حول اشكل النضال والتنظيم في أشباه المستعمرات

Publié le par mohmedalimawi

حول اشكل النضال والتنظيم في أشباه المستعمرات
مقدمة
لا يمكن تناول أشكال النضال بصورة مطلقة وإصدار الأحكام المطلقة أو الخروج باستنتاجات تقنن هذا الشكل أو ذاك وتجعل منه وصفة صالحة لكل زمان ومكان. لذلك لا يمكن القول إن هذا الشكل أفضل من الآخر أو إن هذا الشكل إصلاحي مطلقا والآخر ثوري مطلقا فالنعوت المطلقة تنم في الغالب عن فهم جامد ومثالي لأشكال النضال والتنظيم. فالسرية مثلا لاتعني بالضرورة شكلا ثوريا فالأحزاب الرجعية في ظروف معينة تجبر على النشاط في السرية في مجالات معينة حتى وإن كانت هذه الأحزاب في موقع قوة أو في السلطة كما أن الكفاح المسلح أرقى أشكال الصراع الطبقي لا يعني بالضرورة انه شكل ثوري بغض النظر عن من يخوض هذا الكفاح وبمعزل عن الأهداف والمضمون فطالبان في أفغانستان يمارسون الكفاح المسلح بمنطلقات رجعية وفق برامج تهدف إلى إبقاء الشعب متخلفا يرزح تحت النير الامبريالي والاستغلال الإقطاعي والكمبرادوري . وفي المقابل ليس كل من يختار القانونية انه بالضرورة إصلاحي فقد التجأت الحركات الثورية في ظروف معينة إلى القبول بالقانون الرجعي في حدود بهدف دفع الحركة الشعبية إلى الأمام على طريق التحرر لا على أساس تربية الجماهير على أن تظل سجينة القانون في انتظار تطويره كما تقول التيارات الانتهازية.
إن المحدد في أشكال النضال هو مدى مساهمتها في دفع الحركة الشعبية والارتقاء بوعيها وبتجربتها خدمة للأهداف الثورية فإن كان الشكل يقرب ساعة الخلاص ويتماشى والأهداف التكتيكية والإستراتيجية المحددة ويراعي استعدادات الجماهير بعد تحليل مادي جدلي للأوضاع فهو شكل ثوري. ويعكس الشكل الثوري بالضرورة موازين قوى معينة تحكم فى فترة محددة واقع الحركة الشعبية وواقع القوى الشيوعية والوطنية الديمقراطية من جهة ومدى تماسك الطبقات الحاكمة من جهة ثانية. وفي هذا الإطار تمثل العريضة الشكل الأدنى مقابل الكفاح المسلح الشكل الأرقى كما يمكن اعتبار بعض الأشكال أشكالا دفاعية بالأساس ،على غرار إضراب الجوع ،وأخرى هجومية علما وأن الكفاح المسلح نفسه فى حرب الشعب طويلة الأمد مثلا يمر بمرحلة دفاعية في البداية وهجومية في المرحلة الأخيرة التالية لمرحلة التوازن الإستراتيجي .
وبإيجاز وقبل تناول الوضع وما يتطلبه من أشكال نضال وتنظيم ، لا بد من التأكيد على ضرورة تجاوز المعادلات الميكانيكية والأفكار المسبقة وترديد قوالب جامدة مثل السرية تعني الانعزال عن الجماهير والقانونية تضمن الارتباط بالجماهير الخ...كما أنه لا بد من التذكير بأن الوضع فى كل فترة معينة يطرح دوما شكلا رئيسيا وأساسيا وأشكالا ثانوية لدفع عجلة التاريخ إلى الأمام وتظل أشكال النضال دوما مترابطة ومتشابكة تخضع في غالب الأحيان إلى إحكام المزج بينها أو حتى اعتماد العديد من الأشكال في نفس الوقت كما هو الحال في النيبال حاليا. إذ أن اعتماد شكل أساسي لا يعني البتة إهمال الأشكال الأخرى الثانوية بل لا بد من تربية الجماهير على حسن المزج وعدم التفريط في أي شكل يسمح للشيوعيين وحلفائهم عموما بتعبئة الكادحين وبخوض معارك فعلية ضد الطبقات الحاكمة.
الطابع السياسي العام لأشباه المستعمرات
إن السلطة في هذه البلدان سلطة لاوطنية مرتبطة عضويا بالنظام الامبريالي العالمي وهي تخدم أساسا مصالحه وتطبق سياساته التي يقع التخطيط لها من قبل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي اللذان يسهران على رعاية مصالح الاحتكارات أولا وقبل كل شيء. وفى مرحلة العولمة الرأسمالية /الإمبريالية أصبحت المؤسسات الإمبريالية تتمتع بكل الامتيازات بما فيها التواجد ماديا على عين المكان حتى في شكل قواعد عسكرية إن تطلب الأمر ذلك.ومن أجل فرض سياسات العولمة تلجأ الطبقات الحاكمة المحلية من كمبرادور وإقطاع إلى اعتماد العسكرة والبولسة كشكل أساسي في مواجهة تحركات الشعب وتطلعاته. وبإيعاز من أسيادها الامبرياليين وتطبيقا لنصائحهم تحاول تغطية ذلك بقناع إحترام دعائم" المجتمع المدني" والظهور بمظهر دولة القانون والمؤسسات من اجل المغالطة وتمييع عملية الصراع الطبقي وبلوغ الوفاق الاجتماعي والإاستقرار السياسي خدمة لمصالح الامبرياليين وحلفائهم المحليين : البرجوازية الكمبرادورية/بيروقراطية والإقطاع .
وتتحول أغلب المعارضات الكرتونية العاملة فى إطار النظام وليست خارجة عنه إلى أطراف إجتماعية تساهم أساسا في إدارة أزمة العولمة وأنسنة الإضطهاد والإستغلال فتساهم عندئذ في تحويل وجهة الصراع الطبقي ووضع الشعب أمام خيارين لا ثالث لهما أما السلطة القائمة أو البديل الذي يقع إعداده إمبرياليا في صورة فشل السلطة الحاكمة في فرض السلم الإجتماعية لصالح نظام الاستعمار الجديد وحلفاءه المحليين . وعلى سبيل الذكر ،تفرض العولمة على الشعب في أفغانستان إما تزكية العميل كرضاي أو التعاطف مع طالبان وفي كلتا الحالتين البقاء تحت الهيمنة الاستعمارية والتخلف الإقطاعي. كما ان الوضع في فلسطين يفرض على الجماهير اما اختيار عباس او حماس في حين ان تحرير فلسطين لن تتم لاعن طريق عباس ولا عن طريق حماس.
وبينما تحاول الإمبريالية وعملاؤها حصر الصراع بين القوى الرجعية المتصارعة على كرسي السلطة تكمن المهمة الأساسية للقوى الشيوعية والوطنية الديمقراطية الشعبية في خلق قطب ثالث يطرح الحسم مع الطرفين الرجعيين وإعادة الإعتبار للصراع بين الشعب بقيادة الطبقة العاملة من جهة والامبريالية والعملاء من جهة ثانية وفضح كل القوى الانتهازية التي تسعى لتبييض ساحة العملاء وإضفاء الوطنية عليهم وعلى مؤسساتهم المنصبة والتي يدعون أنها منتخبة بصفة ديمقراطي علما وأن مثل هذه الديمقراطية تتم بحراسة الجيش والبوليس وتستعمل كل أنواع التضييقات والتهديدات والتزوير فضلا عن شراء الضمائر.
وعادة ما تنقسم المعارضة في هذه البلدان إلى معارضة موالية للسلطة بصفة مفضوحة يقع منحها فرصة المشاركة في المؤسسات وسن القوانين فيجرى مثلا تحديد تمثيليتها بنسب معينة بمعزل عن العملية الانتخابية ومعارضة بديلة قانونية أو غير معترف بها قد تتعامل أحيانا مع السلطة أو قد تكون في قطيعة معها وهي تلاقي الدعم من أطراف إمبريالية مختلفة غير راضية كليا على كيفية تسيير الأوضاع وتراهن هذه الأطراف على مثل هذه المعارضات في صورة نهوض الحركة الشعبية وتفجر حركة النضال الوطني الديمقراطي فتستعين بها وتطرح عليها المساهمة في السلطة من اجل إخماد لهيب هذا النضال وإستيعاب غضب الجماهير من خلال إتخاذ بعض الإجراءات وتقديم نوعا من التنازلات الإقتصادية أو السياسية مثلا التي يتم سحبها حالما تهدأ الأوضاع. وإزاء هذه المعارضة التي تعلن إنخراطها في سياسة الإنفتاح/ التداول على السلطة وتلهث وراء المشاركة في المؤسسات اللاوطنية, تطبق السلطة سياسة الترغيب والترهيب فتعمل على محاصرتها وضرب نشاطها وإختراقها من أجل تفكيكها أو على الأقل إضعافها وإبقائها في حالة صراعات دائمة فكرية ومادية على حد السواء.وإن عجزت على ذلك تلصق بها التهم الواهية وتدبر المحاكمات بهدف عرقلة تقدمها.كما أنها تجاملها في وقت الشدة وتستعين بها مباشرة أو بصفة ملتوية لتهدئة الأوضاع.
أما المعارضة غير القانونية والتي ترفض تزكية السياسات اللاوطنية واللاشعبية واللاديمقراطية ولا تنخرط في إنتخابات تكون نتائجها معروفة مسبقا ويتم إعدادها من قبل سلطة عسكرية بوليسية تتحكم كليا في أدق الجزئيات, فتقع مطاردتها ونعتها بالإرهاب والتطرف وتتكاثف جهود السلطة والمعارضات غير الراديكالية باتجاه عزل المعارضة الجذرية وتشويهها من أجل إبعاد الجماهير من حولها ذلك أن الرجعية والإصلاحية تعتبر الفكر الثوري مثل " أسلحة الدمار الشامل" تدرك أن تسرب الوعي الطبقي الثوري إلى الكادحين يجر حتما إلى تصعيد درجة النضال وتجذيره ويتسبب في تأزم واقع الرجعية وفضح الأكاذيب الإصلاحية.وإعتماد خطة القمع أساسا ضد المعارضة الجذرية لا يعني عدم لجوء السلطة إلى المناورة وشق الصفوف وإستمالة العناصر الضعيفة خلال حملات القمع وبعدها.
يثبت الواقع العربي مثلما أثبتت التجارب التاريخية هذا التحليل السياسي العام لطبيعة الأوضاع ويبين بالملموس أن الإمبريالية والرجعية والإصلاحية والانتهازية يعملون على ألا يفكر الشعب العربي ولو لبعض اللحظات في بديل ثالث يؤهله لأخذ مصيره بيده وهكذا يجد الشعب مثلا نفسه مجبرا على الاختيار بين حماس التخلف وعباس الاستسلامي فى فلسطين أو بين الحكومة المنصبة والشيعة-السنة في العراق أو بين العميل مبارك والرجعية الأخوانية في مصر . وينطبق نفس المنطق على جل الأقطار العربية في حين تظل الحركة الشيوعية والوطنية الديمقراطية الشعبية القادرة وحدها على تخليص الشعب من طبقتي الكمبرادور والإقطاع ضعيفة ومهمشة وتظل الجماهير بفعل السيطرة الرجعية والدعم الإمبريالي غارقة في مشاكلها المعيشية اليومية ليس فى مستطاعها لا تحرير الأرض والإنسان ولاتحقيق الحرية والكرامة الوطنية.
أثر ضعف الحركة الشيوعية والوطنية الديمقراطية عامة وغياب الدعم المعنوي بعد إفتكاك البرجوازية الجديدة للسلطة وإعادة تركيز الرأسمالية فى البلدان الاشتراكية وخاصة منها الإتحاد السوفياتي والصين الشعبية ،أثر في العديد من المناضلين والمناضلات الذين تحولوا بفعل الصراع الطبقي والهجمة الإمبريالية الرجعية على الشيوعية وعوامل أخرى إلى عناصر إنتهازية لعبت دورا سلبيا في حبك الدسائس وتنمية عقلية الإنشقاق بهدف تغطية إنهيارها وتبرير تنكرها لمدلول الشيوعية والوطنية والديمقراطية. والى جانب هذه الانقسامات التي أضعفت الحركة الثورية فقد توجهت الأنظمة الحاكمة إلى التحكم في النشاط الجمعياتي وتقليص الهامش الشرعي قدر الإمكان وتكثيف نشاط المليشيات لمراقبة الأحياء ومواقع العمل وفي المقابل شجعت الأنشطة الدينية وبناء المساجد الذي فاق كل التوقعات ومولت دعاة الشعوذة والخرافة وكل أنواع الدجالين لبث روح الإستسلام للقضاء والقدر والخنوع أمام واقع الهيمنة الإستعمارية و الإضطهاد والتخلف.
مع ذلك يظل الوضع الموضوعي في الأقطار العربية سانحا للنضال ومتحركا بإستمرار مدا و جزرا وتظل القوى الإمبريالية متحكمة نسبيا في توجيه وجهة الصراع باتجاه صراعات داخل البدائل الإمبريالية أي صراعات تدور أساسا فيما بين شرائح الطبقات الكمبرادورية والإقطاعية.ولهذه الصراعات دور سلبي على مستوى تطور وعي الحركة الشعبية وتعتبر شكلا من أشكال إدارة أزمة النظام الإستعماري الجديد بما أنها تفضي في الغالب إلى تغيير الوجوه وإرجاع الأمور إلى نصابها بصفة وقتية في إنتظار تفجر الوضع من جديد.
أشكال النضال والتنظيم المعتمدة
إذا نظرنا إلى الأحزاب والتنظيمات الشيوعية الماوية في أشباه المستعمرات وجدنا أنها تعتمد كل الأشكال قانونية وغيرها مع المحافظة على سرية الجهاز التنظيمي الحزبي. ولا يعتبر هذا الاختيار مجانيا أو حبا في السرية بل انه نابع من تحليل ملموس لطبيعة السلطة وشكلها ولواقع الحركة وضرورة ضمان إستمراريتها وتطورها.
إن موازين القوى هي التي تحدد أشكال النضال الإستراتيجية منها والتكتيكية .فإن كانت الأحزاب جماهيرية قادرة على التحرك والفعل التغييري دون تأشيرة الأنظمة الحاكمة فلن يعود هنالك أي معنى لمسالة القانونية بما أن الأنظمة لن تقدر على التصدي لنضالات الجماهير وتجد نفسها أمام خيارين أولهما القمع العسكري وثانيهما التفاوض. وتظل قضية القانونية الحزبية في مثل هذه الحالات غير مطروحة بالمرة فالحزب الشيوعي النيبالي (الماوي) مثلا ليس في حاجة إلى تأشيرة الملك أو المعارضة للقيام بمظاهرة أو باى تحرك كان خاصة وانه تربى منذ البداية على رفض قانونية الحكم الملكي وإفتكاك الحقوق وممارستها وتربت الجماهير على تجاوز هذا القانون الرجعي وعلى تحمل مسؤولية كل ما ينجر عن ذلك من تتبعات التعرض للعنف والمحاكمات .
وتصرفت الأحزاب الشيوعية الماوية الأخرى و لا تزال بنفس الطريقة تقريبا فهي لم تنخرط فيما سمي بلعبة الانتخابات المغشوشة ورفضت ديمقراطية الكمبرادور والإقطاع والإستعمار المشروطة وإنما إعتمدت وبكل وعي وحرية ووفق ما يتطلبه الوضع كل الأشكال النضالية الممكنة بما في ذلك الأشكال القانونية كأشكال ثانوية . وبدون الدخول في تقييم أساليب الأحزاب الشيوعية الماوية حاليا في البيرو والهند والفيليبين وفي تركيا وإيران وأفغانستان إلخ...نستنتج أن هناك شكلان أساسيان: شكل التفاوض وما يسمى بالحوار والقبول بشروط الأنظمة والمشاركة بما تسمح به السلطة في إدارة أزمة النظام الاستعماري الكمبرادوري شبه الإقطاعي والاكتفاء ببعض التعديلات تحت الضغط الشعبي في ظل نظام الاضطهاد مع المزايدة بضرورة التغييركخطاب للإستهلاك العمومي في إنتظار تغير الظروف. إن هذا النهج هو نهج المساومة وركوب التحركات الشعبية وهو اسلوب لايهدف الى افتكاك السلطة السياسية بما انه ينشط دوما في ظلها وهو بالتالي لن يقضي على مجتمع الاضطهاد .وقد إختارت المعارضة الإصلاحية والإنتهازية التي تنكرت لمطالب الشعب وتطلعاته نحو تحرير الأرض والإنسان إختارت هذا النهج الإستسلامي .
أما النهج الثاني فهو نهج الديمقراطية الجديدة الذي يريد التغيير الفعلي ويناضل من أجل مجتمع أفضل تكون فيه الطبقات الشعبية سيدة مصيرها وتعبد الطريق بقيادة الطبقة العاملة للثورة الإشتراكية وللتحول الشيوعي وبما أن الأنظمة الرجعية الحاكمة ترفض طبعا التخلي عن السلطة ، ترد على هذا النهج بالعنف وتعتبره إرهابا فتلاحق المناضلين والمناضلات الناشطين والناشطات حتى في المجالات القانونية وتستعمل العنف الرجعي لإرهاب حتى المتعاطفين مع نهج التغيير الثوري . وبحكم أن العنف الرجعي يولد بالضرورة عنفا شعبيا فإن دور الأحزاب الشيوعية الماوية يكمن في الإعداد الجدي لتطوير تجربة الجماهير في مواجهة العنف الرجعي بالعنف الثوري وفي بلورة بديل السلطة الديمقراطية الشعبية في كل تحرك جماهيري. إن الإقرار بالعنف الثوري كنتيجة حتمية لتطور درجة الصراع الطبقي هو السلوك العلمي الوحيد الذي لا يزيف التاريخ وهو يتناقض طبعا مع السلوك الرجعي والانتهازي الذي يخفي الحقيقة عن الشعب فيسلبه حقه في الدفاع عن نفسه.كما أن الإقرار بالعنف الثوري لا يعني التخلي عن الأشكال الأخرى مثل التفاوض مثلا فقد شاهدنا بوضوح الحزب الشيوعي النيبالي (الماوي) مع تحريره ل80% من الأراضي يتفاوض ويدخل البرلمان ثم يقاطعه ويقبل العودة إليه بشروط معينة تخدم مصلحة الشعب والثورة الديمقراطية الجديدة الخ... وهو ينتهج هذا التكتيك لتعبئة جماهير المدن الكبري ولا سيما العاصمة قصد الإعداد للإنتفاضة الشاملة وإفتكاك السلطة فى البلاد بأسرها . إن تجربة النيبال الحالية تفند مجددا إدعاءات الرجعية والانتهازية التي تشوه الشيوعيين الماويين وتنعتهم بالتطرف والإنعزالية وتثبت للعيان أن الحزب الشيوعي النيبالي أكثر وطنية وديمقراطية وشعبية من الأحزاب الإصلاحية بما انه يريد ويعمل جاهدا على تشريك الشعب بأكمله في تحديد مصيره والقضاء على الإمبريالية والكمبرادور والإقطاع وتشييد مستقبل وضاء وعالم آخر تسوده العدالة الاجتماعية.
إن التعلم من هذه التجارب المعاصرة التي أثبتت نجاحها لا يعني بالضرورة نسخها على الواقع العربي أو القطري لأن الأشكال النضالية الرئيسية والثانوية ،كما أسلفنا تتحدد وفق موازين قوى معينة وحسب حجم القوى المتصارعة فإذا كان القانون لا يسمح بالتحرك الحر ويحجر حرية التنظيم أو يسمح بها وفق الشروط الرجعية بحيث تصبح السلطة هي المستفيدة الأولى من" سياسة الانفتاح" فتبيض وجهها وتزايد بالتعددية مقابل التضييق الدائم على المعارضة القانونية منها وغير القانونية والعمل على تقليص إشعاعها, فإذا كان القانون السائد والمفروض فرضا كذلك وهو بالفعل كذلك في الاقطار العربية فإن الإنخراط في هذا النهج والقبول بالتحزب القانوني إنتهازية تعنى تزكية السياسة الرسمية والإعتراف الصريح بأن المؤسسات التي سيقع المشاركة في إنتخابها مؤسسات وطنية تمثل الشعب بصفة ديمقراطية يمكن دعمها أو نقدها والعمل على تحسين أدائها الخ ولا ينبغى القطع معها .
يرجع ربط خط الحزب بما يسمح به القانون الرجعي بالوبال على طبيعة الحزب وعلى تربية الجماهير ويؤثر سلبا في تثقيف الجماهير حول مفهوم الثورة الديمقراطية الجديدة التى تعبد الطريق للثورة الإشتراكية ومفهوم السلطة الشعبية وكيفية بلوغها. و يفضى التحزب القانوني في ظل ضعف المنظمة الثورية إلى تسليمها بالكامل إلى السلطة ووضعها تحت المراقبة المتواصلة وفق القانون وتقديم قائمة في كل العناصر المنخرطة من المكتب السياسي إلى المكاتب المحلية والأعضاء القاعديين بحيث يمكن للسلطة مراقبة كل التحركات دون عناء وإعداد الملفات للضغط على المنظمة وقت الحاجة وتقييد نشاطاتها إلى حد شلها رافعة دوما راية القانون و ضرورة إحترامه من الجميع.
ولنا العديد من الأمثلة الحية في هذا المضمار حيث تمنع هذه الأحزاب القانونية من الاجتماعات الواسعة ومن حق التظاهر... بل يصل الأمر إلى أن ترفض الرجعية الحاكمة منح التأشيرة القانونية لبعض المنظمات التي أعلنت صراحة الإعتراف "بدولة القانون" وبالمؤسسات" الوطنية" التي تنوي المشاركة فيها. حاليا يعنى التحزب القانوني في ظل الأوضاع السائدة عربيا الانهيار السياسي وإختيار نهج المساومة بقضية الشعب.
ومهما كانت المزايدات الإنتهازية أو الإصلاحية التي تهدف إلى تغطية خطها الداعي إلى السلم الإجتماعية عن طريق "التنافس البرلماني النزيه" فإن التحزب القانوني لايؤدي حتما إلى حرية التحرك وحرية القيام بالدعاية وما الى ذلك من الأكاذيب. وبإيجاز يخدم التحزب القانوني بالشروط الحالية وبموازين قوى لصالح قوى الثورة المضادة أساسا وبصفة رئيسية الطبقات الرجعية ويخضع المعارضة جوهريا إلى الخط الإستسلامي وإلى تزكية السياسات اللاوطنية واللاديمقراطية واللاشعبية بحيث تظل هذه المعارضات الصورية عاجزة عن التأثير في مجرى أحداث الصراع الطبقي خدمة لمصالح الشعب وبالعكس تخدم مصالح الأنظمة الحاكمة ويقتصر دورها على تبييض وجه هذه الأنظمة.
و من ناحية أخرى ، لا ينبغى فهم أن معارضة التحزب القانوني في الظروف الحالية مفادها رفض العمل القانوني في بقية المجالات لأن المنظمة الثورية تحافظ على سرية نشاطها التنظيمي إزاء السلطة والمعارضات الإنتهازية غير أنها تتصرف بصفة علنية وشرعية وقانونية في صلب الجماهير دون تحفظ.واذا اقتصرت السرية على بعض المهام فان الخط لايمكن له ان يكون سريا بل يجب ان ينتشر على اوسع نطاق ممكن ومن الضروري ان تتواجد العناصر الشيوعية في أماكن العمل والسكن وفي المنظمات الجماهيرية وفي كل الأنشطة والتحركات الجماهيرية كما تستغل الصحافة القانونية وغيرها للقيام بالدعاية ولا أحد يمنعها من الاتصال بالعمال والفلاحين وبالشباب العاطل آو المتمدرس وهي ليست في حاجة إلى تأشيرة تقنن تحركاتها وتفرض عليها نوعا محددا من الدعاية يساهم في الحقيقة في تأبيد نظام الإستغلال علما وأن التأشيرة في ظل أنظمة عسكرية بوليسية وحتى تلك التى تدعى الديمقراطية ليست بضمان لا للإنتشار ولا لتجنب عنف الدولة القائمة
ان معارضة التحزب القانوني بالشروط الحالية هوتعبير من جهة عن رفض الإنخراط في سياسة لا وطنية ولا ديمقراطية و لاشعبية ومن جهة ثانية عن التشبث بحق التعبير والتنظيم بكل حرية وفق المواثيق العالمية واحتراما للتضحيات الجسام. ان التشبث بالخط الشيوعي والإصرار على توضيح مدلول الديمقراطية الجديدة في ظل أشباه المستعمرات هو الطريق الوحيد الذي يجب رسمه أمام الجماهير دون مغالطة و يتضمن الدفاع عن المحتوى الديمقراطي الجديد إلى جانب فضح الإضطهاد الإقطاعي في المدينة والريف تدريب الجماهير على إفتكاك حقها المشروع في التعبير والتنظيم دون إجبارها على طلب التأشيرة وبأفق ثوري مستقبلي شيوعي .
ان التيار الإصلاحي الإنتهازي الذى يترقب التأشيرة للتحرك لا يؤمن في الحقيقة بحرية التعبير والتنظيم بما انه يقبل بما هو موجود ومحدود ولا يعلم الجماهير كيفية المشاركة الفعلية في صنع التاريخ بل يكتفي بإستعمال أصواتها الإنتخابية من أجل الحصول على مقاعد في أجهزة الدولة أو في الجمعيات.
وفي الظرف الحالي، يعكس التحزب القانوني نظرة إنهزامية لا تقود الجماهير إلى تغيير أوضاعها بل تعمل على تأبيد الوضع القائم من خلال خلط الأوراق بحيث يصبح العدو صديقا والصديق عدوا إذ أنها تنخرط في السلم الإجتماعي على حساب مصالح الشعب . وعلى عكس هذه النظرة "الواقعية" حسب تسمية أصحابها نجد الروح الشيوعية والوطنية الديمقراطية الثورية تجتهد منذ البداية فى محاصرة العدو وفضح سياساته المتسببة في إحتلال الأرض وسلب حرية الشعب وكرامته و إستغلاله .
والمطروح على القوى الشيوعية هو أولا نبذ نهج المساومة والإستجداء وثانيا التعويل على الشعب وتدريبه على مواجهة أعدائه فالطبقات الحاكمة تستعمل كل الوسائل من أجل إخضاع أبناء الشعب ولا تتورع عن إستخدام أشنع طرق التعذيب مع المناضلين والمناضلات العزل.فلماذا تحرم الجماهير الشعبية من حقها في مواجهة الأعداء ولماذا تفرض عليها سياسة القبول بالذل والمهانة؟
تسارع التيارات الإصلاحية الإنتهازية في إنقاذ السلطة من عزلتها وتمنح لها فرص ترميم صفوفها وإستعادة أنفاسها من خلال مباركة "سياسة الانفتاح" والإنخراط فيها وإعتبارها خطوة هامة على طريق "الديمقراطية المسؤولة". هذا من ناحية أما من الناحية الأخرى فتنهض التيارات الإصلاحية الإنتهازية بمهمة التنديد بكل من يرفض الإنخراط في سياسة الوفاق الطبقي مع مضطهدي الشعب.
وفضلا عن كل الحجج المقدمة ضد الإلتزام حزبيا بالقانون الرجعي في ظل إختلال موازين القوى تظل قضية الإمضاء على "الميثاق الاجتماعي أو الوفاق الطبقي مع نبذ الصراع الطبقي أو السلم الاجتماعية والمصالحة الوطنية" و ما إلى ذلك من المصطلحات التي تعتمدها الرجعية ، تظل قضية حياة أو موت بالنسبة للمنظمة الثورية بما أنها مدعوة صراحة إلى التخلي عن مبدأ الصراع الطبقي وإعتبار كل المؤسسات وطنية منتخبة ديمقراطيا والتحول إلى "طرف إجتماعي مسؤول" .
لقد أثبتت التجارب في أشباه المستعمرات أن المنظمات الثورية تخفي إنتمائها عن أعين البوليس والوشاة وتتصرف ماعدا ذلك بصفة علنية وتشارك في كل الأنشطة القانونية حيث تتواجد الجماهير طبعا. فالمناضل/المناضلة ليس في حاجة إلى تأشيرة من أجل التواجد في النقابات أو في المنظمات الجماهيرية كما يمكن للمناضل/المناضلة إصدار أدبياته وترويجها حسب الإمكانيات دون تأشيرة بل إن إمكانية إصدار الصحف والمجلات الفكرية والعلمية القريبة من المنظمة الثورية بصفة قانونية واردة في أشباه المستعمرات فى ظروف معينة .
وفي الختام لابد من التأكيد على أن نجاح الخطة أو التكتيك يرتبط باختيار أشكال النضال المناسبة وبإيجاد الحلقة الرئيسية التي بحلها يتقدم العمل وإن نجحت القوى الشيوعية في حسم كل التناقضات التي تعترض مسيرتها فإنها ستشهد قفزات نوعية لكن طبيعة القوى الحالية والواقع المعقد أديا إلى السقوط في التجريبية بتجاهل الاستنتاجات النظرية والعملية والاكتفاء بمسايرة الأحداث دون الانتباه إلى خطر العفوية والاقتصادوية. وطالما لم يقع حسم قضية أشكال النضال والتنظيم وقضية الفلاحين كقوة رئيسية والعمال كقوة قائدة دون التخلي عن البرجوازية الصغيرة ومسالة رئيسية الريف دون إهمال المدينة وعلاقة الدعاية بالتنظيم وضرورة جلب العنصر النسوي والشبابي إلى صفوف الشيوعيين الماويين,طالما لم يقع التقدم في هذه القضايا فان العمل الثوري عموما سيراوح مكانه ولن يؤثر كما ينبغى (ناهيك أن يقود) فى النضالات والإنفجارات الشعبية العفوية.
تونس2007
الانتفاضة واشكال النضال والتنظيم

1- فرضت الانتفاضة في تونس ومصر الشرعية الجماهيرية وتحدت القانون الرجعي وحالة الطوارئ ومنع الجولان.واصبحت الجماهير سيدة الموقف تقرر تحركاتها بكل حرية وديمقراطية دون موافقة السلطة التي انسحبت من الميدان ودون تزكية قانونية طبعا وافضى هذا الوضع الاستثنائي الى تشكل لجان حماية الاحياء والمؤسسات في ظل انسحاب البوليس وحصلت السيطرة الامنية على المدن والقرى من قبل الجماهير طوال الانتفاضة في مواجهة العصابات- الحرس الرئاسي وكل انواع المليشيات البوليسية والحزبية- التي أرادت التنكيل بابناء الشعب العزل..
2- تمكنت اللجان الشعبية بصفة منظمة اوعفوية حسب المواقع وحسب تركيبة العناصر المشاركة في حماية الاحياء تمكنت من إدارة شؤون الحي لفترة طويلة نسبيا وشعر النظام بخطر تحول هذه اللجان الى سلطة شعبية او على الاقل الى سلطة امنية تتحكم في الاحياء والمؤسسات فغير تكتيكه وأوقف جل العصابات التي كان يقف وراءها.
3- فرض واقع الانتفاضة الشرعية الجماهيرية ونزلت القوى الثورية الى ساحة النضال دون مخاوف امنية وأصبح الجميع من اليمين الى اليسار يتحرك بكل حرية وتحت أعين البوليس وأثبتت التجربة العملية مرة أخرى
ان الحريات العامة والفردية يقع افتكاكها وممارستها بالرغم من وجود قوانين جائرة تحجر ذلك بل ان الجماهير ادركت في العديد من المناسبات ان النضال الوطني الديمقراطي ليس في حاجة الى تأشيرة النظام العميل .

4- اجبر واقع الانتفاضة الرجعية الحاكمة على الاعتراف بكل الاحزاب التي قدمت طلب تأشيرة العمل القانوني وفق القوانين الجاري بها العمل وهو ما لم يكن ممكنا قبل اندلاع الانتفاضة.لقد نجحت الانتفاضة في تغيير شكل السلطة التي وقع اضعافها ووضعها أمام الامر الواقع اما الرضوخ لمطالب الانتفاضة او التنحي جملة وتفصيلا.
5- اعتمدت الانتفاضة باعتبارها انتفاضة عفوية تفتقد الى قيادة سياسية واضحة اشكال تنظيم عفوية في غالب الاحيان مثل حرق مراكز الشرطة والحرس الوطني او البنوك ودور الحزب الحاكم وحتى بعض المؤسسات العمومية والخاصة وطغا على هذه الاعمال الطابع العفوي والارتجالي وتحول في غالب الاحيان الى عمليات نهب وسلب لاعلاقة لها بمفهوم استرجاع الاملاك العمومية او أملاك الشعب المسلوبة.
6- كما اعتمدت الانتفاضة كذلك شكل التظاهر في الشوارع للتعبير عن مطالبها وشكل المسيرات او الزحف نحو العاصمة تونس وشكل الاعتصام في ساحة القصبة وهي اشكال سلمية حاول النظام تشويهها من خلال دس المليشيات البوليسية والحزبية والاجرامية لبث الفوضى وتخريب المؤسسات العمومية والمتاجر الخاصة والقيام باعمال النهب والسطو على ملك الغير.
7- وإزاء تطور اشكال النضال والتنظيم وتجاوب الفئات الشعبية مع المعتصمين والمتضررين ضحايا سياسة النهب والاستغلال الذين وجدوا كل الدعم من قبل كل الطبقات الشعبية سارع البوليس السياسي الى تطويق هذه الظاهرة كما تحركت كل الاطراف السياسية من اليمين الى اليسار وعبر الجميع على مساندة "الثورة" ووقع تشكيل "مجلس حماية الثورة" من قبل كل الاطراف بحيث نجد التجمعي المتستر والبيروقراطي النقابي والاخوانجي المعلن والليبرالي المتستر واليساري المتشدد والوطني الديمقراطي المنهار وكل انواع الانتهازية التي لاعلاقة لها بالانتفاضة وادعت كل هذه الاطراف بما في ذلك الرجعية العميلة انها ستحمي الثورة في حين انه لاوجود لاية ثورةزفهي ستحمي اذن مصالحها اولا وقبل كل شيئ.
8- لقد غيرت الانتفاضة شكل السلطة ولو لفترة معينة وبتغير شكل السلطة تتغير اشكال النضال والتنظيم وتصبح القانونية والعلنية الشكل الرئيسي للتحرك كالسمكة في الماء.ويصبح من الممكن تأسيس الجمعيات والنوادي والمنظمات وهو وضع قد يطول او يقصر حسب صمود الانتفاضة التي أكدت قبل تعليق الاعتصام في ساحة القصبة على انها مستعدة للعودة اذا تراجعت السلطة على وعودها.وحصل ذلك تحت شعار "إن عادوا عدنا"
يتضح ان اشكال النضال والتنظيم قضية متحركة تتغير حسب واقع القوى المتصارعة وحسب مد الحركة الشعبية وجزرها وإذا اتخذ الصراع ضد الرجعية في تونس شكلا سلميا بالاساس فانه اتخذ شكلا مسلحا في ليبيا وقد يتطور النضال المسلح في اقطار اخرى ليأخذ شكل حرب العصابات وحرب الشعب في مواجهة الحرب الاهلية التي تفرضها الرجعية الحاكمة.
وتعني حرب الشعب تحرير بعض المواقع حيث يكون العدو ضعيفا وتدريب الجماهير على إدارة الاماكن المحررة وإقامة سلطة الديمقراطية الشعبية والعمل على توسيع رقعتها ونفوذها الى ان يقع تحرير البلاد بأكملها.
تونس 4 مارس 2011





Commenter cet article