الحزب الشيوعي الصيني و نضاله ضد التحريفية.( في عهد ماو)

Publié le par mohmedalimawi

لحزب الشيوعي الصيني و نضاله ضد التحريفية.( في عهد ماو)
لقد زعم حزب العمل وعلى رأسه خوجة أنّ الحزب الشيوعي الصيني لم يناضل بحزم ضد التحريفية المعاصرة إذ توخى طريقة متذبذبة ولينة للغاية وتكتيكا إنتهازيا بحتا حسب منطق حزب العمل فى مواجهة التحريفية. وقد جاءت التهجمات المباشرة وغير المباشرة على لسان خوجة فى كتابه "ملاحظات حول الصين".وردت هذه التهجمات ضد موقف الحزب الشيوعي الصيني من التحريفية. رغم الإعتراف فى بعض الأحيان من قبل حزب العمل بأنّ الحزب الشيوعي الصيني تصدّى إلى التحريفية الخروتشوفية ووقف "ظرفيّا" حسب خوجة موقفا صحيحا من التحريفية ، فبالرغم من هذا الإعتراف وبالرغم ممّا جاء فى تاريخ حزب العمل نفسه يعمد حزب العمل وخاصة خوجة إلى التشكيك حتى فى المواقف الصحيحة التى إعترف بصحتها ويحاول ضمنيا وعن سوء نيّة تشويه هذا الموقف وتقديم الإحترازات تلو الإحترازات والدخول فى تأويلات لا أساس لها من الصحّة ، تأويلات متناقضة تماما مع كلّ ما ورد فى تاريخ حزب العمل –بغية تبيان أنّ هذا الموقف صحيح سيكشف عن إنتهازيته فيما بعد وأنّه موقف ظرفي سوف لن يكتب له الصمود.
وفضلا عن هذا التشكيك يعمد خوجة إلى تزوير بعض الحقائق التاريخية التى جاءت فى المراسلات الرسمية بين الحزب الشيوعي الصيني والإتحاد السوفياتي من جهة وبين الأحزاب الأخرى والحزب الشيوعي الصيني من جهة أخرى. كما تتناقض تصريحات خوجة تناقضا كليا مع تاريخ حزب العمل وخاصة مع كلّ ما ورد حول النضال ضد التحريفية.ثمّ يركز الكتاب بصفة واضحة على الجوانب التى يعتبرها خوجة سلبية هذه الجوانب التى تسمح له بالظهور بمظهر الثوري النقيّ الذى يرفض التنازلات والتكتيكات الجزئية التى إعترف بها سابقا ودونها فى تاريخ حزب العمل الالباني ثمّ يطمس النضال الفعلي الذى خاضه الحزب الشيوعي الصيني فيقفز على فترات معينة ويهمل بالتأكيد عمدا أهمّ المراسلات والمواقف الحازمة. وقد سلك خوجة مثل هذا الأسلوب الإنتقائي الوحيد الجانب بغية تقديم خط عام متماسك الأطراف يبيّن من خلاله"تهادن" الحزب الشيوعي الصيني مع التحريفية ولكنه رغم هذا المنهج اللامسؤول فقد فشل خوجة فى مهمته وطغى على الكتاب طابع لا أساس له من التحليل العلمي فسقط فى تناقضات عدّة وفى تقييمات إتضحت خاطئة وأجبر فى بعض الأحيان على الإعتراف بها وعلى مراجعتها لكنه واصل تجاهل كلّ ما ورد فى تاريخ حزب العمل.
وإلى جانب تركيزه على فترات معينة توخى فيها الحزب الشيوعي الصيني تكتيكا إدعى خوجة أنّه مختلف عن تكتيك حزب العمل فى مواجهة الوضع الصعب آنذاك،وإلى جانب كلّ ذلك فقد عمد حزب العمل خاصة بعد الحسم النهائي مع التحريفية عمد إلى التركيز مرة أخرى على العناصر التى إتضحت إنتهازيتها وإستغلّ بعض التصريحات المتفرّقة والمبعثرة لمثل هذه العناصر ليبيّن أنّ الحزب الشيوعي الصيني لم يكن له ولن يتمكّن من النضال الجدّي ضد التحريفية طالما تواجدت هذه العناصرفى صلبه وطرح نتيجة ذلك مفهومه الخاص للصراع الطبقي فى ظلّ الإشتراكية تحت غطاء الإعتراف الشكلي بهذا الصراع طالما لا يعكس نفسه فى الحزب الشيوعي وأخيرا توّج خوجة إستنتاجاته فى كتابه "الإمبريالية والثورة" وحسم بطريقته الخاصة إثر تحوّل الحزب الشيوعي الصيني إلى حزب تحريفي إثر وفاة ماو حسم كلّ التناقضات التى طرحت فى كتابه "ملاحظات حول الصين" وإنتهى به الأمر إلى إعتبار الحزب الشيوعي الصيني حزبا تحريفيا منذ نشأته وما إلى ذلك من التهم التى وقع دحضها آنذاك.
ويتناول هذا النصّ مشكلة النضال الفعلي للحزب الشيوعي الصيني ضد التحريفية المعاصرة من جهة والنضال ضد التحريفية الصينية من جهة أخرى.
1- النضال ضد التحريفية الخروتشوفية :
إنّ السؤال المطروح بادئ ذى بدء هو هل أنّ الحزب الشيوعي الصيني ناضل ضد التحريفية أم لا؟ وهل أنّه تباين بكلّ وضوح مع التنظير التحريفي وحسم معه بدحض كلّ الإنحرافات التى أتت بها عصابة خروتشيف؟
وقد أجابت الحركة الشيوعية على هذه التساؤلات وأتت القطيعة النهائية والعلنية مع الطغمة التحريفية التى إغتصبت السلطة فى الإتحاد السوفياتي بعد وفاة الرفيق ستالين ، أتت لتثبت ذلك. فكيف يمكن إذن تجاهل هذه الحقائق وإتلاف كلّ الوثائق بما فى ذلك تاريخ حزب العمل ، إتلافها في سلّة المهملات ثمّ طرح إعادة النظر فى كيفية الحسم وحتى فى جوهر الموقف؟ إذ ركّز حزب العمل لا على جوهر الموقف بل على التكتيكات التى توخّاها الحزب الشيوعي الصيني فى التصدّى للتحريفية وقد أكّد حزب العمل وخاصة خوجة أنّه يرفض التكتيك اللين حسب زعمه ثمّ يذهب بالطبع إلى إدخال البلبلة ليقول أنّ هذا التكتيك قد مسّ بجوهر النضال ضد التحريفية لأنّ الحزب الشيوعي خلط بين التكتيك والإستراتيجيا. وهذا ما يحاول حزب العمل إقناع البعض به وهذا ما يتناقض والوثائق الموجودة والتى لا تخدم منطق حزب العمل فى شيئ.
لقد طرح تحوّل الحزب البلشفي إلى نقيضه أي إلى حزب تحريفي معاد لمصالح الجماهير طرح مسألة جديدة من نوعها ألا وهي إمكانية إعادة بناء الراسمالية فى بلاد دكتاتورية البروليتاريا وقد وجد الماركسيون-اللينينيون أنفسهم أمام مشكلة شائكة للغاية تهدّد وحدة الحركة الشيوعية. نعم وحدة الحركة الشيوعية لأنّ عصابة خروتشيف المتستّرة وراء الماركسية-اللينينية حاولت آنذاك جلب جلّ الأحزاب إلى صفها بإستعمال شتّى الضغوطات.
ولم يكن من السهل آنذاك عزل أوّل بلد إشتراكي بجرّة قلم ولذلك كان من المفروض خوض صراع مرير ضد تسرّب خطر التنظير التحريفي إلى الأحزاب الأخرى كما كان على الأحزاب الماركسية-اللينينية وعلى العناصر الماركسية-اللينينية المتواجدة فى بعض الأحزاب التى إنحرفت قياتها كان عليها ضبط تكتيك موحد يعمل على قلب موازين القوى وتوظيفه لصالح الثورة ثمّ عزل القيادة التحريفية فى الإتحاد السوفياتي وكلّ من نسج على منوالها.
هذا ما أراد خوجة تجاهله فى كتابه "ملاحظات حول الصين" إذ طمس كلّ ما جاء فى تاريخ حزب العمل وتصرّف وكأنه وحده فى الساحة وتستّر وراء شعار " لا للين المفرط" أو المشكوك فيه فرفض تكتيك الحزب الشيوعي الصيني الذى تبناه فى تاريخ حزب العمل وقدم نفسه وكأنه أوّل من عمل على الإسراع بالحسم النهائي ( أي بالضبط عكس ما جاء فى تاريخ حزب العمل) ثم إستغرب أن زور جملة من الحقائق إستغرب من البطئ فى حسم مثل هذه القضية الجوهرية إلخ.
فلماذا عمد حزب العمل إلى هذا التزوير ؟ وهل كان تكتيك الحزب الشيوعي الصيني إنتهازيا كما زعم خوجة؟
إنّ الوثائق الموجودة تثبت عكس ما إدعاه حزب العمل إذ كان الحزب الشيوعي الصيني أوّل من تصدى لعصابة خروتشيف وذلك فى تشرين الثانى 1956 من خلال بيان قدمه ماو وعرض فيه بوضوح تقييمه لستالين ووقف ضد التحريفية الخروتشوفية كما دافع عن ستالين وإعترف ببعض أخطائه التى تبقى ثانوية ولا تترك مجالا لأي تأويل كان إلاّ إذا كانت نيّة التزوير فائقة للغاية. وواصل الحزب الشيوعي فضح التحريفية وخاصّة المؤتمر العشرين فى العلم الأحمر الصادر فى 16 نيسان 1960 كما إستغلّ إجتماع الفدرالية العالمية للنقابات فى بيكين فى حزيران1960 ليندّد من جديد بالتحريفية ومقابل ذلك كان موقف حزب العمل غامضا ولم يصرح بمعارضته للمؤتمر العشرين بل إنّه واصل مساندة هذا المؤتمر العشرين بدون تحفّظ وقال خوجة إنّه لا يجب علينا الإستماع إلى الإتحاد السوفياتي فقط بل إلى الصينيين ونحن كذلك لنا كلمتنا" ( الحزب الشيوعي الثوري الأمريكي) كما يوجد فى "تاريخ حزب العمل" ما يثبت ذلك. وتدلّ الإستشهادات التالية على صحة الحقائق التاريخية التى أراد البعض تجاهلها. فقد صرح حزب العمل فى تاريخ حزبه الذى كتبه بنفسه صرّح فى الصفحة 439 بما يلى :" ولكن لم يكن من الممكن بالنسبة لحزب العمل الإعلان فى مؤتمره عن معارضته للإستنتاجات التى وردت فى المؤتمر العشرين للإتحاد السوفياتي وكانت هذه الإحترازات فى محلّها لأنّ التصرّف عكس ذلك فى تلك الفترة كان يخدم أعداء الشيوعية الذين شنّوا هجمة واسعة ضد الإتحاد السوفياتي وضد الوحدة فى المعسكر الإشتراكي وضد الحركة الشيوعية العالمية وعلاوة على ذلك فلم نكن نعلم بالتحديد فى ذلك الوقت الأهداف الحقيقية لجماعة خروتشيف هذه الأهداف التى كان يطمح لها بتقديمه الأطروحات الجديدة". ،وتكرّرت التصريحات الواضحة التى تثبت من جهة أن الحزب الشيوعي الصيني كان قد صمد آنذاك أمام التحريفية وسلك تكتيكا صحيحا لا ريب فيه ( انظر الصفحات 539-574) كما تثبت هذه التصريحات من جهة أخرى أنّ حزب العمل كان متفقا تمام الإتفاق على تكتيك الحزب الشيوعي الصيني فى مواجهة التحريفية ( أنظر الصفحات 459-450-481-482-483-484-519-525).
ولكن بمرور الزمن تراجع حزب العمل وخاصة خوجة فى تاريخ الحركة الشيوعية بل حتى فى تاريخ بلاده وخطرت له إعادة كتابة التاريخ بمنظاره الخاص وتجرّأ على تقديم نفسه المشعل الوحيد الذى رفع راية المكاركسية-اللينينية أمام عصابة خروتشيف بينما تأتى عدّة تصريحات فى تاريخ حزب العمل لتثبت أنّه كان وراء الحزب الشيوعي الصيني فى التصدّى الفعلي للتحريفية ممّا أدّى بخروتشيف إلى التصريح التالى فى خطابه للبعثة الصينية: " لقد خسرنا ألبانيا وربحتموها أنتم" ( ص 496 من "تاريخ حزب العمل الألباني") كما يبيّن تاريخ حزب العمل أنّ هذا حزب قد مرّ كذلك شأنه شأن كلّ الأحزاب الحية مرّ بإنقسامات وبتواجد عناصر تحريفية مفضوحة أرادت تشويه خطّ الحزب وجرّه إلى مستنقع التحريفية ( أنظر الصفحة 433-434-485 إلخ ...من " تاريخ حزب العمل")فلماذا يتجاهل حزب العمل كلّ ما ورد فى تاريخه فى بقية الوثائق الأخرى؟ وكيف يفسّر مساندو حزب العمل كلّ هذا التزوير وكلّ التناقضات الواردة فى كتاباته؟ إنّهم يريدون تطويع التاريخ حسب رغباتهم الذاتية ،وإلاّ فكيف يصل حزب العمل إلى التشكيك فى طريقة الحسم مع التحريفية التى سبق أن إتفق عليها ويستغلّ ما سمّاه فى "ملاحظات حول الصين" بالبطئ والتردّد والترقب ليطعن الحزب الشيوعي الصيني ويرفض التنازلات المفروضة آنذاك والتى صرّح بصحّتها فى "تاريخ حزب العمل الألباني".( مسألة بياني موسكو وإنعقاد الندوة).
وقد واصل التصريح فى كتابه "ملاحظات حول الصين" أنّه قد أخطأ فى تأويلاته إذ إتخذت الصين موقفا صحيحا إزاء حزب العمل وإزاء المشاكل المطروحة ولكن بعث للحزب الشيوعي الصيني ليطلب من حزب العمل تليين موقفه. ثمّ تعددت تصريحات خوجة ص27-30-33 إلخ ... لتبيّن أنّ الحزب الشيوعي الصيني كان متفقا جوهريا مع طرح حزب العمل ودافع عنه فى مناسبات عديدة. وحتى إن وقع تصديق إدعاءات خوجة المنافية لكلّ ما ورد فى الوثائق الأخرى بما فيها "تاريخ حزب العمل الألباني" فلا يمكن وضع إتهامات خوجة المتمثّلة فى ميل الحزب الشيوعي الصيني إلى "الإعتدال" أو "التهادن" لايمكن وضعها سوى فى إطار التأويل الذاتي لا غير لأنّه يتضح إثر مراجعة المراسلات بين الحزب الشيوعي الصيني وقيادة الإتحاد السوفياتي يتضح أنّ هذا الإعتدال المزعوم لم يكن سوى موقف حازم وتكتيك ذكيّ أضجر التحريفية ومنعها من حرّية المناورات. وقد تذمّرت العصابة التحريفية فى رسائلها المبعوثة إلى الحزب الشيوعي الصيني تذمّرت أكثر من مرّة من موقف الحزب الشيوعي الصيني "الإنشقاقي" وطالبت منه الكفّ عن خوض الصراع من جهة والدخول فى هدنة ظرفية على الأقلّ من جهة أخرى. وقد جاء فى رسالة القيادة التحريفية للإتحاد السوفياتي ، الرسالة المبعوثة إلى الحزب الشيوعي الصيني فى 29 تشرين الثاني 1963 ، جاء ما يلى :" لقد طلبت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي أكثر من مرّة الكفّ عن الجدال ( الصراع) المكشوف وقد جددنا هذا الطلب فى 25 تشرين الأوّل وفى 7 تشرين الثاني 1963. وقد توقّفت الصحافة السوفياتية عن نشر مقالات ذات طابع جدالي. بهذه الرسالة نطلب من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني مرّة أخرى نطلب منها القيام بما يلزم القيام به من أجل إيقاف الصراع المفضوح والكف عن كلّ النشاطات الأخرى التى تضرّ بوحدة الحركة الشيوعية العالمية وبوحدة البلدان الإشتراكية" (ص 80). وواصلت القيادة التحريفية السوفياتية نعت الحزب الشيوعي الصيني بالإنشقاق وما إلى ذلك من التهم التى يمكن الإطلاع عليها فى الوثائق المذكورة فى المراجع، فيوجد مثلا فى الرسالة المؤرخة فى شباط 1964 والمبعوثة إلى الحزب الشيوعي الصيني يوجد ما يلى :" إذا أردنا التفتيش عن الناس الفعليين الذين لهم وجهين وعن الإنشقاقيين الذين يتحرّكون وراء ظهر الأحزاب الأخوة يجب الحديث عن الذين دخلوا فى أنشطة ملتوية منذ سنين وعن الذين يعلنون بالمكشوف عن حتمية الإنشقاق فى صلب الحركة الشيوعية العالمية ويصرحون بأنّ الإنشقاق قانون حتمي لا مفرّ منه. "تواصل نفس الرسالة لتقول:" لقد ثلب الرفيق ليوتشاوتشى وقادة آخرون من الحزب الشيوعي الصيني ثلبوا الحزب الشيوعي السوفياتي خلال محادثات مع بعثة ألبانية وشوهوا عن وعي السياسة الخارجية لحزبنا وحاولوا حثّ رجال السياسة فى ألبانيا على الوقوف ضد الحزب الشيوعي السوفياتي وقد أدّى مثل هذا التصرّف للقادة الصينيين أدى إلى سخط عناصر البعثة الألبانية وقد عبّر اللابانيون علنا عن هذا السخط للرفاق الصينيين وأعلموا اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي بذلك". (ص 90).
تشهد إذن وثائق الحركة الشيوعية هذه الوثائق التى أراد حزب العمل حرقها وإتلافها بغية تعويضها بوثائق خاصة مراجعة ومحرفة تشهد إذن هذه الوثائق بأنّ الحزب الشيوعي الصيني لم يتهادن البتّة كما إدعى خوجة ، لم يتهادن فى مواجهة التحريفية ويكفى الرجوع إلى وثائق الفترة لنتثبّت من حقيقة الأمور التى هي فى الواقع عكس ما ورد فى "ملاحظات حول الصين".
فقد ركزت التحريفية المعاصرة كلّ جهودها من أجل إخضاع الصين وتشويه الحزب الشيوعي الصيني وعزله ومنعه بكلّ الوسائل الخبيثة من فرض خطه الماركسي-اللينيني والقيام بدوره بغية لفّ الأحزاب الأخرى حوله. ولم تعر التحريفية مقابل ذلك أي إهتمام إلى حزب العمل ورفضت حتى الدخول فى إجابات مكتوبة كما فعلت مع الحزب الشيوعي الصيني ممّا أدّى بخوجة إلى الإدعاء السخيف بأنّ التهجم على الحزب الشيوعي الصيني من قبل القيادة السوفياتية " أن هذا الهجوم يستهدف فى الحقيقة حزب العمل" و "يعنينا نحن رئيسيا" ص 14 "ملاحظات حول الصين")كما لم يذكر خوجة شيئا من المشاكل الفعلية التى حدثت فى حزب العمل إثر بروز التحريفية فطمس التذبذب الذى وقعت فيه بعض العناصر من جراء الدعاية التحريفية ( أنظر "تاريخ حزب العمل" ) و أشاد من جهة أخرى بموافقته "الصلبة والبطولية: ثمّ أثار هذا الجانب أي الجانب الذى طمسه ليشوّه الواقع لا ليرفع المعنويات أثاره بالنسبة للحزب الشيوعي الصيني بصفة مغايرة للواقع حيث قدمه فى شكل إنحرافات عمد إلى إفراغها من محتواها التكتيكي الذى تتطلبه الفترة وعزلها عن الواقع السائد آنذاك من أجل تبيان أنّ تكتيك الحزب الشيوعي الصيني كان تكتيكا إنتهازيا بحتا.
إنّ التكتيك الذى إتبعه الحزب الشيوعي الصيني فى مواجهة التحريفية تكتيك صحيح فى جوهره وقد وافق حزب العمل على هذا التكتيك آنذاك احبّ ذلك أم كره.
لقد شعر آنذاك الحزب الشيوعي الصيني بخطورة الموقف وإختار التصرّف كمسؤول لا كمهرّج أمام الخطر الذى كان يهدّد الحركة الشيوعية. وعلى هذا الأساس لم يكن من الممكن الحسم الفوري لأنّ الماركسيين-اللينينيين لم يكونوا فى موقع قوّة ولم يأت هذا الموقف نتيجة غموض نظري أو تذبذب فى الإختيارات بل كان موقفا صريحا يعتمد تكتيكا واضحا مجردا من التبجّح الفارغ ومن الشعارات الرنّانة التى لا تخيف التحريفية.
ولذلك فقد ضبط الحزب الشيوعي الصيني بمعيّة بعض الأحزاب الأخرى بما فيها حزب العمل آنذاك ضبط تكتيكا إنطلاقا من واقع الحركة. ويفترض واقع الحركة آنذاك إعارة كلّ الإهتمام إلى الإتحاد السوفياتي لأنّ الإتحاد السوفياتي كان أوّل بلد إشتراكي ونقطة الإشعاع الرئيسية والأنموذج المثالي للدولة الإشتراكية والمشعل النظري للحركة الشيوعية. ولم يكن بالتالى من السهل الحسم الفوري مع أوّل بلد إشتراكي ومع أوّل حزب شيوعي إفتكّ السلطة ،الحزب البلشفي بقيادة لينين ثمّ ستالين. ولذلك فكان من الضروري التريّث لأنّ الظرف يحتّم ذلك وقد إختار الحزب الشيوعي الصيني هذا الطريق بدون التخلى عن المبادئ وبوضع شروط معينة رغم التنازلات المفروضة.
وقد وافق حزب العمل على هذه الطريقة سابقا ولكنه تراجع فيما بعد وإستغلّ هذا التكتيك الذى إدعى فيما بعد أنّه إنتهازي إستغله ليظهر بمظهر الثوري النقي وليغطّي التذبذب الذى سقط فيه سابقا ( أنظر الموقف من التنديد بالحزب الشيوعي الصيني "تاريخ حزب العمل") . وإلاّ فإذا كانت الأمور واضحة بالنسبة إلى حزب العمل فلماذا واصل الإنتماء إلى حلف فارصوفيا حتى نهاية 1961؟بل لقد وقع رفض قبوله فى آب 1961 بموسكو ( انظر "تاريخ حزب العمل... "ص 526)
وقبل تبيان صحة التكتيك فمن الضروري تذكير البعض خاصة أولئك الذين صدقوا منطق حزب العمل بدون إحترازات رغم التناقضات العديدة ورغم التزوير فإنّ التاريخ قد شهد مثل هذه الإنشقاقات وقد حدثت مثل هذه الأوضاع ولكن ليس بنفس الحجم ولا فى نفس المستوى بالطبع وإتضح أنّ الذين أرادوا حسم مثل هذه القضايا بجرّة قلم وإنطلاقا من مبادئ جافة لا علاقة لها بالواقع إتضح أن مواقفهم كانت إنعزالية بحتة مقتبسة من الكتب وخاطئة وأجبر البعض على مراجعتها وتقديم نقد ذاتي فى شأنها. كما تبيّن التجارب أنّ طريقة الحسم لا يمكن أن تكون الطريق التى يروّج لها حزب العمل ولم تتوخّ العناصر الماركسية-اللينينية أسلوب حزب العمل فى الحسم بل إتبعته العناصر المنشقة وعمدت هذه العناصر إلى التشويه وقلب الحقائق رأسا على عقب.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الحسم مع عناصر منفردة ومعزولة إنتهازية كانت أم منهارة لم يتم الحسم معها حسب التخطيط المقترح من قبل حزب العمل رغم وجود الماركسيين-اللينينيين فى موقع قوّة بل تمّ بكلّ تروّ وبإتباع هذه العناصر إلى آخر المطاف ولم يأت هذا التروى على حساب المبادئ كما لم يكن تهادنا أو سماحا بتواجد عناصر إنتهازية تحت غطاء اللين.
فقد توخى الماركسيون –اللينينيون إذن وبإيجاز طرق لينة وقت الشدّة فرضتها الظروف. فكيف يرفض حزب العمل توخى تكتيكات متنوعة فى مواجهة مشاكل أعوص بآلاف المرّات من المشاكل التى طرحت فى كلّ البلدان الأخرى؟
إنّ رفض حزب العمل لمثل هذا التكتيك رفض شكلي وغير مسؤول لا غير لأنه سبق أن إعترف بضرورة التنازلات بالضبط كما فعل الحزب الشيوعي الصيني وذلك بغية الحفاظ على الوحدة لا جريا وراء الوحدة اللامبدئية.
ولم يخادع الحزب الشيوعي الصيني الحركة الشيوعية ولم يلتجأ لأسباب متعدّدة إلى التزوير بل صرح علنا فيما يخصّ بيان موسكو أنه قبل هذا البيان رغم وجود أشياء تتناقض وقناعاته ولكنه قبل ذلك وإعتبره تنازلا وورد نفس الموقف فى تاريخ حزب العمل. ويوجد فى رسالة 28 تموز 1964 التى بعث بها إلى الحزب الشيوعي الصيني يوجد ما يلى : " تجدون كلّ السرور فى إستغلال الفقرة المتعلقة بالمؤتمر العشرين فى بيان 57 و 60. ولكن تعلمون حق العلم أنّ الحزب الشيوعي الصيني كان دائما ضد هذه الفقرة.وخلال الندوة التى جمعت الأخوة فقد طلبتم بإلحاح وفى عدّة مرات التنصيص على الفقرة المذكورة فى نصّ البيان وقلتم إذا لم يقع كتابتها فسوف تصبح مهمتنا صعبة للغاية وقد وافقنا على التنازل إعتبارا لمشاكلكم وصرحت بعثة الحزب الشيوعي الصيني فى ندوة 1960 صرحت أنّها تتصرّف هكذا لآخر مرّة" ( ص16).
إنّ "التذبذب" إذن و"الترقب" و "البطئ" وما إلى ذلك من التهم التى ألصقها خوجة بالحزب الشيوعي الصيني ليست سوى تكتيك أملته الظروف الموضوعية ، هذا التكتيك الذى كان يهدف أساسا إلى ربح الوقت أوّلا وإستغلال التناقضات فى صلب الأعداء ثانيا بغية توظيفها لصالح الأحزاب الماركسية-اللينينية وفى هذا الإطار شجع الحزب الشيوعي الصيني ودعم مبادرة الحزب الأندونيسي والفتنامي وحزب زيلاندا الجديدة الذين دعوا إلى عقد ندوة عالمية للأحزاب الأخوة من أجل فضّ الخلافات إبتداءا من ربيع 1962.
وإستغلّ حزب العمل وخاصة خوجة هذه الدعوة وخصص لها صفحات عديدة ليبيّن أنّه لا طائل من وراءها وأنّ مثل هذا التكتيك يميني وفى غير محله كما عمد إلى عزل هذه الندوة المزمع عقدها عن إطارها التاريخي وأهمل الشروط التى وضعت من قبل الحزب الشيوعي الصيني حتى يتمكّن من نعته باللهث وراء الوحدة اللامبدئية وإلى غير ذلك.وفى مقال بعنوان "يمد الصينيون أياديهم إلى خروتشيف" بالصفحة 9 من كتاب "ملاحظات حول الصين" يدعى خوجة أنّ الحزب الشيوعي الصيني طلب من حزب العمل حضور هذه الندوة بدون وضع أية شروط ، بيد أنّ المراسلات التى تمّت بين الحزب الشيوعي الصيني وقيادة الإتحاد السوفياتي تكذّب ذلك.
لقد إغتنم الحزب الشيوعي الصيني هذه المبادرة سعيا وراء الوحدة وليس الوحدة اللامبدئية كما يقول خوجة بل الوحدة الفعلية إذ لم يقبل الحزب الشيوعي الصيني النقاش بدون شروط معينة بل إنّه حاول مضايقة التحريفية وشقّ صفوفها بوضع شروط قبل إنعقاد هذه الندوة. ووردت هذه الشروط فى رسالة 28 تموز 1964 المبعوثة إلى قيادة الإتحاد السوفياتي ( أنظر ص 5-6) فقد حاول الحزب الشيوعي الصيني منع نفسه وبصفة شرعية التحرّك الحرّ والإتصالات بالأحزاب الأخرى حتى لا يقع نعته بالإنشقاق والكتلوية من قبل العناصر المتذبذبة على الأقلّ كما إختلف مع التحريفية فى الوفود التى يجب أن تحضر هذه الندوة. فبينما تشبث الإتحاد السوفياتي ب 26 وفدا طرح الحزب الشيوعي الصيني حضور 17 وفدا فقطو رفض عصابة تيتو التى مزقت بياني موسكو 57 و 60 والوفود الأخرة السائرة فى ركب التحريفية وبفضل هذا التكتيك شلّ الحزب الشيوعي الصيني تحركات التحريفية التى كانت مصرّة على عقد الندوة بحضور 26 وفدا وفى أقرب الآجال من أجل وضع الحزب الشيوعي الصيني أمام الأمر المقضي وعزله نهائيا عن بقية الأحزاب وقد حاولت التحريفية طرح طرد الحزب الشيوعي الصيني والتنديد به عدّة مرات ( أنظر "تاريخ حزب العمل...") لكنها فشلت فى ذلك وتفطّن الحزب الشيوعي الصيني إلى كلّ المناورات وطلب إرجاء الندوة بغية ربح الوقت ، إرجاءها إلى "ما بعد 4و 5 سنوات إن أمكن" حتى يقع تحضيرها بجدّية ثم طرح فيما بعد وبدوره توسيع عدد الوفود ممّا أثار غضب التحريفية التى عبرت عنه فى رسالتها المؤرخة فى 14 حزيران 1964 و يوجد فى الصفحة 61 ما يلى :" ولكن عندما تطرح اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني مسألة إستدعاء مشاركين جدد فى الندوة فهي لا تهمها هذه الأحزاب ( الأحزاب الجديدة خاصة فى أفريقيا) لأنها تفكّر فى تجمعات إنفصالية معادية للأحزاب، تجمعات خلقتها بنفسها وأعطتها إسم أحزاب ولكن لا تمثّل هذه التجمعات الحركة العمالية فى بلدانها فهي أوّلا موضوعة من الخارج بصفة إصطناعية وليس من الصدف أنّ التجمعات المعادية للحزب الشيوعي الصيني توجد فى النمسا والبرازيل وبلجيكا وسيلان وفى بعض البلدان الأخرى ليس من قبيل الصدف أنّ هذه التجمعات خرجت بالضبط عندما قامت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بنشاطات إنقسامية فى صلب الحركة الشيوعية العالمية ، ثانيا إنّ هذه التجمعات لا تحترم لا نظريا ولا عمليا خطّ الحركة الشيوعية العالمية المحدّد فى البيانين، ثالثا تشتمل هذه التجمعات على عناصر معادية للأحزاب وهي فى شكل معارضة. إنّها عناصر مطرودة من الأحزاب الماركسية-اللينينية وتصارع فى اللجان المركزية المنتخبة شرعيّا وتعادى القادة المحنّكين والمحبوبين فى هذه الأحزاب "( ص61-62).
يتضح إذن حسب التهم التحريفية الموجهة إلى الحزب الشيوعي الصيني أنّ هذا الحزب لم يجر وراء وحدة لا مبدئية بل إنّه منع بالفعل الإتحاد السوفياتي من المناورات وسدّ أمامه باب التحرّك السهل والدمغجة وضايقه فى كلّ أنشطته الانقلابية التى كان ينوى القيام بها.
هذا ما يفرضه حزب العمل الذى يدعونا ضمنيا إلى المقاطعة وإلى الإستسلام تحت غطاء المبادئ ونسي أنّه بموقفه هذا هرب من الصراع ومن تحمّل مسؤوليته التاريخية. وقد أتى التكتيك المتبع من قبل الحزب الشيوعي الصيني بنتائج ملموسة تمثلت أساسا فى بروز نواتات ماركسية-لينينية فى صلب الأحزاب ، هذه النواتات التى نعتتها التحريفية بشتّى النعوت ورفضت بالطبع حضورها وحتى الإعتراف بها.
ولذا فهل كان بالفعل تكيتك مواصلة النقاش والإتصالات خاطئا كما يقول حزب العمل؟ وهل كان من الممكن بإسم المبادئ رفض كلّ إمكانية النقاش ثمّ إعلان القطيعة النهائية؟ بالطبع لا! لأنّ القيادة التحريفية فى الإتحاد السوفياتي أطلقت العنان إلى المناورة والدمغجة وسلطت ضغوطات عدّة عسكرية وإقتصادية على كلّ البلدان الإشتراكية آنذاك. ولم يكن من الصحيح إخلاء الساحة وتركه وشأنه يفعل ما يشاء فى الحركة الشيوعية العالمية. فكان من المفروض توخى التكتيكات الضرورية لمجابهة هذه المناورة وتمثّل هذا التكتيك فى التمسّك بالبيانين اللذان يعتبران محور الصراع رغم التنازل المذكور سابقا. ( أي الفقرة المتعلقة بالمؤتمر العشرين) وقد سبق أن إعترف حزب العمل فى تاريخه بصحة التمسّك ببياني موسكو وأعلن أنّ الحزب الشيوعي الصيني لعب دورا هاما فى لفّ بقية الأحزاب حول البيانين المذكورين ولكنه رأى بعد ما يناهز العشرين عاما ، راى أنّه كان من الأصحّ التصرف عكس ذلك. ويمكن للبعض أن يوافق على جوهر التكتيك كما إدعى خوجة وأن يصروا شكليا فقط على أن التمسّك ببياني موسكو كان صحيحا ولكن سياسة الحزب الشيوعي الصيني "اللينة" كانت خاطئة وتجدر الإشارة إلى أنّ الوثائق الرسمية ومؤتمرات الأحزاب التى إنعقدت آنذاك تثبت أنّ الحزب الشيوعي الصيني رغم موافقته على البيانين ورغم دعوته إلى الندوة المذكورة تحت شروط و"المطعون فيها" تثبت أنّ هذا الحزب لم يتهادن البتّة بل إنّه حضر بعض المؤتمرات سعيا وراء الوحدة بالفعل لا الوحدة مع الإنشقاقيين بل الوحدة مع العناصر النزيهة وندّد علنيّا وفى المؤتمرات المذكورة ، ندّد بالتحريفية ولم يسكت عن القادة الذين إنحرفوا ودافع بكلّ شجاعة عن حزب العمل والأحزاب الأخرى ( أنظر المؤتمر الإيطالي والإتصالات مع رومانيا و كوريا) وقد تجاوب حزب العمل الكوري مع الحزب الشيوعي الصيني . فندّد فى المؤتمر المذكور بالتهجّم على الصين وأعلن أنّ تصرف الحزب الإشتراكي الألماني الموحّد لا يخدم الوحدة اليتة ( ص 18 لنتوحد حول بياني موسكو).
ثمّ أتت رسائل القيادة التحريفية لتؤكّد من جديد من خلال الإتهامات المجانية الموجهة للحزب الشيوعي الصيني أتت لتؤكّد أنّ "التهادن" المزعوم الذى يدعيه حزب العمل لم يكن سوى تأويل ذاتي وضرب من الزعاماتية لأنّ الحزب الشيوعي الصيني لم يفوّت أيّة فرصة لتوضيح المسائل التى أرادت التحريفية إبقاءها غامضة وقد بذل الحزب الشيوعي الصيني كلّ ما فى وسعه بغية حسم الخلافات وتعرية خيانة العصابة التحريفية ،ولكن خطر لحزب العمل أن يراجع هذا التكتيك وحتى يبرز منطقه المغشوش إلتجأ إلى تقديم التكتيك من خلال تصريحات مبعثرة غير رسمية ومعزولة ومتناقضة مع خطّ التكتيك العام الموافق عليه من قبل اللجنة المركزية ، فحاول التركيز على مسائل تبدو سلبية عند عزلها عن إطارها التاريخي وأكثر الحديث عنها مع تغييب التمسّك الفعلي بالوحدة والنضال الحازم ضد خيانة التحريفية لبياني موسكو. وتوصل بالطبع إثر هذه العملية المزورة إلى إبراز الحزب الشيوعي الصيني كحزب "يميني" لا شكّ فيه.
ويجب التفكير بأنّ الإنتهازيين قد سلكوا مثل هذا السلوك لطعن تكتيك لينين عندما طرح السياسة الإقتصادية الجديدة وركزوا بدورهم على "التعامل" مع العناصر البرجوازية و"التهادن" المزعوم معها.
ويمكن تعداد الأمثلة لإثبات أنّه من السسهل بالطبع عندما تكون النيّة سيئة إتهام أي كان بالإنتهازية واليمينية وخاصة إذا ما عمد البعض إلى أخذ فترة معزولة أو تكتيك معين لا يمكن فهمه إلاّ فى إطاره التاريخي. وقد يوافق البعض مرّة أخرى على مثل هذا المنطق ولكنهم يواصلون الإصرار على أنّ الحزب الشيوعي الصيني لم يطبّق شيئا من كلّ هذا. ويكفى الخوض فى مسائل عملية بحتة ليكشف البعض على نقائص فادحة فى هضم المسائل النظرية إذ يتفقون دائما فى المسائل "النظرية" ويظهر الخلاف بإطراد فى أبسط المسائل العملية.
فلماذا تجاهل حزب العمل الوثائق المذكورة؟ ولماذا ترك هذه الوثائق جانبا حيث التكتيك واضح، إهتمّ بالكواليس والإتصالات الثانوية لبعض المرتدّين خاصة؟ إنّه إعتمد هذا السلوك ليقدّم هذه الإتصالات والتصريحات كالتكتيك الوحيد وليطمس بالتالى الخطّ الرسمي كما لجأ إلى مسخ هذا التكتيك بتفكيكه بصفة معزولة وإعتمد على بعض المقولات الصحيحة جوهريا "كالشيطان الأكبر والشيطان الأصغر" أو "النضال من الداخل" ليقدّم نفسه كالمدافع عن النضال من الخارج، إعتمد هذا السلوب ليظهر بالمظهر الثوري الجذري وعبر بذلك ضمنيا عن قبوله الشكلي واللفظي لبعض التنازلات أو التكتيكات ،إعتمد إذن هذه المقولات من أجل تشويه التكتيك وأظهر من خلال تعليقه أنّه يرفض ضمنها إمكانية إستغلال التناقضات فى صلب الأعداء وإمكانية الإستفادة منها وكأنّه من غير المعقول التحالف فى بعض الأحيان وإذا إستلزم الأمر ذلك التحالف مع شيطان صغير أو حتى كبير. فهو يبقى دائما شيطانا كما ذكر ذلك الحزب الشيوعي الصيني.
امّا فيما يخصّ "النضال من الداخل" فقد كان ذلك النضال حتميا طالما لم تعلن القطيعة النهائية خاصة وأنّ الصراع كان يدور حول بياني موسكو وخاصة أنّ بعض الأحزاب المتذبذبة كانت تضمّ فى صفوفها عناصر نزيهة توجب إقناعها سواء بالنضال الفعلي والتأثير فى القيادة أو الإنسلاخ.
ولم يكتف حزب العمل بالتهجّم على جوهر التكتيك بل لجأ إلى إثارة تكتيكات فرعية قدمها حزب العمل مرّة أخرى كمسائل جوهرية وعزلها كالعادة عن إطارها التاريخي وقلب الحقائق رأسا على عقب فتحدث عن مسألة الحدود فإتّهم الحزب الشيوعي الصيني بالشوفينية الضيقة وبتحويل محور الصراع وبضرب ستالين إلخ... بيد أنّ الأحداث الواردة فى الرسائل الرسمية تثبت عكس ذلك.
فقد حاولت القيادة التحريفية السوفياتية الضغط على الحزب الشيوعي الصيني بخلق وضع متفجّر على الحدود وحثّ الأقليات القومية على الإنسلاخ و يمكن لرسالة الحزب الشيوعي الصيني أن تذكر البعض بما قد وقع نسيانه. وقد جاء فى statuquoهذه الرسالة و فى الفقرة المتعلقة بالحدود ما يلى:" لقد إنتهك الإتحاد السوفياتي بصفة متكرّرة الوضع الراهن وتمّ ذلك بعد تطوير أنشطة معادية للصين incidents على الحدود و إحتلّ أراض صينية و أثار بعض الأحداث من قبل قادة الحزب الشيوعي السوفاياتي والأخطر من ذلك أنّ الجانب السوفياتي قام بأنشطة "مدمرة " واسعة النطاق و بصفة مفضوحة فى جهات الحدود الصينية وقد حاول من خلال الصحافة والإذاعة بثّ التفرقة بين الأقليات القومية الصينية وحثّها على الإنسلاخ من الأمة. وإستعمل الوعود والتهديدات من أجل جلب عشرات الآلاف من المواطنين الصينيين إلى الإتحاد السوفياتي ( ص 34 من رسالة 29 شباط 1964).
تبيّن الرسالة أنّ قادة الإتحاد السوفياتي لجأوا فى إطار سياسة الإرهاب والتهديد إلى إثارة مشكلة الحدود ليضغطوا على الحزب الشيوعي الصيني وليحاولوا تحويل محور الصراع لعلّ الحزب الشيوعي الصيني يرضخ إلى مثل هذه التهديدات ويكفّ عن فضح طبيعة التحريفية. ولم يقف قادة الإتحاد السوفياتي عند ذلك بل شجعوا الرجعية الهندية على طرح مسألة الحدود مع الحزب الشيوعي الصيني والدخول فى إستفزازات عسكرية لإلهاء الحزب الشيوعي الصيني بمسائل أخرى قد تمنعه من التركيز على مواجهة التحريفية.
وتفطّن الحزب الشيوعي الصيني إلى هذه الألعوبة الدنيئة وعوض إتخاذ موقف دفاعي فقد إختار تكتيكا هجوميا وكثّف إتصالاته وشجّع رومانيا وغيرها على طرح مسألة الحدود وبالتالى يصبح قادة الإتحاد السوفياتي أنفسهم فى موقع دفاعي إذ تحول هذا السلاح ضده بفضل اليقظة الثورية التى تحلى بها الحزب الشيوعي الصيني،وحتى لا تفتضح النيّة التوسعية لقادة الإتحاد السوفياتي فقد لجأوا إلى الإحتفاظ بموقف دفاعي وعبروا عن ذلك فى رسالتهم المؤرّخة فى 29 تشرين الثاني 1963 ( ص 78-79).
فكيف يمكن إذن إعتبار مسألة الحدود مسألة شوفينية بحتة خاصة وأنّ الصراع كان يستهدف ضرب حزب تحريفي فى السلطة، حزب لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد مع الرفيق ستالين. حتى وإن فرض جدلا أنّ الحزب الشيوعي الصيني هو الذى إلتجأ إلى إثارة قضية الحدود فيبقى التكتيك صحيحا مائة بالمائة إذ لا بدّ من محاصرة التحريفية وتشجيع كلّ الأحزاب على محاصرتها ومحاسبتها على كلّ المستويات خاصة وأنّ هذه التحريفية حاولت تحت شعارات ثورية فى شكلها ضرب ما تبقى من الماركسيين-اللينينيين ولذا وفى كلّ الحالات لا يمكن إعتبار هذه القضية خاصة بالصين فقط ولا يمكن أن تؤدّي ولم تؤد إلى تحويل جوهر الصراع والتفريط فى الناحية الإيديولوجية كما يدعى حزب العمل بل هي فى الحقيقة دعم مادي للصراع الإيديولوجي القائم آنذاك وحجة دامغة تفضح قيادة الإتحاد السوفياتي وتكشف عن نواياها المتستّرة بالوحدة.
يتضح إذن حسب هذا العرض الموجز للظروف التى طرحت فيها مسألة الندوة بعلاقة مع بياني موسكو 57 و 60 ثمّ قضية الحدود أنّ الإتصالات بالاحزاب الأخرى لم تكن لا مبدئية بل كانت مشروطة وتمثلت أهمّ هذه الشروط "فى النضال ضد التحريفية" ( أنظر نص " لنتوحّد حول بياني موسسكو" و "قادة الإتحاد السوفياتي خونة للبيانين") ودعمت وثائق تلك الفترة بما فيها وثائق حزب العمل آنذاك صحة هذا التكتيك إذ وقف حزب العمل إلى جانب الحزب الشيوعي الصيني الذى كان يمثّل الخطر الأساسي بالنسبة للقيادة التحريفية ،هذه القيادة التى حاولت بكلّ الوسائل عزل هذا الحزب من المعسكر الإشتراكي بإختلاق تهم واهية.
ثمّ أتت القطيعة النهائية والمعارضة المكشوفة للمؤتمر ال20 و 22 خاصة لتبيّن مدى تشبّث الحزب الشيوعي الصيني وحزب العمل آنذاك بالمبادئ الماركسية-اللينينية. ولم يقتصر الحزب الشيوعي الصيني على معارضة التحريفية من منطلق ذاتي أو من منطلق شوفيني ولم يكن موقف الحزب الشيوعي الصيني المتجذّر راجعا إلى تعنت التحريفية كما يدعى حزب العمل بل عمل على تعرية جوهر الفكرالتحريفي وضرب التنظير الذى أتى به المؤتمر ال20 ثمّ ذهب إلى أبعد من ذلك فطرح خطر إمكانية إعادة بناء الرأسمالية وأعطى التفاصيل والأسباب العميقة التى يمكن أن تؤدّي إلى هذا التحوّل.
ولكن تجرّا حزب العمل من جديد على الطعن فى كلّ الوثائق المذكورة وغيّر نظرته بعد وفاة الرفيق ماو فلجأ إلى التشكيك لا فى الحزب الشيوعي الصيني فقط بل فى الحركة الشيوعية العالمية التى مثلها آنذاك الحزب الشيوعي الصيني رئيسيا.
فتنكّر حتى لوثائق حزبه أو على الأقلّ تجاهل ما كان قد دوّنه حزب العمل سابقا ، فعندما يعيب أو يرفض فتح النقاش من جديد مع بريجنيف فى كتاب" ملاحظات حول الصين" يتناسى تصريحاته السابقة فيما يخصّ هذه المسألة التى مع حسن الحظّ لم يمكن له فسخها بجرّة قلم ويوجد فى "تاريخ حزب العمل..." بالصفحة 583 ما يلى :" يمثّل سقوط خروتشيف ضربة ساحقة للتحريفية المعاصرة وإنتصارا كبيرا للماركسية-اللينينية ولكلّ القوى الثورية فى العالم.
وبإيجاز إنّ حزب العمل وخاصة خوجة قد كشف فى تعليقاته التى تبدو ثورية كشف عن مفاهيم غريبة لا صلة لها بالعلاقة الرفاقية كما كرّس تحليلا وحيد الجانب وأعطى للوحدة مفهوما مثاليا مفرغا من الصراع ومن وحدة الضدين وخلط بالتالى بين التكتيك والإستراتيجيا تحت غطاء تشويه التكتيك الخاطئ حسب زعمه وإكتفى بالتالى بالإستراتيجيا وإنعزل من جراء تبنيه هذا الموقف وتسبّب فى الإنشقاق وجاءت الإتهامات الموجهة للحزب الشيوعي الصيني جاءت كتبرير لموقفه الإنشقاقي والمعادي لجوهر المسائل التى كان متفقا عليها. فنعت الحزب الشيوعي الصيني بالإنتهازية أو اليمينية نتيجة الغموض النظري والخلط بين التناقضات الثانوية والتناقضات الرئيسية وبالتالى بين الأصدقاء والأعداء. ولحزب العمل تاريخ طويل فيما يخصّ هذه النقاط بالذات وبالتالى فى كلّ ما يرتبط بمسألة التناقضات ومسألة الصراع والوحدة والفرق بين التكتيك والإستراتيجيا إلخ...
أمّا فيما يخصّ النضال ضد العناصر التحريفية المندسة فى صلب الحزب الشيوعي الصيني فقد وقع التعرّض إلى هذه القضية سابقا فى نصّ "الحزب الشيوعي الصيني و مفهوم الصراع الطبقي" حيث وقع تبيان مفهوم وحدة الحزب على كلّ المستويات و بغرتباط الصراع الطبقي و الصراع بين الخطين و تجدر الإشارة إلى أنّ الوثائق الرسمية هي التى رسمت الخطّ العام الذى سار عليه الحزب الشيوعي الصيني هذا الخطّ الذى أراد حزب العمل تشويهه بالإعتماد كالعادة على تصريحات مبعثرة و على تصرفات العناصر المندسّة التى وقع كشفها و حتى التى لم يقع كشفها بعد. فلماذا إرتكز حزب العمل على مسائل ثانوية و على عناصر معينة لم تتمكن رغم الإندساس من تغيير الخطّ العام؟ و لماذا قدم تصريحاتهم و تذبذبهم كخطّ عام لا شكّ فيه؟ إنه أراد من وراء ذلك الطعن لا فى العناصر المندسة بل فى الحزب الشيوعي الصيني وفى الحركة الشيوعية العالمية التى كان يقودها رئيسيا الحزب الشيوعي الصيني. و قد تجاهل حزب العمل بتصرفه هذا الفرق الجوهري بين تواجد عناصر مندسة حتى فى أطر قيادية من جهة وبين تحوّل نوعي لطبيعة الحزب وبالتالى للخطّ العام. فهو يخلط إذن بين حزب شيوعي ماركسي-لينيني وبين حزب تحريفي تحت غطاء وحدة الحزب الصماء و إنطلاقا من مبادئ لا علاقة لها لا بالتجارب السابقة ولا بالواقع الملموس عامة. وهو يساهكم بذلك فى إعطاء فكرة مثالية عن الصراع الطبقي وفى تقديم تحليل وحيد الجانب وتثقيف دغمائي سيؤدّى إثر تبنيه إلى الإستسلام أمام الواقع المغاير أي إلى الإنعزال والثرثرة وقد سبق التأكيد على أنّ الإندساس والكتلوية أشياء موضوعية خارجة عن رغبة أي كان. فقد عاشت الحركة الشيوعية مثل هذه التجارب وإستغلتها لتثقيف الجماهير وتنقية صفوف الحزب. وقد شنّ الحزب الشيوعي الصيني فى هذا الإطار الثورة الثقافية التى من واجب كلّ ماركسي-لينيني فهم إبعادها وضرورتها فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا.
كما شهد حزب العمل نفسه مثل هذا الإندساس الذى تحوّل فى بعض الأحيان إلى كتل و لم يكن هذا الإندساس يتعلّق بعناصر بسيطة بل بكوادر فى المكتب السياسي مثال بليشوفا وتشاغو ( أنظر"تاريخ حزب العمل الباني " الصفحات 483،485، 486).
فهل طعنت الحركة الشيوعية العالمية فى طبيعة حزب العمل آنذاك و هل إستغلّت هذا الإندساس وركزت عليه وأطنبت فى الحديث عنه بصفة سلبية بغية تقديمه كالخطّ العام ، أم أنّها حاولت فهم أبعاد هذا الإندساس وتقديم تثقيف و أساليب عمل مناسبة للتصدّى لإمكانية إعادة البناء؟ إنّ المطروح إذن على القوى الماركسية-اللينينية فهم أسباب الفشل لا إستغلال هذا الفشل للطعن فى التجربة برمّتها وسلب الحركة 30 سنة من النضال الفعلي.
دعم "الأحزاب " الناشئة فى النضال ضد التحريفية :
لقد إدعى حزب العمل أنّ الحزب الشيوعي الصيني لم يقم بواجبه الأممي فهو من جهة لم يناضل ضد التحريفية السوفياتية و لا ضد العناصر التحريفية الصينية ومن جهة أخرى فهو لم يقدّم أي دعم للعناصر الماركسية-اللينينية التى إنسلخت من بعض الأحزاب التحريفية أو حتى من الأحزاب الناشئة.
إنّ النضال ضد التحريفية نضال مبدئي لا يمكن تجزئته وبما أنّه وقع تبيان صمود الحزب الشيوعي الصيني أمام عصابة خروتشيف رغم الإندساس و رغم الضغوطات و التشويهات فمن الطبيعي أن يتخذ هذا الحزب نفس الموقف من الأحزاب التحريفية الأخرى لا إنطلاقا من موقف أممي مدعم نظريا و عمليا.
وقد إندرجت تحركات الحزب الشيوعي الصيني فى هذا الإطار بالذات فأجرى العديد من الإتصالات مع كلّ الأحزاب وساند بكلّ وضوح العناصر الماركسية-اللينينية التى حثّها على الإنسلاخ فى حالة عدم التوصّل إلى الضغط على القادة السائرين فى ركب التحريفية. وقد وقف إلى جانب العناصر الماركسية-اللينينية لا من موقف كتلوي بل من موقف أممي مساند للطبقة العاملة لهذه البلدان. إذ إتضح أنّ الأحزاب التحريفية قد خانت مصالح العمّال فى بلجيكا مثلا وفى الهند وفى غيرها من البلدان ولذلك فقد وقف الحزب الشيوعي الصيني إلى جانب جاك قاريبا ورفاقه آنذاك كما ساند الجناح الماركسي-اللينيني ضد طغمة دانج فى الهند وفعل نفس الشيئ بالنسبة للرفاق الماركسيين –اللينينيين فى أستراليا وفى سيلان وفى البرازيل وفى أمريكا وفى غيرها من البلدان. (أنظر كتاب " القادة السوفيات أكبر إنشقاقيى عصرنا" ص42-58).
كما تثبت رسائل العصابة التحريفية المبعوثة إلى الحزب الشيوعي آنذاك تثبت أنّ الحزب الشيوعي الصيني ناضل فعليا ضد الخطّ التحريفي المتخاذل وسائد بلا تردّد كلّ من تشبّث بالوحدة وبالماركسية-اللينينية ،وقد وقعت الإشارة سابقا إلى أنّ الرسالة التى ورد فيها إتهام الحزب الشيوعي الصيني بحثّ الأحزاب الأخرى على الإنشقاق يوجد فى هذه الرسالة المؤرخة فى 22 شباط 1964 ما يلى : " لقد إتجهت الأحزاب الأخوة فى العالم أجمع و طلبت من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني منذ 4 سنوات ، طلبت منها طرح المشاكل من منطلق المصالح المشتركة والكفّ عن محاولات فرض خطها العام الخاطئ على الحركة الشيوعية العالمية ولكن لم تقتصر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني على إهمال وجهات نظر الأحزاب الأخوة بل بكلّ طموح متزايد تعتبر نفسها الوارث الوحيد لمؤسسى الماركسية-اللينينية والحاكم فيما يتعلّق بالنظرية والممارسة.
إنّ قيادة الحزب الشيوعي الصيني هي التى تحاول الإملاء على الأحزاب الشيوعية فى البلدان الرأسمالية إملاء متى وكيف يجب القيام بالثورة. إنّ قيادة الحزب الشيوعي الصيني هي الوحيدة التى تحكم بدون إمكانية إستئناف الحكم على ما إذا كان هذا البلد أو ذاك إشتراكيا أم لا. إنّ هذه القيادة نفسها هي التى تفرض على العديد من الأحزاب فرض تسمية "صحيح" أو "غير صحيح" و تعلن أنّ هؤلاء ماركسيون و أولئك تحريفيون معاصرون ويقع كلّ ذلك حسب أهوائها". وتواصل الرسالة فى التهجّم و الإدعاء بأنّ الحزب الشيوعي الصيني يريد التصرّف بمفرده فى الحركة وبأنّه يكوّن كتلا موالية إلخ... فكيف يمكن فهم هذه التهجّمات؟ لقد اجاب حزب العمل على ذلك وقال إنّها صراعات بين كتل رجعية فى إطار الهيمنة والإنفراد بالسلطة. لقد أخطأ حزب العمل مرّة أخرى لأنّ الصراع كان صراعا بين الخطين فى صلب الحركة الشيوعية. وقد سبق لخوجة أن إعترف بذلك حتى فى تاريخ حزب العمل ص 499 ،و لكن الآن و بعد وفاة رفيقه فى النضال ،هذا الرفيق الذى طالما مجده ونعته بأحسن النعوت ، الآن وبعد وفاة ماو تسي تونغ غيّر حزب العمل تقييمه وأصبح الصراع المبدئي صراعا رجعيا ولم يكن مبدئيا بالطبع إلاّ بالنسبة لحزب العمل نفسه. وبما أنّ حزب العمل غير قادر على حرق وثائق الحركة الشيوعية العالمية التى لا يعترف بها فى آخر التحليل و التى يطلب مراجعتها إنطلاقا من موقفه الحالي وبما أنّه إذن غير قادر على فعل ذلك فهو بالتالى عاجز عن غسل أدمغة الذين تشبّثوا فعليا بالمبادئ ، فهل تناسى حزب العمل أنّ هذا الحزب الذى قاد الصراع ضد التحريفية والذى وقع إتهامه بشتّى التهم بما فيها محاولة حثّ حزب العمل على "التمرّد" ضد القيادة السوفياتية ، فهل نسي أنّ هذا الحزب كان أوّل من ندّد ببليوشوفا عميل القيادة السوفياتية ويوجد فى رسالة الحزب الشيوعي الصيني المؤرخة فى 27 شباط 1964 ما يلى :" لقد صنعتم من بليشوغا أداة بغية الإطاحة بقيادة حزب العمل الأخ و ببلد صديق و بغية ضرب وحدة المعسكر الإشتراكي و الحركة الشيوعية العالمية وقد كشف الرفاق الأبان عن أعمالكم وقدموا الحلّ الصحيح لمسألة بليشوغا. إنّ قادة الإتحاد السوفياتي هم الذين يتصرّفون بصفة إنشقاقية لا شكّ فيها وتتمّ هذه التصرفات الإنقسامية فى الكواليس ضد حزب أخ آخر" (ص 28).
فكيف يمكن لحزب برجوازي أن يساند حزب العمل وأن يقف إلى جانبه فى النضال ضد التحريفية ؟ وهنا يستحيل على خوجة الإجابة لأننا لا ننطلق من نفس التقييم ولا من نفس المبادئ أولا، وثانيا إنّ حزب العمل لم يعد يعترف بالتاريخ ، ويكذب التاريخ إدعاءات حزب العمل . إنّه يصبح من الغريب حقا تصديق إنسان تطاول على تزوير حقائق تاريخية أو تشويهها حتى وإن كان الأمر يتعلّق بأشياء بسيطة للغاية. فما بالك عندما تتعلق المسألة بمصير الشعوب والإنسانية جمعاء-والأغرب من ذلك هو أنّ يصرّ البعض على عدم الإكتراث بهذه المسألة بالذات وكأنّ شيئا لم يكن. فمن المفروض الإحتراز أو التساؤل على الأقلّ عند أوّل تزوير وإثر أوّل شطحة سياسية وإلاّ فكيف يمكن الحديث عن فكر علمي وعن تحليل مادي جدلي؟ فأين هي المادية الجدلية إذا وقع نفي أوّلا فترة تاريخية كاملة .ثانيا إذا أصبحت الوثائق تأوّل حسب الأهواء فيحتفظ البعض بما يشاء ويتلف ما لا يروق له .إنّ المسألة خطيرة للغاية تجاوزت حدّ التزوير فبلغت الإفتراء المفضوح ومقابل ذلك لم يتصرّف مساندو الحزب الشيوعي الصيني بمثل هذا التعنّت كما لم يلجأوا إلى التزوير بغية الإقناع.
يتحتّم إذن دراسة الوثائق المذكورة فى المراجع على الأقلّ والإطلاع على بعض الأعداد من "أخبار بيكين" التى كانت تخصّص بعد القطيعة النهائية مع التحريفية ركنا للأحزاب الماركسية-اللينينية فى العالم.
لقد شهد العالم هذا الصراع وأقرّ حتى "العالم الحرّ " المزعوم أنّ هناك خلافا إيديولوجيا بين الحزب الشيوعي الصيني والإتحاد السوفياتي ولكن حزب العمل يتصرّف وكأنّه معزول تماما فيتناسى بالتالى أنّ الحزب الشيوعي الصيني هو الذى أطلق تسمية "التحريفية المعاصرة" ثمّ "الإمبريالية الإشتراكية" وهو الذى تصدّى إلى قوى الثورة المضادة وكان الحاجز الرئيسي أمام مناورات التحريفية ممّا أدّى بهذه الأخيرة إلى إعتباره إنحراف ماوي برجوازي فوضوي ( انظر نصّ في الفلسفة الفلسفة) .
وقد يحاول البعض أمام إنعدام الحجّة من جهة وضخامة الوثائق التى تثبت أنّ الحزب الشيوعي الصيني ناضل فعليا ضد التحريفية بل قاد هذا النضال من جهة أخرى قد يحاول التنظير بأن التحريفية تتلوّن وهي تتلوّن بالطبع فيستعملون هذه الحجج لإبراز أنّ الصراع مع قيادة الإتحاد السوفياتي كان صراعا تحريفيا لا غير. ولكن يتجاهلون أنّ هذه الحجج يمكن أن تستعمل ضدهم وأنّه وقع تبيان أنّ تنظير حزب العمل فى جوهره لم يأت بجديد يذكر لأنّ القيادة السوفياتية سبقته فىذلك .
يتضح مرّة أخرى حسب هذا العرض الموجز الذى إعتمد على الوثائق الرسمية لا على أخبار الكواليس المبعثرة والتى يمكن أن تصبح محدّدة فى حالة تحولها إلى سلوك عام يتطابق والخطّ الرسمي المتفق عليه ، يتضح إذن بعد عرض جوهر التكتيك فى التصدّى إلى القيادة السوفياتية والتعرض إلى كلّ الملابسات التى حفّت بالندوة إلخ... يتضح أنّ حزب العمل يريد إيهام البعض أنّ الحزب الشيوعي الصيني لم يناضل البتّة ضد التحريفية بيد أنّ جلّ تراث الحزب الشيوعي الصيني الذى هو نتاج للصراع ضد التحريفية المعاصرة يكاد ينحصر فى هذا الموضوع بالذات، فلا يمكن أن نجد نصّا رسميا لا يعلن فيه العداء المبدئي للتحريفية. ولم يكن هذا الصراع مجرد هدر للطاقات أو صراعا ذاتيا ، بل تولدت عنه حركة ماركسية-لينينية تزعمها الحزب الشيوعي الصيني وتباينت مع التحريفية كلّ التباين كما قدم هذا الصراع تجربة الحركة على كلّ المستويات ورفع الغموض الذى كان يحوم حول المجتمع الإشتراكي بالنسبة للبعض وطرح بكلّ وضوح طبيعة المجتمع الإشتراكي والنواقص التى يتسم بها والتى تستلزم دعم دكتاتورية البروليتاريا بإطراد بغية التقدّم التدريجي نحو إضمحلال الطبقات.
ولم يتعرّض النصّ إلى التهم الأخرى العديدة و المتعلّقة بسلوك أو تصريحات بعض الأفراد ، هذه التصريحات التى قدمها حزب العمل وكأنها الخط العام والتى هي فى الحقيقة متناقضة و جوهر التكتيك المرسوم. وبما أنّ هذه التصريحات الفعلية أو المزعومة لم تشوه الخطّ العام ولم تمنح الحزب الشيوعي الصيني من النضال الفعلي ولم تجر هذا الحزب إلى التهادن والركوع أمام القيادة السوفياتية ( أنظر الوثائق) فهي حتى و إن كانت كلّها أخطاء فالمسألة تهمّ الحركة الماركسية-اللينينية أوّلا وقبل كلّ شيئ فهي مسألة داخلية يقع تقييمها وتجاوزها بعد فهم أسبابها العميقة.
فلا يهدف هذا النصّ إلى تقديم نقد ذاتي إلى بعض التحريفيين أو الدغمائيين وليس للحركة الماركسية-اللينينية أن تفعل ذلك بل يهدف إلى تعرية منطلق هؤلاء والتبيان بالمكشوف أنّ الحزب الشيوعي الصيني ناضل نوعيا وحتى كميا ضد التحريفية ، نعم كميا لأنّه وقع ترويج هذا التراث المترجم إلى عدّ لغات بكميات مهولة وفى شكل كتيبات لا تحصى. إذ لم يكن من صالح الماركسية-اللينينية إبقاء الصراع سرّيا ولذلك فهي عملت على ترويجه حرفيا وبدون تزوير وبدون تبرير خاصة لبعض التنازلات المفروضة آنذاك.
وعلى هذا الأساس إنبثقت حركة ماركسية-لينينية جديدة بعد دحض التنظير التحريفي الذى ألحق بالقوى المضادة للثورة وبالمعسكر الإمبريالي.
يندرج كلّ ما جاء به الحزب الشيوعي الصيني من تطوير للماركسية-اللينينية يندرج فى هذا الإطار بالذات و لا يمكن إعتباره – كما ذهب إلى ذلك حزب العمل- لا يمكن إعتباره إنحرافا فهل التأكيد على ضرورة فهم الصراع الطبقي فى ظلّ الإشتراكية وبالتالى فهم الصراع بين الخطين إنحراف ماوي؟ و هل شنّ الثورة الثقافية ضرب من التحريفية؟ بالطبع لا! وقد وقع دحض ذلك سابقا.
إنّ كلّ الذين يتصوّرون أنّ الإنتصار النهائي قد تحقّق أو قد يتحقّق إثر صعود البروليتاريا إلى السلطة فهم يستخفون بالإنتصار النهائي ويعملون لا على شحذ اليقظة ودعم دكتاتورية البروليتاريا بل على ضرب النظام الإشتراكي فى الصميم وبثّ فكرة إضمحلال الطبقات ضمنيا. وقد سبق لماو أن حذّر من مثل هذا الطرح فقال فى كانون الثاني 1975 قبل إنعقاد المؤتمر الرابع للجمعية الشعبية ،قال:" لماذا قال لينين إنّه يجب تطبيق دكتاتورية البروليتاريا على البرجوازية؟ يجب فهم هذا السؤال فهما صحيحا وإذا لم نفهم هذا السؤال فسنسقط فى التحريفية" ثمّ واصل زيانغ شينكيا ويقول " إنّه يطبق فى بلادنا حاليا نظام بضائعي ونظام أجور ( 8 درجات) نظام غير متعادل ... ولا يمكن لنا سوى التقليص من كلّ هذا تحت دكتاتورية البروليتاريا و لذلك فإذا إرتقى رجال مثل لين بياو إلى السلطة فمن السهل إعادة بناء الرأسمالية. ولذلك يجب دراسة الماركسية-اللينينية وتعميق الدكتاتورية التامة على البرجوازية ".
فبينما ركّز الحزب الشيوعي الصيني التثقيف ضد التحريفية وعمل على توضيح نواقص المجتمع الإشتراكي وأعطى البديل بغية التصدّى اليومي إلى أبسط عمليّات الإندساس ، إستغلّ حزب العمل كلّ ذلك وقدّم تأويلاته الخاصّة فقال إنّه تنظير تحريفي ودعوة إلى ممارسة الرأسمالية إلخ .. فطمس كلّ ما أفرزه الواقع الإشتراكي من جهة وكلّ المكاسب من جهة أخرى. إذ لم يخطر ببال خوجة أن دكتاتورية البروليتاريا لا تمثّل شيئا جامدا بل واقعا ملموسا يجب فهمه فى خضمّ الصراع الطبقي العنيف تارة والهادئ تارة أخرى ويتواصل هذا الصراع بالطبع إلى حدّ القضاء النهائي على الظروف المادية التى تولد إمكانية التبرجز وإمكانية إعادة بناء الرأسمالية.
المصادر :
قادة الاتحاد السوفياتي اكبر انشقاقيي عصرنا,طبعة بكين 1964(في الرسالة المفتوحة الى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي 3
قادة الحزب الشيوعي السوفياتي خونة للبيانين,طبعة بكين 1965(تحرير ريمين ريباو)
سبعة رسائل متبادلة بين الحزب الش,الصيني والحزب الش.السوفياتي(طبعة بكين 1964)
جواب الح الش الصيني على رسالة الح السش السوفياتي المؤرخة في 5 حزيران 1965 طبعة بكين 1964
لنتوحد على اساس بيان موسكوطبعة بكين 1963
- "تاريخ حزب العمل الألباني " تيرانا 1971.
- "ملاحظات حول الصين " تيرانا 1979 .أنور خوجة.
- "الخلاف الأكبر 1960" أنور خوجة
=========================
يجب الرجوع إلى كلّ الرسائل والى كلّ ما كتب فيما يخصّ النضال ضد التحريفية ( الحرب والسلم ، قضية تيتو، رسالة ال25 نقطة، الرجعية الهندية ومسألة الحدود ، الدفاع عن ستالين ، فضح طرح توغلياتي ( إيطاليا) إلخ ...)
كلّ المراجع مكتوبة باللغة الفرنسية.



Commenter cet article