في بناء الإشتراكية

Publié le par mohmedalimawi

في بناء الإشتراكية
يندرج هذا النص في إطار الرد على اطروحات انور خوجة الدغمائية التحريفية التي تدعي ان الاشتراكية لم تبن في الصين الشعبيبة وهي اطروحات وقع الدفاع عنها في تونس من قبل التروتسكية والتروتسكية الجديدة الممثلة في حزب العمال الشيوعي التونسي ومن قبل بعض الوطنيين الديمقراطيين الذين يعتبرون ان التجربة الاشتراكية تقف عند تجربة الاتحاد السوفياتي بقيادة الرفيق ستالين هذا فضلا عن التحرفيين الذين يرفضون ماو تسي تونغ قلبا وقالبا لانه فضح التحريفية الخروتشوفية والروسية عامة اي الامبريالية الاشتراكية.
مقدّمة :
لقد زعمت التحريفية السوفياتية خاصة منذ مؤتمرها ال24 أنه لم يقع التقدّم فى البناء الإشتراكي فى الصين ولم يتورّع حزب العمل عن إستعمال نفس التهم فإدّعى بدوره بعد أن كان قد إعترف بالبناء الإشتراكي فى الصين ، إدّعى أنّ الحزب الشيوعي الصيني لم يبن الإشتراكية.
وقد أدّى به هذا التغيّر الكلّي فى موقفه إلى تشويه مرحلة البناء الإشتراكي وتقديم هذه المرحلة فى شكل مثالي مرتكز على المبادئ بصفة دغمائية حيث طمس طبيعة الإقتصاد الإشتراكي وكل التناقضات التى تحكمه وعلى هذا الأساس إدعى أنّ الإشتراكية لم تبن فى الصّين فترك كلّ الحقائق التى كان قد إعترف بها وإلتجأ إلى بعض الأخطاء وحتى إلى بعض النواقص ليدعم إتهاماته المجانية،"وكأنما قامت يوما فى العالم وكأنما قامت فى التاريخ يوما ثورة واحدة كبيرة حقا دون تفسّخ ...دون تجارب مضنية"( حول المجتمع الشيوعي- ماركس-إنجلز-لينين) وتناسى "أن قوانين الإقتصاد الإشتراكي كسائر القوانين الإقتصادية لكل نمط إنتاج آخر تبرز وتعمل عملها بقطع النظر عن إرادة الإنسان. معنى ذلك أن لهذه القوانين طابعا موضوعيا. ولذلك فإنّ إنكار الطابع الموضوعي لقوانين الإقتصاد الإشتراكي يؤدى إلى حرمان المجتمع الإشتراكي من إمكانية التكهّن بمجرى الأحداث" ( ص 438)... " فعلينا أن نتمرّد على أخذ الظروف الإقتصادية والسياسية الملموسة من مختلف جوانبها بعين الإعتبار أي أن نقدر هذه الظروف التى تتحرك فى داخلها تلك القوانين حسب كلّ فترة معيّنة" ("كتاب الإقتصاد السياسي " ص 440).
إنّ النظام الإشتراكي تحكمه إذن قوانين موضوعية معينة ، هذه القوانين التى جعلت مهمّة دكتاتورية البروليتاريا صعبة للغاية كما يقول لينين فى "المجتمع الشيوعي "( ص12). وطالما لم تحسن دكتاتورية البروليتاريا التعامل مع هذا الواقع الموضوعي وكلّ ما ينتج عنه من صراع طبقي وطالما لم تتقدّم فى حسم التناقضات المطروحة فإنها ستعجز بالضرورة عن الإرتقاء التدريجي بالمجتمع الإشتراكي . وستسقط فى إنحرافات يسارية كالإرادية وتجاوز الواقع الملموس أو فى إنحرافات يمينية تجرها إلى التهادن وعدم الحزم فى النضال ضد "الحق البرجوازي".
فقد سقط حزب العمل فى إنحراف يساري واضح حيث طمس كلّ التناقضات التى تحكم النظام الإشتراكي ولم يفه ولو بكلمة واحدة حول "الحق البرجوازي" وإدّعى مقابل ذلك أنّ الحزب الشيوعي الصيني حزب برجوازي سمح للبرجوازية بالتواجد ولذلك لم يفهم حزب العمل الألباني أسباب تواصل الصراع الطبقي فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا والأشكال التى يمكن أن يتخذها هذا الصراع.
وقبل دحض هذا الإنحراف اليساري وتبيان تناقضه الكلي مع واقع الصين الإشتراكي فى عهد ماو ، من الضروري تذكير البعض بخصائص المجتمع الإشتراكي :
يرتكز النظام الإشتراكي على الملكية الإجتماعية لوسائل الإنتاج وتتخذ هذه الملكية شكلين : ملكية الدولة ( أو ملكية الشعب كله) و ملكية التعاضديات "الكولكوز" و تتميّز علاقات الإنتاج الإشتراكية بتطابقها مع مستوى تطور القوى المنتجة ولكن رغم هذا التطابق يمكن لتناقض ما أن يبرز من حين إلى آخر نظرا للتفاوت الذى يمكن أن يحدث خاصة وأن القوى المنتجة التى تمثّل العامل الأكثر ثورية والأكثر تحركا فى عملية الإنتاج تواصل فى النظام الإشتراكي فى التقدّم على علاقات الإنتاج ولكن على عكس ما يحدث فى المجتمعات المبنية على إستغلال الإنسان للإنسان فإنّ هذا التناقض لا يمثّل تناقضا عدائيا تحت دكتاتورية البروليتاريا لأن المجتمع الإشتراكي قادر فى الوقت اللازم على جعل علاقات الإنتاج تتطابق مع القوى المنتجة ولأن دكتاتورية البروليتاريا ليس لها أية منفعة للحفاظ على الأشكال الإقتصادية القديمة . ويوجد إلى جانب هذا التناقض الذى يمكن أن يبرز إلى الوجود ، يوجد تناقضا آخر بين شكلي الملكية الإشتراكية ( ملكية الدولة وملكية الشغالين الجماعية) ويكمن هذا التناقض فى عملية تبادل المنتوجات الصناعية والزراعية ، فالإنتاج الزراعي يقوم على ملكية الفلاحين الجماعية وبالتالى فإن المنتجات الصادرة عن العمل الزراعي هي كذلك ملكية جماعية ولكن وبما أنها ليست ملك الشعب كله يتحتم إذا إحترام مبدأ المعادلة عند إجراء التبادل بين المنتجات الصناعية والزراعية ويقول ستالين فى هذا الصدد :" لضمان التحالف الإقتصادي بين المدينة والريف ، بين الصناعة والزراعة يجب المحافظة لفترة معينة على الإنتاج السلعي ( اي التبادل عبر عملية البيع والشراء) الذى يمثل الشكل الوحيد المقبول بالنسبة للفلاحين فى العلاقات الإقتصادية مع المدينة ( "المشاكل الإقتصادية للإشتراكية فى روسيا" ص 13) وفضلا عن هذين التناقضين الذين لا يمكن إعتبارهما بالمرّة تناقضين عدائيين بل نواقص موضوعية لا غير يوجد التناقض بين المدينة والريف وبين الصناعة والزراعة ثمّ بين العمل الفكري والعمل اليدوي. وتعتبر هذه التناقضات كذلك مجرّد نواقص موضوعية يمكن للعناصر البرجوازية أن ترتكز عليها لبثّ الغموض فى حالة عدم سلوك سياسة صحيحة إزاء هذه النواقص من قبل دكتاتورية البروليتاريا، وقد سبق للرفيق ستالين أن حذّر من مثل هذه الإنحرافات وردّ على أطروحات كلّ من حاول خلط الأوراق فقال "لقد إرتكز البعض على صيغة وردت فى بعض تدخّلاتى حيث وقع الحديث عن القضاء على الإختلافات بين الصناعة والزراعة وبين العمل الفكري والعمل اليدوي بدون أن يقع تحديد ما إذا كان ذلك يعنى القضاء على الإختلافات الجوهرية أو على كلّ الإختلافات وقد فهم الرفاق صيغتي بهذه الطريقة فإفترضوا أنها تعنى القضاء على كلّ الإختلافات" ( ص 30 من "المشاكل الإقتصادية للإشتراكية فى روسيا") .
توجد فى المجتمع الإشتراكي إذن بقايا المجتمع القديم لا على المستوى الإيديولوجي فقط كما يدعى البعض بل كذلك وخاصة على المستوى الإقتصادي. فالإنتاج السلعي ما زال موجودا وقانون القيمة النقد و البنوك ولكن تواجد كلّ هذه الأشكال لا يعنى حتما أن المجتمع رأسمالي لأنّ الرأسمالية لها خصائصها حيث تلعب كلّ هذه الأشكال الدور المعدّل فى الإقتصاد وتعطى للمجتمع الطابع الرأسمالي المتمثّل فى إستغلال الإنسان للإنسان وفى الملكية الفردية لوسائل الإنتاج وتصبح قوة العمل تباع وتشترى فى السوق وتتفاقم البطالة وتتصاعد نسبة التضخّم إلخ...
بيد أن فى المجتمع الإشتراكي الذى يمثل تحولا نوعيا لا علاقة له بنظام إستغلال الإنسان للإنسان وبالرغم من تواجد آثار الرأسمالية هذه فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا فتبقى هذه الآثار ثانوية إذ لا تلعب الدور المعدّل ولا تحتفظ بطبيعتها بل تتأقلم مع النظام الجديد ويقول ستالين فى هذا الصدد : " صحيح أن قانون القيمة لا يلعب دورا معدّلا فى إنتاجنا الإشتراكي ولكنه مع ذلك يؤثّر فى الإنتاج (...) ولا تكمن المصيبة فى أن قانون القيمة يؤثر فى إنتاجنا بل المصيبة تكمن فى أنّ مسيّري شؤوننا الإقتصادية وإختصاصيينا فى مجال التخطيط لا يفهمون جيدا تأثير قانون القيمة ولا يبذلون جهدا لدراسته ولا يعرفون كيف يأخذونه بعين الإعتبار فى حساباتهم وهذا هو بالذات ما يفسّر الخلط الذى ما زال يسود فى بلدنا على صعيد سياسة الأسعار" ( ص 19-20 من " المشاكل الإقتصادية للإشتراكية فى روسيا" ).
فلا يرجع خطر بناء الرأسمالية إذن إلى تواجد هذه الآثار بالذات بل إلى طبيعة السلطة وخاصة قدرة الحزب الشيوعي على فهم كلّ التناقضات فى أدق مظاهرها وعلى الصمود أمام كلّ الإنحرافات وعمليات التحريف ولكن إذا فشلت دكتاتورية البروليتاريا فى أداء هذه المهمّة فستصبح آثار المجتمع القديم فى صورة توصل " البرجوازية " إلى تغيير طبيعة الحزب تصبح جوهرية ومعدلة للإقتصاد وستتم عملية إعادة بناء الرأسمالية تدريجيا لأن البرجوازية التى وقع القضاء عليها كطبقة مالكة لوسائل الإنتاج لا تضمحل رغم ذلك بل تحاول "إسترجاع فردوسها" وتعتمد على النواقص الموضوعية لبثّ البلبلة وضرب دكتاتورية البروليتاريا من الداخل ولذلك فإن الصراع الطبقي لا ينطفئ بل يصبح ضرورة ملحّة وقانونا موضوعيا يعكس الواقع الإقتصادي وخاصة تواجد "الحق البرجوازي" : " فالشيوعية فى طورها الأوّل ، فى درجتها الأولى لا يمكن لها بعد أن تكون ناضجة تماما من الناحية الإقتصادية ، لا يمكن أن تكون خالية تماما من تقاليد وآثار الرأسمالية ومن هنا تأتى هذه الظاهرة التى تستوقف النظر : بقاء الأفق الضيق "للحق البرجوازي" فى الشيوعية خلال طورها الأوّل ويستنتج (ماركس) أنه لا يبقى لزمن معين الحق البرجوازي وحده بل أيضا الدولة البرجوازية بدون برجوازية. وقد يعدّ ذلك تناقضا أو مجرّد " تلاعب ديالكتيكي" الأمر الذى كثيرا ما يتهم به الناس الماركسية هؤلاء الذين لم يبذلوا أي جهد ليدرسوا مضمونها العميق منتهى العمق" (المجتمع الشيوعي- لينين ص95).
فهل أخذ حزب العمل كلّ هذه المبادئ والقوانين الموضوعية بعين الإعتبار أم أنّه توخى أسلوبا وحيد الجانب؟ وهل إحترم واقع الصين الإشتراكى أم أنه شوهه بعد أن كان قد مجّده ؟ فخلط الأوراق وبثّ الغموض عن وعي وإرتكز فى تحطيم التجربة الصينية والواقع الإشتراكي إرتكز عمدا على الفترات التى إحتدّ فيها الصراع ضد التحريفية مع إهمال المواقف الرسمية المدونة من قبل الحزب الشيوعي الصيني، ويمكن تحديد هذه الفترات كالتالى:
- أ- فترة 56-1958 أي فترة الإعلان عن البناء الإشتراكي والوثبة الكبرى ثمّ كل ما إنجرّ عنه من صراع ضد البرجوازية خاصة وأن هذه الفترة مرتبطة بوفاة الرفيق ستالين من جهة وصعود التحريفية فى روسيا من جهة أخرى.
-ب- فترة 60- 1963 وهي فترة تفجير الصراع ضد التحريفية السوفياتية الذى أدّى إلى بروز حركة ماركسية-لينينية من جهة وإستكلاب التحريفية من جهة أخرى.
- ج- فترة الثورة الثقافية التى هي نتاج للصراع الطبقي السابق وتمثّل هذه الفترة إنتصار الخطّ الماركسي –اللينيني على عكس ما يدعيه البعض إذ تمكن الحزب الشيوعي الصيني :
◘ أولا من فضح كل مظاهر المجتمع القديم على المستوى الإقتصادي وعلى المستوى الثقافي والتعليمي إلخ
◘ ثانيا من ضرب المندسين البارزين فى الحزب
- د- فترة "نظرية العوالم الثلاثة" التى قالت فيها الحركة الماركسية-اللينينية كلمتها.
- وأخيرا فترة الإنقلاب الأبيض التى إعتبرها حزب العمل مجرد إمتداد للصراع بين الكتل الرجعية رغم التحولات الرجعية الهائلة التى قامت بها الطغمة التحريفية.
يتضح حسب هذا التقسيم الذى ينطبق نسبيا على تاريخ حزب العمل أن الصراع الطبقي لا ينطفئ حتى فى ظلّ الإشتراكية بل إنه يتواصل بكلّ حدّة " لأن هجوم الإشتراكية على كلّ الجبهات يسير بصفة موازية لتصاعد الصراع الطبقي فى خضم المصاعب الكبرى الناتجة عن إعادة البناء إعادة كلية فى الصناعة والفلاحة... إن هجوم الإشتراكية ليس فى مأمن من أن يصطدم بالمقاومة اليائسة التى تظهرها الطبقات المستغلّة المتحضّرة التى سرعان ما تلتجئ بدعم من الطوق الرأسمالي إلى التخريب والإرهاب..." ( ص 397-398 من "كتاب الإقتصاد السياسي").
لم يعر حزب العمل الألباني أي إهتمام لكل هذه المبادئ بل حاول تزوير الصراع الطبقي وتقديمه فى شكل صراع كتل رجعية فضرب الطابع الموضوعي لهذا الصراع الذى رغم وجود دكتاتورية البروليتاريا يمكن أن يتخذ شكل الحرب الأهلية أو الثورة الثقافية أو حتى الإنقلاب الأبيض، بيد أن الحزب الشيوعي الصيني إنطلق من هذه المبادئ المذكورة ومن التجارب السابقة ورفض مغالطة الجماهير ، فشحذ يقظتها من مغبة الإندساس ومن خطر إعادة بناء الرأسمالية فوضع الصراع الطبقي فى المقام الأوّل لا شكليا كما يدعى حزب العمل الألباني بل مارسه فعليا فى المعمل وفى الحقل ضد كلّ الأفكار الخاطئة.
فى المجال الصناعي :
يجب بادئ ذى بدء تذكير البعض بأنّ الإشتراكية لا تبنى بعصا سحرية خاصة فى البلدان المتخلفة أو شبه المستعمرة. وقد برهنت تجربة الإتحاد السوفياتي على ذلك، فخلافا إلى ما يمكن أن يروّج من مثالية فى كيفية البناء الإشتراكي فقد عرف هذا البناء تعرجات عديدة ولكن خرجت دكتاتورية البروليتاريا منتصرة ووطّدت نفوذها إلى حدّ وفاة ستالين. فهل إتهمت الحركة الماركسية-اللينينية لينين "بتعامله" مع البرجوازية خلال " السياسة الإقتصادية الجديدة "؟ وهل وجهت له تهم التهادن مع العناصر الإنتهازية؟ وهل يمكن إتهام ستالين بعدم الحزم لمّا خلّف خروتشوف وعصابته أم أنّه يتحتّم فهم أسباب هذه الردّة ؟
لقد رفض حزب العمل رفضا قطعيا مقارنة ما حدث فى روسيا بما حدث فى الصين وخلط عمدا بين إضمحلال البرجوازية كطبقة مالكة لوسائل الإنتاج وبين الملكية الخاصة، وتواجد الحق البرجوازي فى ظلّ الإشتراكية ( إنظر الملحق) كما رفض إمكانية التعامل مع بعض العناصر البرجوازية رفضا مطلقا بغضّ النظر عن الظروف الموضوعية وقدّم ذلك كمجرّد إنحراف متناسيا تجربة السياسة الإقتصادية الجديدة فى الإتحاد السوفياتي ومعارضا ضمنيا مقولة لينين التالية " إنّ قضية الإختصاصيين البرجوازيين تثير كثيرا من الإحتكاكات والخلافات... فقد سئلت هل يمكن فى الجمهورية الإشتراكية دفع راتب ب3000 روبل ، لقد أدرجنا فعلا هذه المسألة فى البرنامج لأن الإستياء الذى أثارته مضى بعيدا نسبيا. إنّ قضية الإختصاصيين البرجوازيين تواجهنا فى الجيش وفى الصناعة وفى التعاونيات وهي تواجهنا فى كلّ مكان ، إنّها قضية هامة جدّا فى مرحلة الإنتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية " ( تقرير برنامج الحزب للمؤتمر الثامن) . ولم يقتصر لينين على الحديث عن الإختصاصيين بل تحدث كذلك عن الرأسماليين المحليين والخارجيين ولم ينف البتة التعامل معهم فى فترة معينة إن أملت الظروف ذلك كما لم يرفض تقديم تنازلات ، ومهما كانت هذه التنازلات فلا خوف على الإقتصاد الإشتراكي طالما تكون دكتاتورية البروليتاريا فى السلطة .
فكيف تصرّف حزب العمل الألباني إزاء هذه النواقص الموضوعية؟ لقد إستغلها و حاول تشويهها وتقديمها كتهادن مزعوم من قبل الحزب الشيوعي الصيني ولم يقف عند هذا الحدّ فتجرّأ على رفض كل ما كان قد إعترف به الرفيق ستالين فى "كتاب الإقتصاد السياسي" وبالتحديد فى الفصل المتعلّق بالبناء الإشتراكي فى الصين. لقد أقرّ "كتاب الإقتصاد السياسي" أنّ القطاع الإشتراكي فى الصين ينمو ويتعزّز بسرعة، فبعد أن كان الإنتاج الصناعي المتأتى من مؤسسات الدولة يبلغ 34 بالمائة سنة 1949 أصبح يعادل نسبة 59 بالمائة سنة 1954 . بيد أن إنتاج المؤسسات الخاصة قد تقلّص وإنحدر إلى 24،9 بالمائة بعد أن كان يمثّل 63 بالمائة سنة 1949 ، تسيطر الدولة على معظم التجارة ،فهي تتحكّم فى أكثر من 99 بالمائة من عمليات التصدير والتوريد كما تتحكم فى البنوك بنسبة تفوق 90 بالمائة ،ويؤكّد الكتاب على أنّه قد وقع بناء أسس الصناعة الثقيلة منذ المخطّط الأوّل. فقد خصص أكثر من 89 بالمائة للصناعة الثقيلة من مجموع ميزانية سنة 1955 ( إنظر " كتاب الإقتصاد السياسي"، فصل "طريق التصنيع الإشتراكي فى الصين" ص 659-661 ).
فماذا كان موقف حزب العمل الألباني من هذه الحقائق ؟ لقد تجاهلها و تجاهل كلّ الإنجازات الضخمة التى حققها الحزب الشيوعي الصيني فى مجال الصناعة وإدعى بالضبط كما فعلت التحريفية الروسية أن الحزب الشيوعي الصيني لم يبن صناعة ثقيلة ولم يعترف بالدور الرئيسي لهذه الصناعة بيد أن واقع الصين الإشتراكي يفنّد هذه الإدعاءات التى إرتكزت على بعض التصريحات بعد أن جرّدتها من محتواها وعزلتها عن واقعها التاريخي لتستنتج أنه لم يقع الإعتماد على الصناعة الثقيلة ولا على الطبقة العاملة، ويوجد من بين هذه التصريحات المقولة الشهيرة المتمثّلة فى شعار " الفلاحة هي القاعدة والصناعة هي العامل المحدّد" . وإعتبر بعض الدغمائيين وعلى رأسهم حزب العمل الألباني أن مثل هذه المقولة حياد واضح عن المبادئ و تناسوا أولا التجارب السابقة ، ثانيا، واقع الصين الملموس ، وثالثا موقف الحزب الشيوعي الصيني الرسمي من الصناعة الثقيلة . إذ لا يوجد فى تراث هذا الحزب نفي لدور الصناعة الثقيلة وحتى فى "العلاقات العشر" التى فيها دونما شكّ أخطاء مثل الإعتراف بالأحزاب فقد أقرّ الحزب الشيوعي الصيني " أن الصناعة الثقيلة هي مركز الثقل فى بناء بلادنا . يجب إعطاء الأولوية لتطوير إنتاج وسائل الإنتاج وهذا أمر مقرّر ، غير أنه لا يصح أبدا أن تهمل إنتاج المواد الإستهلاكية وخاصة الحبوب الغذائية" (ص 19). ويوجد فى نفس الفصل الأوّل " أن المسألة التى تواجهها فى الوقت الحاضر هي مواصلة إدخال تعديلات مناسبة على النسبة بين إستثمارات الصناعة الثقيلة وإستثمرات الزراعة والصناعة الخفيفة بغية زيادة تطوير الزراعة والصناعة الخفيفة. وهل ذلك يعنى أن الصناعة الثقيلة لم تعد أساسية؟ إنها ستظلّ أساسية وتظلّ مركز الثقل لإستثماراتنا إلاّ أن نسبة الإستثمارات المخصصة للزراعة والصناعة الخفيفة لا بدّ من زيادتها قليلا. "
لقد طرح إذن الحزب الشيوعي الصيني هذه التعديلات لا إنطلاقا من مبدأ نسف أهمية الصناعة الثقيلة بل بعد أن وقع إرساء هذه الصناعة فى جوهرها. فقد تحقق سنة 1958 ألف مشروع من مشاريع الصناعة المنجمية فى حين كان قد تحقّق خلال الخطّة الخماسية الأولى 535 مشروعا فقط. كما كان قد خصص سنة 1958 أي السنة الأولى من الخطّة الخماسية الثانية كان قد خصّص 10 بالمائة من موارد الإستثمارات للزراعة و 60 بالمائة للصناعة الثقيلة ( ص 47 ، هان سون " اليوم الأوّل للعالم") .
ولم تحد هذه التعديلات عن المبادئ العامة بل إنها أبرزت قدرة الحزب الشيوعي الصيني على مدى تطبيقه الخلاق للمبادئ حسب الوضع الملموس وعدم التهرّب من النقد الذاتي و من مراجعة بعض الإختيارات إذ إتضح خطؤها" لأنه يجب أن تؤخذ بعين الإعتبار الخصوصيات الوطنية فى بناء الصناعة بما فى ذلك الظروف الطبيعية و الفرص الإقتصادية من أجل تطوير هذه أو تلك من الصناعات" ( "كتاب الإقتصاد السياسي"). كما لم يخف الحزب الشيوعي الصيني هذا الإختيار على الجماهير ولم يغالطها بل دعا الطبقة العاملة و الجماهير عموما إلى المشاركة الفعلية فى النهوض بالإقتصاد و طرح شعار "الإعتماد على القوى الذاتية" خاصة بعد القطيعة مع التحريفية الروسية التى سحبت كل الإختصاصيين وأبطلت كلّ المشاريع المزمع إنشاؤها. و تجاوبت الجماهير مع شعار الإعتماد على النفس فتفجّرت الطاقات و بالرغم من الصعوبات الإقتصادية الناتجة عن إبطال الإعانات "السوفياتية" فقد تمكنت الطبقة العاملة من صنع قطاع الغيار التى لم تكن بالطبع على مستوى عال من التقنية لكنها سمحت للمعامل بمواصلة الإنتاج وصمدت أمام الضغط التحريفي "ووقفت على ساقيها".
كما كانت هذه التعديلات نتيجة لتقييم التجربة الصينية رغم حداثة عهدها و خلاصة لدروس التجربة السوفياتية نفسها و لم تنف هذه المراجعة للإختيارات ضرورة مواصلة دعم الصناعة الثقيلة ، وقد قال ماو ما يلى : " يجب أن نبني عدد معينا من المؤسسات العصرية الكبرى لإعطاء الصناعة طابع العمود الفقري الذى بدونه يستحيل تحويل بلادنا إلى قوة صناعية عصرية. ولكن بالنسبة لأغلب المؤسسات صغيرة ومتوسطة الحجم بإستمرار"( أخبار بيكين).
لم ينف الحزب الشيوعي الصيني إذن مبدأ صناعة ثقيلة و لم يشكّك فى هذا المبدأ بل صرّح أنه بدون صناعة ثقيلة لا يمكن الحديث عن إستقلال البلاد و مناعتها لأنها الصناعة الوحيدة القادرة على توفير وسائل الإنتاج بالإعتماد على النفس بغية حماية البلاد من الأطماع الإمبريالية كما تعمل الصناعة الثقيلة على تعصير الزراعة و تطوير سياسة دفاعية صحيحة وتوفّر من جهة أخرى الظروف الملائمة لعلاقات الإنتاج الإشتراكية و تغذّى صفوف الطبقة العاملة عدديا وسياسيا. ولذلك فلم يتخلّ الحزب الشيوعي الصيني عن بناء هذه الصناعة وشرع منذ 1949 فى تأميم الصناعات الكبرى و إنجاز المشاريع الضخمة و يدلّ التطوّر العددي للبروليتاريا على ذلك إذ بلغ هذا العدد 24 مليون سنة 1958 بعد أن كان 3 ملايين سنة 1949. ثمّ أتت القطيعة مع التحريفية لتثبت أن الحزب الشيوعي الصيني لم يتمكّن فقط من الوقوف على رجليه رغم سحب كلّ الإعانات الروسية و محاولات التخريب الداخلية بل إنه إستطاع فيما بعد تقديم إعانات إلى ألبانيا نفسها.
لقد طمس حزب العمل الألباني كلّ هذه المعطيات و إلتجأ إلى خلط الأوراق والإعتماد على بعض التصريحات غير الرسمية فى غالب الأحيان أو على أطروحات التحريفية الصينية المرتكزة على فترة الديمقراطية الشعبية و المتسترة وراء المجلّد 5 المزعوم فرفض بالضبط كما فعلت عصابة تينغ و هواو رفض التفريق بين الديمقراطية الشعبية و بين كلّ الإنجازات التى أتى بها البناء الإشتراكي و الثورة الثقافية و إدعى على هذا الأساس أنّ الإشتراكية لم تبن فى الصين بالرغم من إعترافه بذلك من قبل و بالرغم من الإعانات الهائلة التى كان يتلقاها من الحزب الشيوعي الصيني . و إكتفى بترديد تهم مجانية لا علاقة لها بالواقع الإشتراكي فى الصين ، كتهمة تطوير الزراعة على حساب الصناعة و الإعتماد على الصناعة الخفيفة عوضا عن الصناعة الثقيلة و هلمجرا. و قد وقع دحض هذه التهم بتبيان أن الحزب الشيوعي الصيني لم يطرح التفكير فى تعديل نسب الإستثمارات إلاّ بعد أن وقع بناء الصناعة الثقيلة لا قبل ذلك كما أنه لم يتجه رئيسيا نحو الريف أي نحو الفلاحين إلاّ بعد أن وقعت عملية الإنصهار فى الطبقة العاملة و فرز العناصر الطلائعية.
إن الإعتماد على الصناعة الثقيلة كركيزة البناء الإشتراكي لا ينفى البتة الإعتناء بالصناعات الخفيفة و المتوسطة التى يجب إحكام توزيعها لمكننة الريف و الخروج به من التخلّف و التذيّل الدائم إلى المدينة. وقد ساهمت هذه المعامل رغم صغر حجمها بقسط وافر فى الإنتاج الصناعي ، حيث تشير الإحصائيات الموجودة إلى أن مصانع الصناعات الخفيفة تتميّز على وجه العموم بسرعة البناء و سرعة العائد بحيث يمكن لمصنع واحد خلال 4 سنوات بعد دخوله كليا طور الإنتاج أن يحصل على عائدات تكفى لبناء 3 مصانع جديدة أو مصنعين أو نصف مصنع على الأقلّ و ذلك إلى جانب تغطية تكاليف بناء المصنع بالذات. فلماذا لا نعمل هذا العمل النافع؟ " (" أخبار بيكين "، و يمكن طرح نفس السؤال على أولئك الذين يريدون تجاوز الواقع و التراجع حتى فيما كانوا قد إعترفوا به سابقا إذ يوجد فى"كتاب الإقتصاد السياسي" و حتى فى تاريخ حزب العمل نفسه ما يدعم ضرورة الإعتناء بالصناعة الخفيفة بدون أن يعتبر ذلك إنحرافا عن المبادئ: " لقد أولى الحزب بدون إهمال تطور الصناعة الثقيلة أولى أهمية كبرى لتطوير الصناعة الخفيفة بغية تنمية إنتاج مواد الإستهلاك اليومي" ص 407 ثم 417 من "تاريخ حزب العمل الألباني").
فى ميدان الزراعة :
إن الحديث عن الإشتراكية لا يعنى فقط تطوير البلاد بل أيضا تطوير الزراعة و نظرا إلى الوضع فى الريف "فإن هذا التحول يتم بتحوّل تدريجي من الأشكال البسيطة و البدائية للتعاضد إلى الكولكوز و يجب أن يتم إنضمام الفلاح إلى التعاضد بصفة تلقائية. و يمثّل شكل التعاون الطريق الوحيد فى التوفيق بين المصالح الفردية للفلاحين و بين مصالح الدولة كما أنه الطريق الوحيد لتشريك جماهير الفلاحين فى بناء الإشتراكية تحت قيادة الطبقة العاملة" ( "كتاب الإقتصاد السياسي" ص 383). بيد أن هذا التحوّل لا يمكن أن يتمّ دائما حسب الرغبات الذاتية بل سينجرّ عنه حتما مقاومة البرجوازية و سيحتدّ الصراع ضدّها و هذا ما حدث فى الإتحاد السوفياتي إبتداءا من سنة 1928 عندما دخل الكولاك فى عمليات التخريب و الإرهاب بغية إفشال سياسة التعاون المشترك. و هذا ما حدث فى الصين و ما يحدث عامة فى كلّ مرّة تعمل دكتاتورية الطبقة العاملة على تضييق الخناق على العناصر البرجوازية أو العناصر السائرة فى الطريق الرأسمالي. و من الضروري فى هذا الإطار تذكير البعض و لو بإيجاز بالوضع السائد فى الريف الصيني و بسياسة الحزب الشيوعي الصيني الذى بعد تطبيق الإصلاح الزراعي شرع فى توجيه الريف نحو تبنى الإشتراكية لضرب كل العناصر المنادية بحرمة الملكية الفردية تحت شعار الحريات الأربعة ( حرية كراء و بيع الأرض ، حرية الربا ، حرية التشغيل و حرية التجارة) و قد تعدّدت التنظيرات الرأسمالية مثل "المكننة أوّلا و التعاضديات ثانيا" و حاول منظرو البرجوازية من خلال هذه الشعارات التصدى بكلّ عنف إلى أبسط أشكال التعاون لكن الحزب الشيوعي الصيني تمكن من دحض كلّ هذه الأطروحات البرجوازية و لم يتهادن معها كما يدّعي حزب العمل الألباني بل إتجه بعد الإصلاح الزراعي إلى تحويل الملكية الفردية إلى ملكية جماعية و إلى بعث نقاط تموين و بيع بغية مركزة عمليات التبادل و ضرب التجارة الفردية و التصدى للسوق السوداء إذ لم يعد بإمكان التجار إقتناء البضائع من الفلاحين مباشرة بل من الدولة و بأسعار مقننة. وقد أدّى هذا الإجراء إلى تحوير طفيف للبنية الطبقية فى الريف على حساب الأغنياء كما عجّل عملية الإنتماء إلى كلّ أشكال التعاونيات.



السنة النسبة القومية للعائلات المشاركة فى حركة التعاضد نسبة العائلات المنتظمة فى التعاضديات الزراعية—الجملة نسبة العائلات المنتظمة فى التعاضديات الزراعية--الصنف الأعلى نسبة العائلات المنتظمة فى التعاضديات الزراعية –الصنف الأسفل نسبة العائلات المنتظمة فى جمعيات التعاون للإنتاج +
1950
1951
1952
1953
1954
1955
1956 10.70%
19.20
40.00
39.50
60.30
64.90
96.30

0.1
0.2
2.0
14.2
96.3%





87.8%

0.1
0.2
2.0
14.2
8.5% 10.70 %
19.20
39.90
39.30
58.30
50.70
"السياسة الريفية فى الصين" ص 94.
يؤكد الجدول المذكور أعلاه أن نسبة الإنضمام إلى أشكال التعاون المتبادل تتزايد من عام إلى آخر و يرجع ذلك إلى إقتناع الفلاحين بضرورة العمل الجماعي . و قد حصل هذا الإقتناع من خلال التجربة المباشرة حيث وقع التثبت من أن تعاضديات الإنتاج متفوّقة بكثير على الإقتصاد الفردي و حتى على جمعيات التعاون المتبادل نفسها أي الشكل الأوّل للتعاضد . و يرجع هذا التفوق إلى تنظيم العمل و الإدارة الجماعية لوسائل الإنتاج بينما الوضع فى جمعيات التعاون المتبادل للإنتاج يختلف تماما إذ مازال التناقض قائما بين العمل الجماعي من جهة و بين الإشراف المبعثر و التذبذب فى التنظيم .
و لم تقف عملية دفع الفلاحين إلى تبنّى الإشتراكية عند التعاضديات بل وقع الإرتقاء بها كلما برز تفاوت بين القوى المنتجة و علاقات الإنتاج و تولّد عن هذا التطور بروز التعاضديات شبه الإشتراكية التى بدورها تحمل بعض التناقضات إذ لم تقض نهائيا على "الملكية الفردية " لوسائل الإنتاج حيث كان الفلاح "الغني" يعتمد على أرضه و يعمل أقلّ من الآخرين لأنه سوف يتحصّل على بعض المكافآت بما أنه دخل التعاضد برأس مال كبير نسبيا ، أمّا الفلاح الفقير فلا يمكن له الإعتماد إلاّ على قوّة عمله.
ثمّ وقع تجاوز هذا الوضع مع تطوّر الوعي و تكثيف التثقيف و خاصة نضال الحزب الشيوعي الصيني الدائم ضد "الحق البرجوازي" فوقع حسم التناقضات لفائدة دكتاتورية البروليتاريا بالإرتقاء إلى التعاضديات الإشتراكية فأصبح الأجر يتحدّد حسب العمل فقط بدون إضافة النسبة المتأتية من حجم وسائل الإنتاج. و هكذا فقد تحرّرت القوى المنتجة و أجبر الفلاح المتوسط (الغني) أو كل من كان يملك وسائل إنتاج خاصة أجبر على العمل ككل الآخرين ، فتطور الإنتاج و تعدّدت الآفاق و توّج الإنتصار فى الريف بتحوّل معظم التعاونيات إلى تعاضديات إشتراكية بدون المرور بالتعاضديات من الصنف الأسفل.و قد فتح هذا التحوّل آفاقا عريضة فإتجهت الجماهير إلى تبديل وجه الأرض وحوّلت مجرى الوديان و بنيت السدود و أصبحت الجبال سهولا فإرتفعت الإنتاجية و تراكم المخزون و تطورت أدوات الإنتاج و إهتمّ الجميع بتعصير الزراعة.
و لم يحصل هذا التحول بالسهولة التى يمكن أن يتصوّرها البعض بل إبتداء من سنة 1957 برز تيار معاد للإشتراكية على الصعيد العالمي و كانت له بالطبع كلّ الإنعكاسات فى المدن الصينية حيث تصدّت العناصر البرجوازية لهذا التحوّل ودخلت فى عمليات التخريب سواء بالنداء إلى الرجوع إلى الملكية الفردية أو بتشجيع بعض العائلات على مغادرة التعاضديات. و لم يسكت الحزب الشيوعي الصيني أمام هذا "التململ" و أمام تيار الثورة المضادة و لم يفتعل هذا الصراع بل شنّ حملة واسعة طوال شتاء 1957 و ربيع 1958 ضد الإتجاه الرأسمالي و كان الصراع الفعلي يدور بين الفلاحين الفقراء الذين يمثلون الأغلبية فى الريف و بين الفلاحين المتوسطين و المدفوعين من قبل الأغنياء. و لم يكن هذا الصراع يدور بين كتل رجعية كما يدعى البعض بل كان صراعا ضدّ البرجوازية فى المدينة و الريف. ووقف الحزب الشيوعي الصيني مرّة أخرى إلى جانب الطبقة العاملة و الفلاحين الفقراء و لم يكتف بفضح هذه المحاولات اليائسة بل أعلن بكلّ شجاعة عن بناء الكمونات الشعبية للتقدّم أكثر فأكثر نحو الإشتراكية سنة 1958 أي فترة الوثبة الكبرى . و كان هدف الكمونات يتمثّل فى تحقيق وحدة الصناعة و الفلاحة و فى تطوير العمل الإشتراكي و ذلك بالإشراف لا على جهة فقط بل على مناطق شاسعة تضمّ ما بين ألف و ألفي عائلة. و تراقب الكمونات كلّ الأنشطة الإقتصادية و الثقافية ...
و يبيّن الجدول الآتى مدى تعلّق الجماهير بالكمونات و مدى حرص الحزب الشيوعي الصيني على دفع هذه العملية إلى الأمام.
نهاية كانون الأوّل 1958 منتصف أيلول 1958 نهاية آب 1958
26.578 26.425 8730 عدد الكمونات الشعبية.
123.250 121.940 37.780 عدد العائلات فى الكمونات الشعبية (بالآلاف).
99.1 % 98 % 30.4 % نسبة العائلات الفلاحية فى الكمونات بالنسبة للعدد الجملي للعائلات.
4637 4614 4328 معدّل العائلات فى كلّ كمونة.
(نفس المصدر – ص160)
يبيّن هذا الجدول مدى تطوّر زحف الكمونات الذى عرف بالطبع صعوبات ، هذه الصعوبات التى إستغلّها حزب العمل الألباني ليضرب : أوّلا مفهوم الوثبة الكبرى ، و ثانيا كلّ الإنجازات الإشتراكية. فإدعى أن الوثبة الكبرى مفهوم غير جدلي و أن تطوّر و تحوّل شيئ ما لا يمكن أن يتخذ شكل الوثبة فى ظروف معينة . فوجد نفسه إلى جانب كلّ العناصر البرجوازية الصينية التى عارضت هذه الوثبة آنذاك و تستّرت وراء نظريات تحريفية سبق لستالين أن حاربها فى "المشاكل الإقتصادية للإشتراكية فى الإتحاد السوفياتي" و إختلقت هذه العناصر التحريفية بدعة" ريح الشيوعية" و إدّعت أنه من الضروري القضاء على التبادل برفضها للدور الإيجابي الذى تلعبه البضاعة و النقد و الأسعار. كما خلطت هذه العناصر عن وعي بين الملكية الجماعية و ملكية الشعب كله و بالتالى بين الإشتراكية و الشيوعية و رفعت هذه العناصر شعار المساواة المطلقة و التوزيع المجاني بغية ضرب الكمونات و الوقوف دون تطوّر الإشتراكية و تقريب المدينة بالريف و لم يقف هذا الصراع إلى حدّ سنة 1958 بل برز من جديد سنة 1960-1962 عند إحتداد الصراع مع التحريفية ،إغتنمت هذه العناصر الفرصة لبثّ سمومها من جديد و لكنّها لم تتمكّن من ضرب تقدم البناء الإشتراكي رغم محاولاتها المتعدّدة.
لقد إستكلبت البرجوازية المتحضرة أمام زحف الكمونات الذى يمثّل نتاجا طبيعيا للصراع الطبقي و إنتصارا واضحا لخطّ دكتاتورية البروليتاريا من أجل بناء الإشتراكية حيث تحمل الكمونات التى ما زالت تعتمد على الملكية الجماعية جنين ملكية الشعب كله و تحاول بإطراد تحويل الفرق أو التعاضديات شبه الإشتراكية إلى إشتراكية بحتة .
بيد انّ حزب العمل الألباني رفض هذا الصراع كصراع طبقي فى ظلّ الإشتراكية بعد أن كان قد إعترف به سابقا و لمدّة 20 سنة تقريبا و إلتجأ إلى نفس الحجج التحريفية تقريبا التى إدعت أن البناء الإشتراكي فى الصين لم يحترم : أوّلا المبادئ العامة لأنه إعتمد أساسا على المقولة التالية : " تعتبر الزراعة أساس الإقتصاد الوطني ،أمّا الصناعة فهي قوّته القائدة"( ص 327 "نقد المفاهيم النظرية لماو") ثانيا ، لم يطبق التخطيط المحكم ، فسادت الفوضى فى إدارة المؤسسات خاصة فى فترة الثورة الثقافية . ثالثا ، لم تعمل "الصين" على مكننة الزراعة التى بقيت فى مستوى منخفض للغاية و هلمجرا...
و يفنّد واقع الصين الإشتراكي كلّ هذه التهم لأنه فضلا عمّا وقع ذكره سابقا فإن الحزب الشيوعي الصيني توخى تخطيطا غير فوقي و غير بيروقراطي بل شرّك الجماهير و كلّ السلطات المحلّية فى رسم هذا التخطيط إنطلاقا من واقعهم الملموس و بالرغم من عمليات التخريب، هذه العمليات التى واجهتها التجربة السوفياتية من قبل و التى تعرض لها الرفيق ستالين فى المؤتمر التاسع عشر و خصّص جزءا لا بأس به لنقد كلّ التجاوزات البيروقراطية الخطيرة و عمليات التخريب و تحويل الأموال إلخ...فبالرغم من كلّ ذلك تمكنت البروليتاريا من دعم صفوفها و لو ظرفيا و من فضح الإتجاه الرأسمالي من خلال حملات تثقيف واسعة تمحورت حول مفهوم "الحق البرجوازي" و كيفية التقليص من الفوارق ( أنظر "نقد برنامج غوتا" ).
و تندرج سياسة الأجور فى هذا الإطار إذ رغم الإقتناع بضرورة الفوارق و بالنواقص الموضوعية عمل الحزب الشيوعي الصيني على التقليص من حدّتها بإتباع سياسة أجور صحيحة فكان مع الأجر الذى يحتوى على 8 درجات يحدّد حسب مقاييس معينة بعد نقاش جماعي مع الإشارة إلى أن العامل الموجود فى أعلى السلّم يتقاضى أكثر من مدير المؤسسة كما يحرم الكوادر و الإداريين من كل مكافأة بينما يتمتّع أغلب العمال من 70% إلى 80 % بهذه المكافآت التى يقع إسنادها حسب مقاييس معينة كذلك و بمشاركة جميع العمّال،و لا تتجاوز هذه المكافأة 6 % أو 10 % من الأجر الشهري.
لقد تنكّر حزب العمل الألباني و على رأسه أنور خوجة لهذا البناء الإشتراكي كما تنكّر لكلّ ما تحقّق على مستوى البنية الفوقية ( قوانين الفنّ و دعم الواقعية الإشتراكية ،إحياء و ترويج الكتابات الماركسية-اللينينية إلخ...).
و طوّر مقابل ذلك ، بالإعتماد على الصراعات المذكورة و على بعض الأخطاء ، طوّر نظرة دغمائية قدّم من خلالها المجتمع الإشتراكي كمجتمع لا يحكمه تناقض رئيسي أو حتى إذ إعترف ببعض التناقضات الموضوعية التى يمكن أن تبرز فهي تحسم حتما لفائدة البروليتاريا.
فكيف يمكن لحزب يدعى نفسه حزبا ماركسيا- لينينيا أن تختلط عليه الأمور لمدّة سنين إلى حدّ إستحالة طبيعة الحزب الشيوعي الصيني ؟ و كيف لم يكن بإمكان حزب العمل الألباني التفريق على إمتداد 27 سنة تقريبا بين المجتمع الإشتراكي و المجتمع الرأسمالي؟ فهل وقعت مغالطته بالفعل طوال المدّة المذكورة كما يدّعى أم أنّه تجاهل أبسط مبادئ المادية الجدلية فى تقييم الوضع فى الصين؟
إنّ الجواب واضح رغم التزوير الذى إعتمده حزب العمل الألباني ، إنّه حاول تغطية إنحرافه و تبريره بالإرتكاز على :
1- بعض الأخطاء بدون وضعها فى إطار الصراع الطبقي آنذاك.
2- بتشويه الخطّ الرسمي للحزب الشيوعي الصيني و إفراغ المقولات من محتواها و عزلها عن واقعها.
3- بطمس واقع الصين الإشتراكي مما أدّى به إلى خلط كامل بين الديمقراطية الشعبية و بين الإشتراكية من جهة و الشيوعية من جهة أخرى. كما أنه تناسى خصائص و طبيعة المجتمع الرأسمالي إذ إدّعى أن الصين مجتمع رأسمالي بحت ، بيد أنه لم يقدم أي دليل على أن المجتمع الصيني كان يعانى من البطالة و التضخّم و إستغلال الإنسان للإنسان، كما لم يثبت أن ملكية وسائل الإنتاج كانت بيد البرجوازية إلخ... بل إكتفى بإتهام الحزب الشيوعي الصيني ب "التهاون" مع البرجوازية و السماح لها ببعض الإمتيازات بدون أن يذكر طبيعة هذه الإمتيازات و حجمها و بدون أن يذكر أن هذه المكافآت قد وقع القضاء عليها فى فترة الثورة الثقافية و حتى فى حالة قبول منطق خوجة فهذا لا يعنى البتّة أن المجتمع الصيني مجتمع رأسمالي طالما تبقى وسائل الإنتاج ملك للدولة ، ملك الكمونات أي طالما تبقى دكتاتورية البروليتاريا فى السلطة ( إنظر" السياسة الإقتصادية الجديدة").
لقد عرفت الحركة الماركسية-اللينينية مثل هذه الإنحرافات اليسراوية التى غالبا ما تبرز إثر هجمة يمينية و قد سلك خوجة نفس السلوك عند صعود الطغمة التحريفية فى الصين فعوض طرح جوهر المشكل و فهم الأسباب العميقة للردّة أسرع إلى مراجعة مذكراته وإلى إنتقاء كلّ الإحترازات و إكتفى بهذه الجزئيات فقدم "تحليلا" وحيد الجانب.
و تجنّب طرح نقطة الصراع الحقيقية أي مفهوم الصراع الطبقي فى ظلّ الإشتراكية و جذوره الإقتصادية العميقة و لم يتعظ بدروس التجارب السابقة بل إنه تنكر لتجربة حزبه ،فهو بالتالى لم ينسف البناء الإشتراكي فى الصين فقط بل إنه نفى كلّ التجارب السابقة التى عرفت نفس الصراعات.
------------------------
المراجع :
- "الإتحاد السوفياتي –الإنحلال- من الإشتراكية إلى الإمبريالية الإشتراكية"(نشر 100)
- "الإقتصاد الريفي فى الصين" ( نشر 100 )
- كتاب الإقتصاد السياسي –الجزء الثاني (956 )
- "المشاكل الإقتصادية للإشتراكية فى الإتحاد السوفياتي "- ستالين- طبعة بيكين
- أخبار بيكين عدد47 سنة 1974، ص 22.
- "المادية الجدلية و المادية التاريخية" ( نشر 100)
- "تاريخ حزب العمل الألباني"
- "بناء الإشتراكية فى الصين" –باتلهايم (مسبيرو)
ملاحظة : كلّ المراجع باللغة الفرنسية .


Commenter cet article