية يظل إصلاح "الجمهورية " الحالية (أو جمهورية الغد ) بإعتماد الأطر القانونية أساسا وبصفة رئيسية ويتضارب هذا التصور مع مكاسب الطرح الوطني الديمقراطي ويتناقض كليا مرة أخرى مع متطلبات الواقع .ان الثورة تختلف عن الإصلاح فالثورة هي فن التوفيق بين صرامة المبدأ ومرونة التطبيق أي بين الهدف والوسائل وتثبت كل المعطيات الحالية أن أطروحة التحول السلمي تؤدي فعليا الى المشاركة في ادارة ازمة النظام العالمي وأن التغيير من داخل النظام نفسه غير ممكن ونعنى بذلك التغيير الجذري فى إتجاه الإستقلال الفعلي عن المشاريع الإمبريالية بل لقد ساعدت مثل هذه التكتيكات الأنظمة الحاكمة على الخروج من أزماتها وقتيا وهزم الحركة الثورية بالإعتماد على المجموعات الإصلاحية-الانتهازية- التى لعبت موضوعيا دور المخرب.
ان طبيعة السلطة فى أشباه المتعمرات وشكلها ثم واقع الحركة يحددان الشكل الرئيسي للنضال فى كل فترة غير أن الشكل الأساسي يظل العمل السرى من أجل الحفاظ على إستمرارية العمل وصيانة القوى الفاعلة وإن فرضت الأوضاع بعض التعديلات بالإعتماد على العلنية أكثر أو بالتركيز على القانونية أحيانا لدعم الشكل الأساسي فإن ذلك لا يتم على حساب العمل السري ولا يجب أن يربي الجماهير تربية إصلاحية تدفع بالكوادر إلى التحول إلى موظفين فى النقابات ( أي سكريتير تريدينيوني كما يقول لينين) أو فى المنظمات الثقافية أو الإنسانية فى خدمة السياسة الرسمية كما حصل ذلك للعديد من العناصر التى إنتمت سابقا إلى اليسار .
تريد العناصر الإصلاحية إيهام الجماهير بأن كل ما هو" قانوني " يساوى بالضرورة جماهيري وهي معادلة خاطئة. لأن الجماهير (مع ضرورة تحديد المصطلح) تظل فى غالب الأحيان وخاصة فى أشباه المستعمرات خارج الأطر القانونية (خارج النقابات مثلا وخارج الإتحادات المهنية ...) و ذلك نظرا لطبيعة المجتمع من جهة ولحقيقة هذه المنظمات من جهة ثانية بحيث يمكن للإطار القانوني أن يكون معزولا عن الجماهير ( أو أن يتحرك هذا الإطار ضد مصالح الكادحين وان كان يحتوي على قاعدة جماهيرية أو أن يمنع الإتصال بالعمال والفلاحين وبذلك يظل الإطار فوقيا هدفه مراقبة الجماهير) كما تحاول العناصر الإصلاحية من جهة ثانية إيهام المناضلين بأن كل ما هو سري يساوي بالضرورة إنعزالي ، و إن كان خطر الإنعزالية يهدد فى كل لحظة نشاط الشيوعيين فإن هدف العناصر الإصلاحية هو تشويه الشيوعيين ومحاولة عزلهم بإعتماد كل الطرق .
تطرح قضية أشكال النضال والتنظيم فهما دقيقا لتغير الأشكال وعلاقتها فيما بينها فى ترابط مع الأهداف من جهة ومع الشكل الأساسي للنضال من جهة ثانية (علاقة السرى بالقانوني وبالعلني ومفهوم الشرعية فى علاقة بالقانونية وبالجماهير ...) وإلى جانب ذلك تطرح مسألة الدعاية التشبث بمضمون مستقل يعكس مصالح الكادحين وليس بمضمون مشوه يتأقلم مع ما هو مسموح به ويقبل الحدود القانونية بمعزل عن مصالح الجماهير وبغض النظر عما تتطلبه المرحلة من مهام . إن مضمون الدعاية يساهم فى تربية الجماهير بإتجاه أخذ مصيرها بيدها ولا يفرض عليها "إحترام حدودها" القانونية التى رسمت لها من أجل إبقائها على الدوام ورقة فى يد إتجاهات لا علاقة لها بتحرير الكادحين . ان الهدف من الدعاية والتحريض هو تنظيم الجماهير بصفة مستقلة وإعدادها عمليا لمواجهة العنف الرجعي اليومي الذى يبدأ بشتى الإهانات ويمر عبر منع الإجتماعات فى المؤسسات لينتهى بالتشريد والتعذيب والمحاكمات .
ويكمن مرض الإصلاحية فى الإكتفاء بالقانوني وتبرير ذلك صراحة بالنسبة للعناصر المكشوفة أما بالنسبة للعناصر التى ما تزال تزايد بإنتمائها للطرح الوطني الديمقراطي فإنها تتبجح بإعتمادها السري فى الكواليس لكنها تمارس الليبرالية . ومهما كانت التبريرات فقد أثبتت التجارب فى تونس فى العديد من المناسبات من بئر مشارقة إلى الاضراب العام سنة 78 إلى إنتفاضة الخبز 84 والمظاهرات المساندة لفلسطين أو الشعب العربي فى العراق إلخ أثبتت هذه التجارب الثمينة وهذه المكاسب أن اطروحات الإصلاحية فى تعارض تام مع واقع النضالات ومع طموحات الشعب وأن الأشكال المتبعة من قبل هذه الفرق لن تؤدى إلى تحسين أوضاع الجماهير بل إلى ترتيب البيت الرجعي ومساعدته على ادارة ازمته .
أسقط تكتيك الحرية السياسية الثورة الوطنية الديمقراطية/ الديمقراطية الجديدة من جدول الأعمال ولم يعتبر التناقضين الذين يشقان المجتمع عدائيين لذلك فهما بالنسبة له لا يحسمان بالعنف الثوري وبما أن هذا التكتيك يتبنى جهرا أو ضمنيا مبدأ "المصالحة الوطنية أو الوفاق الطبقي " لا يرى أن العنف هو نتيجة حتمية يؤول إليها الصراع الطبقي فى أرقي أشكاله وهو يعارض ضمنيا العنف الجماهيري ويعتبره ضربا من الإنعزالية أو الشعبوية ، فى حين يقبل العنف الرجعي ويعمل وفق قوانينه . نظرا لكل ذلك فإنه من الطبيعي أن تخضع هذه العناصر قضية تحرير الشعوب للتفاوض من موقع ضعف وهو ما سيجرها الى القبول بالحلول الإستسلامية وايهام البعض بإن واقع الجزر وضعف القوى يحتم عليها المشاركة فى مؤسسات لاوطنية تقنن نظام الإستعمار الجديد وتدعمه بإستمرار.

3) التوجهات التكتيكية للبديل الثوري :

تتلخص استراتيجية الاطراف الانتهازية في طمس الثورة الوطنية الديمقراطية/ الديمقراطية الجديدة وتجريدها من المحتوى الطبقي والنضالي من جهة والاكتفاء بترميم مؤسسات الاستعمار الجديد حسب مد الحركة الشعبية او جزرها تحت يافطة "المجتمع المدني ".
إن التكتيك وثيق الصلة بالإستراتيجيا يرتبط دوما بكيفية تحقيق مهام محددة فى وضع تاريخي محدد وبقوى محددة على درب إنجاز المهمة المباشرة ويعمل التكتيك الثوري على إستنهاض الجماهير وإعداد الطبقات الشعبية لأرقى أشكال الصراع ولا يمكن لمثل هذا التكتيك أن يكتب له النجاح دون رؤى برنامجية واضحة لذلك لا بد من برنامج يصوغ رؤانا الأساسية كما يقول لينين "ويضبط بدقة مهامنا السياسية الملحة ويحدد المطالب العاجلة التى يتم حولها عملنا التحريضي الذى يحول – بتوحيده وتوسيعه وتعميقه – التحريض الخاص الجزئي من أجل مطالب دنيا معزولة إلى تحريض من أجل مجموع المطالب الإشتراكية الديمقراطية "(15) .
و تكتيك "الحريات " لا ينطلق من إسترتيجيا ثورية ولا يعتمد رئيسيا على الجماهير صانعة التاريخ ولا يراعي واقع نضالاتها ولا تطلعاتها وقد أثبتت الأحداث في تونس أن "تكتيك المطالبة بالحريات فى إطار القوانين الجائرة " والذى برز منذ السبعينات ، أثبتت الأحداث أن هذا التكتيك خاطئ على طول الخط وهو قد ساهم دوما فى حل أزمة السلطة وتفكيك الحركة الثورية ( الإنفتاح سنة 80 وسنة 87 مثلا) .
وقد أصبح الجميع يقر بأننا نعيش مرحلة التحرر الوطني الديمقراطي- في المستعمرات واشباهها- بما فى ذلك بعض الأحزاب المشاركة فى السلطة فى بعض الأقطار العربية وبالرغم من إتفاق العديد من التيارات حول هذه التسمية فإن الإختلاف يظل أولا فى مستوى المضمون وثانيا فى كيفية تجسيد الشعارات الوطنية الديمقراطية تكتيكيا إذ هناك من يريد بإسم التكتيك أو بتعلة واقع الجزر وضعف القوى إيجاد جسور تعامل مع من يدافع علنا عن المشاريع الإمبريالية ويتعارض مثل هذا السلوك مع نضالات الجماهير ويتصدى لطموحاتها التحررية .
لقد رسمت التجارب السابقة- على اختلاف درجة تطورها- إتجاهات تكتيكية فى كيفية التعامل الثوري مع المسألة الوطنية الديمقراطية وإن تتطلب المرحلة الحالية تكتيكات عديدة ومتعددة حسب مد الحركة أو جزرها فإن التكتيك الذى يقع رسمه فى جميع الحالات يتمفصل دوما حول محورين أساسيين لا مجال لطمسهما رغم تداخل المحورين أو بروز أحدهما فى الصدارة وفق تطور الأحداث :
-أ- محور النضال ضد الإستعمار الجديد وفق ما يفرزه الوضع من مطالب (النضال ضد التدخل الامبريالي-النضال ضد الغرات الصهيونية –رفض اختيارات صندوق النقد الدولي...)
-ب- محور الديمقراطية ورئيسيا شعار "الأرض والحرية " الذى يتخذ فى كل فترة تجسيدات تتغير الأولويات فيها بتغير الأوضاع أي إستنهاض جماهير الريف والنضال اليومي ضد العسكرة والدسترة ويتضمن هذا المحور النضال من اجل افتكاك حق التعبير والتنظم... وعدم الاكتفاء بسلوك الاستجداء
أما فيما يخص أشكال النضال والتنظيم فإن الجماهير الشعبية لم تترقب تأشيرة النظام لتندد بالعدوان على العراق مثلا أو لتتظاهر ضد الإجتياح الصهيوني ... كما أنها لم تتردد فى التعبير عن رأيها على الجدران أو فى المؤسسات . لذلك يظل إفتكاك حق التعبير والنشر والتنظيم والتظاهر ... رهين حركة المد والجزر وفى علاقة بمدى صمود الحركة وقدرتها على جعل هذه الأشكال واقعا يوميا وأمرا مفروغا منه رغم المناشير اللاقانونية أو اللادستورية التى تصبح حبرا على ورق ويجبر النظام على مراجعتها ظرفيا وبدون الدخول فى تفاصيل الأشكال التى مارستها الجماهير أو تعلمتها من العناصر الثورية فى مجال افتكاك الحريات العامة فإن المطروح فى هذا المجال هو تقنين المكاسب والسيرعلى خطى التجربة الثورية فى القطر دون إهمال أي شكل من الأشكال شريطة أن يدعم الحركة الشعبية أساسا ويعمق الهوة بينها وبين من يزكى سياسة "النظام العالمي الجديد" والإقلاع عن بث الأوهام حول إمكانية منح هذا العسكري أو ذاك الملك الحرية للشعب على طبق من ذهب . فكيف يمكن لملك أن يتنحى دون ضغط ؟
لقد تفننت الجماهير فى إيجاد أشكال مختلفة تستلهمها من التجارب السابقة ومن متطلبات الواقع المعيش ولم تكتف طبعا كما يفعل أصحاب النصوص المذكورة بما يسمح به هذا الملك أو ذاك العقيد علما وأن المسموح به أمر مكتسب لا جدال فيه بل يتحتم توسيعه بإستمرار والتصدى لمحاولات التراجع فيه بالإعتماد على الجماهير وتدريبها على إفتكاك حقها وعلى كيفية صيانة المكاسب .
إن تكتيك "الحس" الذى تواصل منذ نهاية السبعينات ليس بتكتيك فهو فى الحقيقة الإستراتيجيا الفعلية – غير المعلنة – إستراتيجيا "الجمهورية الديمقراطية " (جمهورية الغد ) كما إتفق على تسميتها الحزب الحاكم وأصحاب النصوص المذكورة وذلك فى إطار ما يسمى "بالمجتمع المدني" ويكفى الإطلاع على الجانب العملي للبرامج المدرجة ضمن النصوص المذكورة لنتبين الخلط الواضح بين الإستراتيجي والتكتيكي أو بالأحرى الإستبدال الواضح والمقصود لبرنامج الثورة الوطنية الديمقراطية ببرنامج الحرية السياسية- إفهم جمهورية الغد- إذ أن البرامج الموضوعة لا يمكن لها أن تتحقق فى ظل الأنظمة القائمة بل إن تحقيقها أو الشروع فى إنجازها يعنى ضمنيا سقوط هذه الأنظمة أو على الأقل تفككها إلى حد بعيد وهكذا تتمكن الإصلاحية من خلط الأوراق فتتلحف ببرنامج الثورة لكنها تمارس عكسه.
أما فيما يتصل بأشكال النضال فإنه رغم تعددها ورغم إبداعات الجماهير يكتفى أصحاب النصوص أساسا ورئيسيا "بالمسموح به قانونيا " وكأنهم فى بلد رأسمالي تتوفر فيه "الحريات " هذا علما وأن السلطة نفسها تدوس القانون وتعتمد كل الأشكال من أجل قمع الشعب أو مراقبته ويحق لها ذلك حسب المنطق الإصلاحي .في حين ان الجماهير عندما تنتفض لاتفكر في القانون ولاتطرح مسالة مدى تماشي انتفاضتها مع القانون الجائر.
ان المطروح حاليا على القوى الثورية عموما هو إعادة الإعتبار لمكاسب الطرح الوطني الديمقراطي وإستخلاص الدروس من فشل التجارب السابقة من أجل إعادة الثقة فى النضال والتبيان بالملموس أن العصر هوعصر تفكك النظام الإستعماري الجديد وذلك رغم الهزائم والنكسات وأن نضج الأوضاع خاصة فى "مناطق الزوابع الثورية " ينبئ بإعادة تنظيم الحركة الثورية التى ظلت إلى حد الآن متخلفة على الظروف الموضوعية وغير قادرة على تأطير الحركة العفوية التى تجاوزتها فى العديد من المناسبات . وتثبت النضالات المندلعة هنا وهناك رغم إختلال موازين القوى أن البديل الديمقراطي الشعبي حاضر فى كل التحركات كما أن الأفق الإشتراكي أو نظام تسود فيه العدالة الإجتماعية أمر يخالج بال الثوريين جميعا .
وبإيجاز يمكن القول إن التمسك بالمكاسب التي حققتها الجماهير وبلورة خط صائب غير كافيين طبعا لأن الخط وحده لن يصل بعصا سحرية إلى قاعدته الإجتماعية لذلك وإلى جانب الخط (أو البرنامج) لا بد من إيجاد أداة قادرة على تجسيد الخط وتحويل الشعارات إلى سلاح فكري ولن تتحول المطالب المدرجة فى البرنامج إلى رؤية شاملة وبديلة لواقع الإضطهاد والتخلف إلا إذا إهتدت الأداة المنفذة إلى الأشكال النضالية المناسبة فى الفترات المناسبة وتمكنت من لف أوسع الجماهير وإحداث الفراغ من حول السلطة ويستوجب مثل هذا التوجه التعويل على النفس أولا وقبل كل شيئ وعلى الجماهير صانعة التاريخ إذ كم من مرة إنطلقت الحركة الثورية من صفر وبفضل الإنتصارات الجزئية توسعت بإستمرار مجالات نشاطها . ان قضية إيجاد الأداة المنفذة للخط الصائب فى الأوضاع الراهنة هي الحلقة الرئيسية والمهمة المركزية العاجلة أي أن حسم المسألة التنظيمية على المستوى الفكري والسياسي هي القضية الحاسمة التى لا يمكن إهمالها عند صياغة أية خطة .

الهوامش:

1- ص11/ 2-ص13 /3 - ص17 و18 من برنامج الحرية السياسية (ح . العمال) / 4- ص 1 "من أجل بديل ديمقراطي شعبي ... من أجل الجمهورية الديمقراطية " ش. بلعيد / 5- ص2 "وثيقة مرجعية للنقاش " /6- ص3 "من أجل بديل ..." / 7- ص10 "وثيقة مرجعية .." /8- "خطتا الإشتراكية الديمقراطية "لينين / 9- "من أجل بديل ..." / 10 - ص3 "الحركة الديمقراطية و معضلات توحيدها "م.الكيلاني / 11- ص 13 نفس المصدر /12- ص 4و3 "من أجل بديل..." / 13 – ص 7 "وثيقة مرجعية ..." / 14- ص 2 "أرضية مشتركة " / 15- "مشروع برنامج لحزبنا "لينين مجلد 4 ص 263 .





Commenter cet article