الحركة الطلابية في تونس

Publié le par mohmedalimawi

الحركة الطلابية في تونس
من 1950 الى 1988
الجزء الاول
توطئة :
تعتبر الحركة الطلابية جزءا هاما من الحركة الشبابية عموما التى تمثل بدورها إحدى مكونات الحركة الشعبية ولكن الحركة الطلابية ترتبط بجملة من الظروف التى تتحكم فى ظهورها وتطورها وفى توجهاتها العامة وفق المرحلة التاريخية التى يمر بها المجتمع الذى تنتسب إليه . فالحركة الطلابية فى بلد مستعمر تختلف عن تلك التى تنشط فى بلد إمبريالي أو بلد إشتراكي . وإذا نظرنا إلى الحركة الطلابية فى تونس نرى أنها إرتبطت عموما بالنضال التحرري الذى يخوضه الشعب ضد الهيمنة الإستعمارية المباشرة أو غير المباشرة وضد التخلف الإجتماعي وقد مر هذا النضال بمراحل عديدة توافقت مع مستوى التطور المادي ومستوى الوعي الذى ساد صفوف مناضليها .

1/ بداية التشكل وأشكال التنظيم المبكر :

لقد إنتقل القطر فى أواخر القرن الماضي إلى مستعمرة فرنسية سنة(1881) وذلك فى إطار تقاسم النفوذ بين الدول الإستعمارية الكبرى التى تقاسمت أقطار الوطن العربي . وكانت الأوضاع التعليمية متسمة بالتخلف والتشتت وكانت المؤسسة التعليمية الدينية هي السائدة ( الكتاتيب ، فروع الجامع الأعظم والجامعة الزيتونية ) وقد سجلت هذه المؤسسات تدهورا مستمرا فى مواكبتها لتطور حاجة أبناء الشعب للتعلم .
وحافظت هذه المؤسسات على مستوى متخلف شكلا ومضمونا وإقتصر دورها على خدمة أهداف شرائح الطبقة الإقطاعية وتبليغ إيديولوجيتها وخلق كوادرها ولم تكن محاولات إصلاح هذا التعليم المتكررة لتغير من جوهره . وكان دور المدارس التى أنشأها خير الدين قبيل الحماية محدودا و نخبويا: ( مكتب باردو الحربي ، الصادقية ) ، وسعت السلطة الإستعمارية إلى إهمال هذه المؤسسات التعليمية لتزداد تدهورا وقامت ببعث مؤسسات تعليمية عصرية جعلتها حكرا على أبناء المستعمرين وبعض أبناء المتعاونين معها وهكذا كان عشرات الآلاف من أبناء الشعب عرضة للجهل والامية , فى حين كان البعض من أبناء الفلاحين المتوسطين وبعض الحرفيين والتجار ممن تمكن من دخول الزيتونة يرغمون على الخضوع لظروف مادية بائسة ومناهج تعليمية بالية . أما من إلتحق بالمدارس الإستعمارية وهم قلة نادرة وأغلبهم من أبناء الفئات المحظوظة المرتبطة بالإستعمار الفرنسي فإنهم كانوا يعانون الحيف والإضطهاد ويعاملون كتلاميذ من الدرجة الثانية ( لقد كان العرب فى المدرسة التقنية إميل لوباي يمنعون من دراسة الهندسة) .
أما من تمكن من اللحاق بفرنسا للدراسة ببعض معاهدها فقد كان يلاقى ما يلاقيه أبناء المستعمرات فى عاصمة الإمبراطورية الإستعمارية ( المتروبول) من إضطهاد عنصري هو جزء من سياسة الهيمنة الإمبريالية
على هذه الأرضية تشكلت بدايات الوعي الطالبي ومحاولات التنظم الأولى . لقد كانت المطالب جزئية وإقتصادية فى منطلقها مثل ضمان فرص تعليمية لأبناء الشعب واصلاح التعليم الزيتوني المتخلف والسماح للعرب بمتابعة دراستهم فى مختلف المعاهد العلمية ومساواتهم بالأوروبيين والعناية بالمؤسسات التعليمية المهترءة وإصلاحها وتوفير ظروف مادية أفضل للدراسة والإقامة وضمان العمل للمتخرجين وكانت بدايات التنظم فى إطار لجنة الطالب الزيتوني فى الداخل وإتحاد طلبة شمال إفريقيا المسلمين بالخارج (فرنسا) خاصة بعد التطور الذى عرفه عدد الطلبة (15000) سنة 1950 (بما فى ذلك التلاميذ).
وكانت البداية الفعلية للتنظم خلال سنة 1949 حيث وقع السعي لإقامة " المجلس العام " المكون من نواب أقسام الفروع فى الجهة ويقوم بإنتخاب اللجنة الجهوية. وهكذا أمكن فى 10 أفريل 1950 عقد "البرلمان الزيتوني " المكون من مجموع نواب الجامعة الزيتونية وفروعها وتم إنتخاب "لجنة صوت الطالب الزيتوني " والمصاقة على برنامج عملها المكون من16 نقطة والذي كان فى عمومه مطلبيا صرفا متعلقا بتعصير التعليم الزيتزني وتحسين ظروف الدراسة والإقامة وبالرغم من سيطرة المفاهيم الإصلاحية على الحركة ووقوعها ضمن حدود التأثر بالشرائح الاقطاعية المستنيرة وأقرب لموقف الولاء للحزب الدستوري القديم وهو ما حدا بها إلى المطالبة ببعض الترميمات فى إطار المحافظة على البنية التقليدية للمؤسسات الزيتونية والتوجه إلى السلطة من موقع التعاون والمهادنة والوفاق وهذا ما يفسر علاقة صوت الطالب فى الفترة الأولى بحكومة شنيق التفاوضية وتبرئتها من تهم تسييس المطالب ويعود هذا إلى المواقع الهامة لأبناء الإقطاعيين والبرجوازية الحضرية فى الحركة- وبالرغم من كل ذلك فإن الحركة كان يخترقها تيار قاعدي عارم فرض خوض نضالات واسعة أهمها إضراب 21 أفريل 1950 الذى إستمر إلى آخر السنة الدراسية وإشترك فيه طلبة الزيتونة وفروعها وتلاميذ المعاهد . وقد فرض هذا التيار تواصل الإضراب وتصدى لمهادنات القيادة وطور مطالبه لتتحول من مجرد المطالبة بتخصيص إعتماد 200 مليون فرنك لبناء مقر جديد للجامعة الزيتونية إلى ربط المطالب الجزئية الإقتصادية والتعليمية للطلبة بالنضال العام ضد الهيمنة الإستعمارية . وحاول هذا التيار أن يحول الحركة الطالبية إلى طرف نضالي ضد النهج الإستسلامي التآمري الذى بدأ يبرز من خلال إندفاع بعض قادة الحزب الدستوري الجديد نحو هذا الإتجاه .
وإستمر الصراع داخل لجنة الطالب الزيتوني بين هذين التيارين كتعبير عن الواقع الإجتماعي والسياسي للحركة فى فترة كانت المواجهة ضد الإستعمار المباشر تتصاعد وتأخذ شكل المواجهة العنيفة والدموية فى أقطار المغرب العربي وذلك بدفع من التيار المناهض للإمبريالية عربيا وعالميا فى فترة بدأت فيها الإمبراطوريات الإستعمارية تتداعى تحت ضربات حركات التحرر خاصة تلك التى تقودها أحزاب ماركسية-لينينية مثلما هو الشأن فى الصين والفيتنام .
وكانت حركة الطالب الزيتوني رغم محدوديتها ( للطلبة الزيتونيين أساسا ) وإصلاحيتها وتذبذبها فى مواجهة الإستعمار وعملائه كانت إطارا تنظيميا هاما أسس لتأطير الطلبة كما كانت قاعدة ولو نسبية ومحدودة لطرح المطالب الجزئية فى علاقة بالبعد السياسي بمسألة التحرر الوطني من خلال تواجد تيار قاعدي مناضل فى صفوفها وقد مهدت هذه الحركة لتبلور الوعي بضرورة تنظيم أرقى لعموم طلبة تونس .
2/ الإتحاد العام لطلبة تونس :

فى خضم تصاعد النضالات الوطنية فى تونس ( نضالات فيفري ومارس 1952) والتى تمثلت فى المظاهرات العنيفة ضد الحضور الإستعماري تلك النضالات التى واجهها المستعمرون بحملة عنيفة من القمع الدموي تكون الإتحاد العام لطلبة تونس فى نطاق السرية وذلك يوم 10/02/1952 وكان للحزب الدستوري الجديد بمختلف تياراته وللإتحاد العام التونسي للشغل دور فى دعم الإتحاد العام لطلبة تونس ومساعدته على الإنطلاق ولقد إنخرط الإتحاد من البداية فى خوض النضالات الوطنية وأصدر بيان 16/03/1952 بعد الإجتماع بنواب مختلف المعاهد وعبر عن مساندته للتحركات الشعبية ودعا إلى إلتحاق كل الشباب بالكفاح من أجل نيل الإستقلال الوطني ووقعت الإستجابة لهذا النداء فشن الطلبة والتلاميذ تحركات واسعة بداية من يوم 18/03/1952 .
وهكذا فإنه بعد مدة وجيزة أصبح الإتحاد طرفا فى النضال ضد الإستعمار وأداة تنظيمية لتأطير أرقى للشباب الطلابي والتلمذي وهكذا إنعقد المؤتمر الأول بعد التكوين فى 10/12/13 جويلية 1953 بباريس . وكانت مقررات المؤتمر تؤكد على إلتزام الإتحاد بالنضالات الوطنية وبالإنتماء للشعب والدفاع عن مصالحة والتطلع نحو التعاون والتآزر مع سائر المنظمات الطلابية المناهضة للإستعمار .
ولكن هذا لا يمكن أن يحجب حقيقة تصارع تيارين متفاوتى الأهمية داخل الإتحاد: تيار مهيمن على قيادة المنظمة و كان شديد الإرتباط بشق من القيادة الدستورية التى يتزعمها بورقيبة وتيار قاعدي كان يسعى لضمان إستقلالية المنظمة عن الأحزاب السياسية وخاصة الأطراف المتهادنة مع السلطة الإستعمارية وقد كان لتطور الكفاح الوطني وتنامى المجابهة بين الإستعمار المباشر والشعب دور فى تأجيج هذا الصراع فقد تسارعت الأحداث فى علاقة بإتساع المد التحرري العربي وإنطلاق الكفاح المسلح فى أقطار المغرب الثلاثة وإندفاع أفواج من الشباب من مختلف فئات الشعب وطبقاته لمواجهة الإستعمار فما كان من الإمبرياليين إلا سلوك سياسة عقد صفقات الإستعمار الجديد والتى يتمثل جوهرها فى الحفاظ على المصالح الإستعمارية الأساسية وتغيير أشكال الحضور الإستعماري فى بعض الأقطار وذلك عن طريق إستبدال الإستعمار المباشر بإستعمار غير مباشر مع عزل الفئات الأكثر تجذرا فى حركات التحرر والنزول بكل الثقل لمساندة العملاء الجدد المؤهلين لإستلام السلطة الإستعمارية الجديدة وقد كان لهذه السياسة تأثير مباشر على كل المنظمات وحصلت إنقلابات فى البعض الآخر وجرت غيرها إلى موقع المساندة والتأييد لصفقة الإستعمار الجديد وهذا ما حصل بالنسبة للإتحاد العام لطلبة تونس الذى كانت قيادته مهيأة أكثر من غيرها لمساندة هذا التوجه والإسهام فيه ولكن ذلك لم يمنع التيارات القاعدية فى المنظمة من التباين مع النهج الإستسلامي للقيادة وكانت بذور هذا الصراع تتنامى ولو بنسق متقطع ولكنها أفضت فى النهاية إلى تبلور معارضة جدية داخل الإتحاد كانت ترفض إستعمال المنظمة كبيدق للسلطة وللحزب الدستوري الحاكم وبدأت هذه المعارضة تظهر للسطح خاصة عندما تمكنت من تنظيم تجمع ضخم للتنديد بإغتيال الزعيم الإفريقي باتريس لومنبه سنة 1961 رغم معارضة القيادة الموالية للنظام الذى وقف إلى جانب القوى الإستعمارية فى الكنغو وبالرغم من أن القوى المناهضة للتسلط الدستوري كانت خليطا من القوى السياسية ذات المواقف الإصلاحية فإنها ترجمت فى الواقع عن تنامي مد قاعدي مناهض لحزب الدستور داخل المنظمة التى بدأت إجراءات القمع فيها تتطور مع تطور المواجهة بين النظام ومختلف القوى السياسية المناهضة له، فلئن تمكن النظام فى فترة أولى بعيد القمع الدموي الذى أغرق فيه البلاد إبان فرض صفقة الإستعمار الجديد فى 1955/1956 وذلك بإسناد مباشر من القوات الإستعمارية التى ظلت مرابطة بالقطر لئن تمكن من فترة إستقرار نسبي فإن الأزمة الإقتصادية التى تخبط فيها فى أواخر الخمسينات ولجوءه إلى تطوير أشكال التسيير الإقتصادي وإستعماله لديماغوجيا التعاضد من أجل تطبيق نفس الإختيارات اللاوطنية واللاشعبية فى إطار توجه الإمبريالية فى الستينات للإعتماد على شرائح الكمبرادور البيروقراطي كل ذلك ترافق مع تعزيز هيمنة الحزب على كل المنظمات الجماهيرية هيمنة صادرت كل الهوامش الجزئية ووسعت رقعة المقاومة للنظام الذى دخل فى حملة واسعة لإخضاع كل الفئات الشعبية من عمال وفلاحين صغار وحرفيين لهيمنة الدولة الكمبرادورية الإقطاعية الإقتصادية والسياسية فكانت المواجهات الإجتماعية ( بين الفلاحين والسلطة ) وكانت المحاكمات السياسية المتتالية ضد العديد من الأطراف السياسية التى ناهضت النهج السياسي الموالي للإمبريالية والكابت لكل نفس تحرري فى القطر. وقد وجد هذا الوضع صدى كبيرا لدى الإتحاد العام لطلبة تونس فتتالت داخله عمليات القمع للتيار القاعدي ومورست شتى أشكال العزل من ذلك طرد 10 نواب خلال مؤتمر الكاف ( 15-20 أوت 1963) وحل هيئة باريس وإيقاف بعض عناصر الهيئة الإدارية عن النشاط وكانت نية النظام تتجه لإلغاء الإتحاد ودمجه فى "الجامعة القومية للطلبة الدستوريين" ولكن هذا المخطط مني بالفشل ولم تزد مساعي ضرب المعارضة القاعدية هذه الأخيرة إلا تعميما فتفاعلت مع نضالات الشعب ضد نظام العمالة وشهد الشطر الثاني من الستينات تناميا للمد النضالي فقد أضرب الطلبة وتظاهروا فى سنة 1966 للإحتجاج على الظروف المادية السيئة وواجهوا الإعتقال والتنكيل وكان لهم دور رائد فى المظاهرات الشعبية العارمة التى تمت للتنديد بالعدوان الصهيوني على الأقطار العربية فى جوان 1967 وقد تم خلال هذه المظاهرات مهاجمة الأهداف الإمبريالية ( سفارة بريطانيا ، المركز الثقافي الأمريكي) ورد النظام بالقمع والمحاكمات التى لم تزد الشباب الطالبي إلا تصميما على النضال فتشكلت لجان الدفاع عن المحاكمين ( لجنة بن جنات الذى حوكمب 20 سنة سجنا) وكان واضحا أن تصاعد الرفض الشعبي للنظام يترافق بإستمرار بتنامي صمود الحركات الجماهيرية فى وجه ممثليه داخلها ولذلك كانت القيادة البيروقراطية للإتحاد مضطرة للتراجع أمام المد القاعدي للمحافظة عما هو رئيسي بالنسبة لها وهو ضمان القيادة وتماما مثلما يعمد النظام إلى إستبدال بيادقه فيصرف البيروقراطية الكمبرادورية ليعوضها بالكمبرادور"الليبرالي" ( وهو ما حصل عند التخلى عن التعاضد 69/70) مع الإحتفاظ بجوهر المصالح الطبقية للنظام ولحماية مصالح الإمبرياليين ، كذلك سعى داخل الحركة العمالية والطالبية إلى تقديم تنازلات جزئية للمحافظة على الجوهر وهو لئن نجح فى ذلك فى الإتحاد العام التونسي للشغل ( عندما إستبدل البشير بلاغة بعاشور بعد أن إستبعده بإنقلاب مدبر ) فإنه فضل التنازل أمام حركة المعارضة القاعدية فى الحركة الطالبية وتمكنت هذه الأخيرة من فرض بعض التحويرات الديمقراطية فى مؤتمر المهدية سنة 1969 ( مثل إحداث المكاتب الفيدرالية ) وساهمت فى دفع العمل النقابي المستقل عن النظام فى الجامعة والذى يساعد على المساهمة الفعالة فى النضالات الشبابية ( طلبة وتلاميذ) والشعبية عموما والتى توّجت بالمظاهرات الشهيرة ضد زيارة وزير الخارجية الامريكي روجرز ولكن النظام سيجد نفسه لاحقا أمام خيارين إما أن يتنازل عن موقع القيادة هذه المرة أو أن ينقلب حتى وإن كان الثمن هو تصفية المنظمة و هذا ما سيحصل لاحقا أثناء مؤتمر قربة الشهير.
مؤتمر قربة : حزب الدستور من السيطرة إلى التصفية :

لقد كان من نتيجة تعزز التيار القاعدي داخل الإتحاد وتقدمه فى إفتكاك بعض المواقع داخل هياكل القرار والتسيير فى المنظمة رغم محاولات القمع المتوالية أن تنامى تأثير هذا التيار وخاصة أثناء الإعداد للمؤتمر الثامن عشر فقد تمكنت القاعدة من إنتخاب أغلبية من النواب مناهضة للهيمنة الدستورية على المنظمة ( 105 من جملة 180 نائبا) بقطع النظرعن الإنتماءات السياسية لهذه المعارضة كما نشطت القوى القاعدية والمناهضة للتسلط الدستوري من أجل صياغة لوائح تؤكد على إستقلالية الإتحاد وإلتزامه بمصالح القواعد وإرتباط نضاله بعموم النضال الشعبي من أجل التحرر وكان لهذا التطور دلالته فقد واجه الحزب الدستوري لأول مرة بصورة جدية خطر إفلات المنظمة بشكل نهائي من قبضته إذ لم يعد الأمر مقتصرا هذه المرة على معارضة جزئية وقاعدية بل إنه بات يهدد نفوذه برمته داخل المنظمة وهذا ما حدا به إلى إنجاز إنقلابه الشهير فى أوت 1971 وذلك بالتنسيق بين أجهزته خارج المؤتمر ،مدير الحزب ، الصياح) وأجهزة القمع والسلطة المحلية وجهازه الداخلي ممثلا فى الأقلية الدستورية الممثلة فى 72 نائبا . فقد مارس الدستوريون العنف ضد نائب رئيس المؤتمر ونشروا جوا من العنف والفوضى وصرفوا النواب بالقوة وحالوا دون المصادقة على اللوائح والتنقيحات على قوانين المنظمة ونصبوا هيئة قيادية :مكتب تنفيذي وهيئة إدارية صوريين واعتقدوا إنهم حققوا خطتهم فى إعادة الإتحاد إلى حضيرة الطاعة لحزب الدستور ولكن إنقلابهم فى الحقيقة كان حماقة سياسية فادحة أدت إلى الإفلاس النهائي لحزب الدستور داخل الحركة الطالبية بإعتباره أول من مارس العنف والتنصيب فى أعلى هياكل المؤتمر وبأيدى مسؤوليه الرئيسيين الذين لم يفعلوا غير ما تمليه عليهم عمالتهم للإمبريالية وعداؤهم الدائم لمصالح الشعب و الوطن .

حركة فيفري من مقاومة الإنقلاب إلى التطور النوعي :

لم يقابل الإنقلاب الدستوري بالإستسلام واللامبالاة مثلما توقع النظام ،بل كان حافزا لإندفاع الجماهير الطلابية للمقاومة وبالرغم من التفاوت فى درجات التصميم التى تراوحت بين مجرد التنديد والبحث عن أشكال من التفاعل والتفاهم ( موقف الجماعة التحريفية ) إلى المضي قدما نحو فرض الإرادة القاعدية . فقد كانت البداية مع إمضاء الأغلبية المناهضة للإنقلاب لبيان يفضح العملية الإنقلابية ولا يعترف بالهيئة المنصبة وقد وقعه 105 من نواب المؤتمر. وقد نشط مناضلو الإتحاد لترجمة الإرادة القاعدية فى صيغة التمسك بالمؤتمر الثامن عشر الخارق للعادة والعمل على إنجازه عمليا وذلك خلال أيام 2-3-4-5 فيفري 1972 بالمركب الجامعي وقد شهدت حركة فيفري 72 إلتفافا جماهيريا كبيرا فقد سبقت بسلسلة من الإضرابات والمظاهرات للتنديد بالسياسة الإقتصادية والإجتماعية المعادية لمصالح الشعب وبالسياسة التعليمية الإنتقائية كما نددوا بمحاكمة بعض الطلبة وطرد البعض الآخر وجددوا عدم إعترافهم بالقيادة المنصبة للإتحاد وتتويجا لذلك تجمع بداية من 2 فيفري 1972 حوالي 4000 طالب فى كلية الحقوق وجهوا مذكرة للحكومة للمطالبة بتنظيم مؤتمر إستثنائي وشكلوا للغرض 5 لجان لتنظيم المؤتمر و بدأت مباشرة أعمالها بحضور القاعدة الطلابية .
وكان واضحا أن الحركة ذات زخم قاعدي كبير وذات مضمون متقدم وآخذ فى التبلور نحو موقف أكثر جذرية إذ كان من أبرز شعارات الحركة النضال من أجل تعليم ديمقراطي وجامعة شعبية وثقافة وطنية والنضال من أجل إتحاد حر وديمقراطي وممثل ومساندة النضالات الشعبية ضد الإستغلال والتعسف ومساندة حركات التحرر المناهضة للإمبريالية .
وكان جليا أن الإنقلاب فشل ولم يبق أمام النظام إلا القمع المباشر وهو ما تم عندما تدخلت قوات البوليس فإقتحمت الحرم الجامعي وبدأت حملة طويلة من التعسف والطرد والمحاكمات بيد أن كل ذلك ولد تصميما أكبر وعزما أمضى على تحقيق أهداف الحركة وتجذيرها.
لقد مثلت المواجهة بين الإتحاد العام لطلبة تونس وحزب الدستور درسا ثمينا فى النضال الجماهيري ولعل أهمية هذا الدرس تتجلى فى ما يمكن إستنتاجه : فأول الإستنتاجات أن الإتحاد وإن تواجد فيه حزب الدستور تواجدا مؤثرا ومسيطرا أحيانا لم يكن كما يدعى أعداؤه خلية دستورية بل إنه مثل بؤرة من بؤر النضال ضد هيمنة هذا الحزب وإطارا لفضح سياساته المعادية للمصالح الوطنية والشعبية .
ثانيا ، إن إستقلالية المنظمات الجماهيرية وتوجهاتها الوطنية والتقدمية لا تنزل من السماء وانما هي حصيلة العمل الدؤوب للقوى الوطنية والتقدمية فى صلبها لذلك فإن إشتراط العمل فى هذه المنظمات بنقائها المسبق هو مراهقة سياسية وضيق أفق ينم عن السذاجة فى الممارسة وعن التوجه العدمي التصفوي فى التقييم .ان المكان الطبيعي للقوى المناضلة من أجل التحرر والإنعتاق هو التواجد حيث تتواجد الجماهير والتدرج بالممارسة من خلال النضال اليومي للإرتقاء بالوعي القاعدي إلى مستوى ربط الإقتصادي بالسياسي والخاص بالعام.
وفى هذا الإطار يأتى التقييم الموضوعي لحصيلة العمل داخل أطر الإتحاد العام لطلبة تونس الذى لا يجب أن ينظر إليه خارج حدود الوضع التاريخي الذى تم فيه ومن هذه الزاوية بالذات يجب تقييم الرد على إنقلاب 71 و حركة فيفري 1972 وكذلك برنامج 1973.

فشل القمع و تطور المقاومة :

لم يحقق القمع الذى جابه به النظام حركة فيفري 72 ما كان يتمناه من إستسلام فقد صعد الطلبة من نشاطهم وعززوا العزلة المضروبة حول الهياكل المنصبة وقاطعوا محاولات إنتخاب هيئات الفروع التى سعت إلى تنظيمها وأفضى كل ذلك إلى إستقالة الهيئة الإدارية المنصبة فى ديسمبر 1972 وقد كانت هذه الإستقالة إنتصارا للإرادة القاعدية مما دفع مناضلي الحركة للتقدم فى معالجة الوضع الإستثنائي للإتحاد بطرح برنامج 1973 خلال جلسة عامة عقدت بتاريخ 19 جانفى بكلية الحقوق والعلوم الإقتصادية وبالرغم مما ساد هذا البرنامج من بعض الأوهام حول إمكانية تسليم النظام بنتائج هزيمته السياسية وعدم النظر إلى المواجهة في طابعها العام (مثل الإعتقاد بإمكانية إنجاز المؤتمر الإستثنائي فى عطلة ربيع تلك السنة ) وإقتصار الإنجاز على الأشكال العلنية والأساليب التى لا تحفظ الحد الأدنى من الحصانة فى مواجهة اجهزة القمع وهو ما يترجم فى الواقع أوهاما إصلاحية لدى العديد من الأطراف الفاعلة فى صياغة هذا البرنامج إلا أنه مثل مع ذلك تصورا عمليا لتجاوز حالة الإستثناء التى بات عليها الإتحاد العام لطلبة تونس .
ففى مواجهة سطو النظام على الإتحاد وتنصيبه لهياكل صورية متتالية كان لا بد للمقاطعة القاعدية لتلك الأطر وللإلتفاف الطلابي حول الاتحاد الممثل أن يجد صيغا تنظيمية عملية وقد كانت تلك الصيغ ممثلة فى إنتخاب الهياكل النقابية المؤقتة المشتملة على هيئات فروع مؤقتة وهيئات مكاتب فيدرالية مؤقتة وهيئة اللجنة الجامعية المؤقتة وقد إستطاعت هذه الهياكل رغم حملات القمع المتتالية أن تضمن حدا أدنى من التواجد وتواصل التمثيلية ولو بصورة نسبية طيلة الفترة الإستثنائية التى عرفت شتى أنواع التعسف فقد تعرض مئات المناضلين إلى السجن والتجنيد والطرد وأقام النظام الحرس الجامعي ( قانون ماي 1974) وحاول تمييع التمثيل النقابي بايجاد بدائل ذات صلاحيات نقابية فى إطار الديوان القومي للمشاريع الجامعية أو الرابطات إلخ ... ولما فشل كل ذلك عادت السلطة لعقد مؤتمرات صورية متتالية : مؤتمر المنستير 1975 وبنزرت 1977 وكان نصيبها النبذ من قبل أوسع الجماهير الطلابية بل ان الحركة شهدت تجذرا ملحوظا مع تطور الوعي الوطني الديمقراطي فى الساحة الشعبية والحركة الطالبية وشهدت نهاية السبعينات وبداية الثمانينات تصاعد المواجهة بين الجماهير والنظام ودخلت الطبقة العاملة وسائر فئات الشعب المواجهة ضد النظام من خلال أحداث قصر هلال ومنزل بورقيبة سنة 1977 والإضراب العام فى جانفى 1978 وأحداث قفصة سنة 1980 وإنتفاضة الخبز فى 3 جانفي 1984 . لقد سجلت الحركة الطالبية فى إطار الإتحاد العام لطلبة تونس إنحيازها الكامل إلى جانب الشعب ضد مضطهديه ومستغليه من إمبرياليين وعملاء وقدمت الشهداء فى مختلف الأحداث السالفة الذكر من أمثال فاضل ساسي و فتحى فلاح وحمادى زلوز و محمد همانى فضلا عمن عانوا السجن والطرد وكان للهياكل المؤقتة والتى وقع تعزيزها تباعا دور فى مواكبة هذه النضالات وتأطيرها رغم النقائص العديدة المتأتية من حملات القمع المتتالية التى سلطت على الحركة الشعبية عموما والطالبية خصوصا. وإستغل النظام هذه النقائص ليصعد من إجراءات الإنتقاء ( تحديد الترسيمات الوارد بقانون أوت 1982) وليفاقم وضع التردى المادي الذى باتت عليه المطاعم والمبيتات ومجمل اوضاع الدراسة والإقامة والتنقل. وإزاء تراكم المشاكل المادية وتصاعد سياسة الإنتقاء وتفاقم البطالة بعد التخرج بسبب تطبيق إملاءات صناديق النهب الإمبريالي الفارضة للتضييق على الإنفاق الإجتماعي وعلى الخدمات التعليمية بالدرجة الأولى ،كان لزاما على الحركة الطالبية أن تطور أساليبها وترتقى إلى مستوى المواجهة فتخطو خطوات جريئة لإستعادة القدرة على التأطير والمواكبة وكان لزاما أن يقع التقدم نحو الإنجاز النضالي للمؤتمر 18 الخارق للعادة الذى يستجيب لمتطلبات المرحلة ويقطع مع العشوائية والعفوية التى بدأت تسود فى ظل غياب الأطر الفاعلة والممثلة .
وقد أدرك النظام خطورة هذا الأمر على مخططاته لذلك توجه إلى تحريك طابور خامس داخل الحركة الطالبية لشق وحدة الطلاب وتمثل ذلك فى دفع أتباع التيار الظلامي إلى إنشاء منظمة حزبية فى الجامعة تابعة لهذا الطرف السياسي المرتبط بالإمبريالية كأحد بدائلها التى تسعى من خلال إستعمالها لتأبيد سيطرتها ونهبها و قدلقي انعقاد هذا المؤتمر الانشقاقي كل الدعم من قبل حكومة مزالي على أمل توجيه الطلبة نحو بعضهم البعض وتحويل وجهة الصراع فى نطاق تقاسم الأدوار بين عملاء الإمبريالية .
ولكن إحتداد أزمة النظام واهتراء مؤسساته جعله يعيش وضعا من التآكل الداخلي والتناحر بين الكتل التى حولت العملاء وحلفاءهم إلى أعداء يتناحرون فى إطار الصراع على السلطة ولكن ذلك لم يمنعه من تصعيد قمعه للجماهير الطلابية إثناء حملة 85و 86 التى قادت العديد من الطلاب إلى المحاكمات والتجنيد وأبرزت هذه الحملة مجددا ضرورة إتخاذ خطوات جريئة فى حل أزمة التمثيل الطلابي وإنجاز المؤتمر 18 خ.ع فى إطار خطة نضالية تعمق مساهمة الطلبة فى النضالات الشعبية من أجل التحرر الوطني ومواجهة المخططات الإمبريالية مواجهة فاعلة مستندة على إلتفاف قاعدي قابل للتأطير والتوجيه ضمن هياكل ممثلة تمثيلا فعليا. ولقد مثلت تجربة التجمع النقابي الديمقراطي نموذجا حيا على تطوير قدرات الحركة الطلابية فى مواجهة مهامها المباشرة وكانت البداية مع إنتخاب الهياكل النقابية المؤقتة سنة 1985 كما باشر التجمع النقابي الديمقراطي تنظيم صفوف الطلبة أثناء مواجهتهم لمشروع بن ضياء وإبتكر طريقة الإضراب والتوزيع مع الإنسحاب وصعد من مواجهته لحملات النظام ولسياساته العميلة كما قاد تحركات الشبيبة الطلابية فى مساندتها للطبقة العاملة وتنديدها بهجوم مليشيات النظام على دور الإتحاد العام التونسي للشغل وللتنديد بالغارة الصهيونية على حمام الشط و الغارة الأمريكية على القطر الليبي .
وقد امكن فى كل ذلك الجمع بين مواجهة مستلزمات الحركة المباشرة وتأدية دورها فى النضال الوطني التحرري المعادي للإمبريالية واعوانها ولكن كان لا بد من تجاوز كل ذلك ، كان لا بد من تجاوز النظرة التى لا تعبأ بما هو جزئي ( المشاكل المادية العينية : منحة ، سكن ، سياسة تعليمية، ظروف دراسة ، مشاكل ما بعد التخرج المتمثلة خاصة فى ضمان الشغل ) وتريد التحليق فيما هو عام دون قدرة على ربط ذلك بما هو خاص ، كما لابد من تجاوز الإنحراف الآخر الذى لا هم له إلا الإنكباب على ما هو خاص دون ربطه بما هو عام وشامل أي مجمل السياسة اللاوطنية المملاة من الدوائر الإمبريالية و التى تتنزل ضمنها سياسة العسكرة والدسترة وسياسة القمع والتخريب من الداخل عبر الفرق الظلامية كما كان لا بد من إحكام الربط بين البرنامج النضالي المحقق للإلتحام بالقطاعات الشعبية والبرنامج العملي المحقق لإمتلاك الأداة التنظيمية ووفق هذا الأفق كان التوجه نحو إنجاز المؤتمر 18 الخارق للعادة .
ولقد لاقى هذا السعي إلتفافا قاعديا هاما وكان لتطور الأحداث وخاصة تصاعد الحركة الاضرابية إثر كبير فى ما آلت إليه وقائع الإنجاز إذ أدى إحتداد أزمة النظام وتصارع كتله المتناحرة المسندة من قبل القوى الإمبريالية إلى الإهتراء وحركت الإمبريالية بدائلها المختلفة والتى من ضمنها البديل الظلامي الذى وسع المواجهة مع كتلة بورقيبة وبذلك فسح المجال واسعا أمام إنقلاب 7 نوفمبر 1987 ولقد أفضى ذلك إلى تهافت القوى الإصلاحية وإصطفافها وراء لافتة العمل السياسي والنقابي المساهم .
و بدأ الصراع يأخذ شكل نعم للإنجاز ولكن أي إنجاز ؟ هل ننجز مؤتمر 18 خارقا للعادة يدخل الإتحاد العام لطلبة تونس تحت مظلة السلطة وينهى التاريخ النضالي للإتحاد ويرضى بدور المساهم فى تنفيذ إختيارات مملاة من الدوائر الإمبريالية وتتضارب مع مصالح أبناء الشعب ؟ أم ننجز مؤتمرا يجسد حلقة متقدمة على درب إستعادة النقابة الطلابية المناضلة من أجل حفظ حقوق الطلبة ومصالحهم كجزء من مصالح أوسع الفئات الشعبية ولقد ساد عملية إنجاز المؤتمر 18 الخارق للعادة المنعقد فى ماي 1988 وما تلاها حتى اليوم ونحن على مشارف المؤتمر 19 ساد صراع متعدد الاشكال.
إن الإنجاز بكل أبعاده يعتبر حدثا إيجابيا فرض نفسه على أرض الواقع يساهم فى إستعادة المنظمة الطلابية ووفر بذلك إطارا تنظيميا بالإمكان إستغلاله والنشاط فى صلبه من أجل تأطير الجماهير الطلابية فى مواجهة الإختيارات اللاوطنية المملاة من الدوائر الإمبريالية .
ويعكس الإنجاز موازين قوى معينة ويضع وجها لوجه القوى الوطنية المتمسكة بمكاسب الحركة والساعية إلى جعل الإتحاد خزانا للنضال الوطني من جهة و"جبهة الميثاق الوطني " التى تحاول إيهام الناس بأن الإنجاز هبة لا بد أن يعترف بالجميل لمانحها ويكرس الوفاق الطبقي من جهة ثانية .
فى الحقيقة يعتبر الإنجاز تتويجا لنضالات الحركة ولم يترك للسلطة إلا خيارا واحدا هو الإعتراف بالإتحاد أو التصدى للإنجاز بالعنف وبالتالي إنكشاف زيف اللعبة الديمقراطية منذ البداية وإختار إنقلاب 7/11 نظرا لملابسات الوضع المزايد بالديمقراطية والتأثير فى الإنجاز من داخل الإتحاد عن طريق الفرق الإصلاحية و من خارجه عبر الفرق الظلامية ويسعى النظام من وراء ذلك طبعا إلى التحكم فى مجرى الأحداث ودفع قيادة المنظمة إلى الإنخراط فى الوفاق الطبقي وتزكية "المصالحة الوطنية" وتحويل الإتحاد من منظمة جماهيرية إلى إتحاد شكلي يقتصر دوره على تزكية الإختيارات اللاوطنية أو فى أتعس الحالات لعب دور رجال المطافئ وإخماد التحركات فى الساحة الطلابية والشعبية عموما خاصة وأن إنقلاب 7/11 الحاصل فى هرم السلطة لم يغير فى شيئ من طبيعة النظام ومن الواقع الإقتصادي والسياسي ونظل أمام تصعيد دؤوب لسياسة الإنتقاء و للتفريط فى المجانية النسبية للتعليم. وما زال الطلبة يعانون تدهور أوضاعهم المادية والتعليمية ويواجهون بالطرد والبطالة كما ان هذه السياسة هي جزء من مجمل سياسة التفريط فى خيرات القطر ومصالح الشعب لتكون نهبا للإحتكارات الإمبريالية التى لا تكتفى بالنهب والتجويع بل تمتص الدم والعرق وتغرق القطر فى المديونية وذلك كجزء من الخضوع للأمر الواقع الإمبريالي. وما زال الطلبة يواجهون الأجهزة الرسمية الفارضة لهذه السياسات وأدواتها الحزبية والقمعية ويواجهون الفرق الظلامية التى ليست إلا بديلا إمبرياليا بالغ الخطورة وهم يعولون على منظمتهم الإتحاد العام لطلبة تونس لتأطير نضالاتهم النقابية ضد هذا الواقع بمختلف مكبلاته ولكن دعاة "النقابة المساهمة" طمسوا كل هذه الجوانب وإكتفوا بدور التصدى للفرق الظلامية من موقع التذيل للسلطة .
إن التصدى للفرق التقدمية هذه أن تعي أن الإخوان جزء لا يتجزأ من النظام إذ أن هذا التيار متواجد على المستوى الإقتصادي والسياسي وهو إحدى مكونات الطبقات الحاكمة ولا يجوز بالتالي مواجهة هذا التيار من منطلق التناحر الرجعي على السلطة كما تفعل الإصلاحية بل لا بد من ربط الدعاية ضد الفكر الظلامي بمكونات النظام نفسه وفى إتجاه نسف البدائل الإمبريالية سواء أكانت فى شكل ديني أو "متمدن" إذ أن أكبر خدمة للظلاميين هو تقديم المنتقدين لهم فى ثوب أذيال للسلطة وهذا ما تفعلفه الفرق الإصلاحية اليوم التى إنحازت وبالمكشوف إلى جانب الوفاق الطبقي تحت شعار " الحرية السياسية " .
إننا نواجه فى الحقيقة البدائل الإمبريالية ولذلك لا بد من التأكيد على الطابع المستقل وعلى التطلع الوطني للإتحاد العام لطلبة تونس ولكن هذا يجب أن لا يدفعنا إلى المواقف التصفوية الساذجة التى تشترط فى الإتحاد مواصفات النقابة الحمراء والمنظمة الثورية الصرفة وإلا فإنها ترفض العمل داخلها . إن الوعي بحدود المنظمات الجماهيرية في اشباه المستعمرات وفي ظل الموازين الحالية يدفعنا الى القبول بالتواجد فيها – حيثما تتواجد الجماهير و يتم العمل من أجل تحقيق المكاسب الملموسة لمجموع الطلبة وربط نضالهم بنضال الحركة الشعبية من اجل التحرر والانعتاق ./. 1989





Commenter cet article