الدين فى خدمة الإمبريالية و الأنظمة العميلة

Publié le par mohmedalimawi

(وقع اصدار هذا النص من قبل الشيوعيين الماويين في تونس في صراعهم ضد الاخوان وابادر بإصداره في الحوار المتمدن لان النهضة والتيارات الاسلامية في تونس تهاجم مباشرة حرية المعتقد وتريد فرض الخلافة الاسلامية وضرب مجلة الاحوال الشخصية ونسف كل المكاسب التي تحققت عن طريق النضال ضد الرجعية.فالتيار الاسلامي يعتبر العمل النقابي بدعة وعمل المرأة هو المتسبب في البطالة ويعارض الفن والابداع الفني الخ... من الافكار الرجعية التي يريد تمريرها عبر الايمة الذين احتلوا المساجد وشرعوا في حملاتهم الانتخابية مستغلين الشعور الديني للجماهير العربية .)

لقد تطورت العلوم بمختلف فروعها في القرن ال20 بصفة مذهلة وحقق الانسان تقدما كبيرا في اكتشاف ومعرفة ادق الاشياء في علم الاحياء (كالجينات بالنسبة للحيوان والانسان)واكبر الاشياء كاكتشاف الفضاء ومعرفة الكون واهم مكوناته.واثبت التقدم العلمي السريع سقوط التصورات الخاطئة التي كان الانسان ينسجها حول مختلف المظاهر الطبيعية او الكونية:كمظاهر المناخ وعناصره والكواكب والاقمار والنجوم ومكونات جسم الانسان وعلاقة الانسان بالطبيعة الخ...
ومن المفروض منطقيا ان يتعلمن الانسان في القرنيين الاخيرين بصفة ملحوظة وان يقلع عن الاعتقاد في الاوهام والخرافات ويتحرر من كابوس الخوف من المجهول وينفض عن نفسه ما جاءت به الاديان عبر القرون من تفاسير خاطئة للحياة على الارض. بل ان يزدري تلك التفاسير ويقطع معها نهائيا.لكن الذي حصل عمليا هو ان الطبقات الحاكمة استغلت هذا التقدم لفائدتها وحرمت الجماهير من التسلح بنور العلم بل استعملت العلم من اجل ابقاء الشعوب في الجهل والفقر يؤمنون بالقضاء والقدر.وشجعت الطبقات الحاكمة نشر الاديان ورصدت اموالا طائلة لبناء المعابد واحياء الشعائر الدينية...فانتشر الفكر الديني بصفة مذهلة منذ المنتصف الثاني من القرن العشرين وخاصة بعد السبعينات منه.وبدات المؤسسات الدينية في مختلف انحاء العالم تنتشر كالفقاقيع وتزايد في كل البلدان عدد المشعوذين والمتطبين بل فتحوا العيادات وبصفة قانونية واستغلوا كل الوسائل السمعية البصرية كالانترنات والفضائيات للدعاية والاتصال بالزبائن.ونفض الغبار عن كل الاديان والمعتقدات الموغلة في القدم فاصبحت حية ونشيطة(انظر اديان الهند والصين كالبرهمانية والبوذية والسيخ واديان ايران والعراق وبلاد الشام كالمزدكية او البابلية والزيدية والديانات الاشورية القديمة بكل ما فيها من غريب ومبهم.)
وتاجج حماس الاديان المسماة سماوية وانبرى دعاتها يبشرون بقرب نهاية العالم وضرورة رجوع الانسان لطاعة خالقه ليضمن مكانا له في الجنة.وكل دين له تصوراته للايمان وعبادة الله والالتحاق بالجنة...ودخلت هذه الاديان في منافسة حادة لكسب الانصار ومن الملاحظ ان جل الفرق والمؤسسات الدينية في كل العالم تتميز بتنظيم محكم في انشطتها وتتمتع بمداخيل مالية كبيرة.فمن اين تاتيها هذه الاموال؟ان كل القوى العلمية والشيوعية مطالبة بالاجابة عن هذا السؤال لان الاجابة تكشف حقيقة ارتباطات هذه التنظيمات الدينية بالامبريالية وباكثر الانظمة رجعية.ان القوى الثورية مطالبة بمجابهة هذا المد الجارف من الظلامية الفكرية وانقاذ الجماهير من خطرها المدمر.
ا- الدين مؤسسة بيد الامبريالية والعملاء.
ان الديانة منذ ظهورها في المجتمعات الطبقية هي مؤسسة من مؤسسات الدولة وهي تابعة للسلطة السياسية وهي دعامتها الاساسية كذلك والامثلة على ذلك كثيرة من مصر الفرعونية الى الصين القديمة الى الهند الى بابل واشور فبلاد اليونان في العصر القديم...ومع ظهور الديانة اليهودية ثم المسيحية بعد ذلك اصبح للدين مؤسسات موازية للسلطة السياسية لكن في ارتباط وثيق بهذه السلطة ولاتتعارض معها.فرجال الدين يقومون بعملية الوعظ ويجمعون الضرائب لفائدة الكنيسة او البيعة اليهودية لكن في نفس الوقت يضيفون القدسية على الحاكم ويدعون لطاعته ولايمكن لملك او امبراطور في اوروبا القرون الوسطى مثلا ان يكون شرعيا الا اذا تم تتويجه من قبل البابا.ويهب رجال الدين لنصرة الحاكم و الدفاع عنه كلما تعرض للاخطار.ولم تقف المؤسسات الدينية الا نادرا ضد الحاكم الذي يمثل الله الاكبر في العهد العبودي و الاقطاعي.فكان السيد او الاقطاعي يلجا لرجال الدين لاخضاع عبيده او اقنانه وفي العهد الاقطاعي الاروبي كان الاقطاعيون الكبار يبنون كنائس داخل ممتلكاتهم لمزيد التحكم في اقنانهم الى جانب السجون الخاصة بهم. وكانت الحروب الصليبية احسن دليل على خدمة الكنيسة للسلطة السياسية.
لكن سلطة الدين في اروبا بدات تتراجع منذ نهاية القرن15م.ثم بدات تنهار وتتلاشى مع عصر النهضة والثورة الصناعية في القرن 18.م لان الدين فقد تدريجيا مرتكزاته المادية(انهيار النظام الاقطاعي)وبالتالي مرتكزاته الايديولوجية والفكرية بعد ظهور فكر جديد هو فكر النهضة فكر الانوار الذي قطع مع اللاهوت ودعا الى اعمال العقل واخضاع كل الموروث الفكري الى النقد والتصحيح(انظر موسوعة ديدرواعمال ارازم وروتردام في الانسية) وانفصلت السلطة السياسية نهائيا عن الكنيسة مع الثورة الفرنسية وارست البرجوازية الصاعدة منهجا فكريا لائيكيا يتماشى مع مصالحها الطبقية المتناقضة جذريا مع مصالح الطبقة الاقطاعية المتحالفة مع رجال الدين وفي نهاية القرن 19 و بداية القرن ال20 اصبح الدين مسالة شخصية و تم في اروبا فصل الكنيسة عن الدولة اللائيكية.لكن متى و لماذا عادت السلطة السياسية في البلدان المصنعة الى الدين؟ بعد ان تمكنت الطبقة البرجوازية من الاستيلاء على السلطة السياسية وحققت اهدافها الاقتصادية خاصة في بلدان اروبا الغربية بارساء نمط الانتاج الراسمالي تحولت من قوة تقدمية تثويرية مقارنة بالنظام الاقطاعي التقليدي البائد الى قوة محافظة تقف بعنف في وجه كل من يريد التطوير والسير نحو تحقيق مزيد من الحرية لاغلب الفئات الشعبية والقضاء على كل مظاهر الاستغلال واللامساواة وما المجازر التي ارتكبتها البرجوازية الفرنسية في تحالف مع الدول الرجعية في البلدان المجاورة ضد ثوار كمونة باريس الا دليلا على هذا التوجه العكسي التراجعي لسياسة البرجوازية ومنذ نهاية القرن 19( أي ما يقارب 60 او70 سنة على افتكاك السلطة) تحولت البرجوازية الى قوة استعمارية توسعية في افريقيا واسيا فاحتاجت من جديد الى الدين تستخدمه كغطاء لاطماعها الاقتصادية واهدافها العدوانية ضد شعوب المستعمرات فارسل المبشرون باتجاه جل بلدان افريقيا واسيا كتمهيد للغزو العسكري و في الحقيقة مثل ظهور فكر الطبقة العاملة و"شبح الشيوعية" منذ منتصف القرن 19 الخطر الحقيقي الذي يخيف البرجوازية ويدفعها الى الاحتماء بالدين و التحالف مع رجال الدين للحفاظ على مصالحها المتضاربة مع مصالح البروليتاريا وبقية الطبقات الطامحة لمزيد التغييرالثوري.
لكن احياء الدين بصفة قوية ومدروسة قد تم عمليا بعد نجاح ثورة اكتوبر 1917 في روسيا القيصرية.فقد اغدقت الامبريالية الاموال الطائلة لتخريب الدولة الاشتراكية الفتية فجندت الاف الجواسيس والمخبرين في اطار هجوماتها العسكرية المكشوفة ثم بعثت العديد من المنظمات ووسائل الاعلام المعادية للشيوعية والفكر العلمي ومن ضمنها المنظمات الدينية تحت تسميات مختلفة وهكذا عادت البرجوازية الحاكمة الى سلاح الدين تستعمله ضد قوى الثورة والتغيير في العالم.وهكذا انتعشت الكنيسة المسيحية وكل الطوائف المسيحية بما توفر لها من دعم مالي كبير واصبحت تعمل بتخطيط و توجيه من الاجهزة المخابرتية بجل البلدان الامبريالية وخاصة منها الامبريالية الامريكية.
اما بالنسبة للدين الاسلامي وظاهرة ما يسمى بالجهاد ضد الاستعمار والتي يريد الزعماء الاسلاميون ان يخفوا بها جوهر الاهداف الرجعية من استعمال الدين فتتطلب وقفة اطول وتحليلا اعمق. فالإسلام في الحقيقة يختلف جزئيا عن اليهودية والمسيحية وهذا احدث بعض اللبس في فهم الحركات الإسلامية الحالية لدى العديد من القوى الوطنية وحتى بعض القوى الثورية التي انبهرت بالعمل العسكري الذي تخوضه الحركات الإسلامية.
ان اختلاف الإسلام مع اليهودية والمسيحية يكمن في انه دين جاء من بعد ووضع هدفا سياسيا وهو بناء دولة في شبه الجزيرة العربية التي تتعرض للخطر الفارسي من الشرق والخطر البيزنطي من الشمال والجنوب وكانت تعاني في الداخل من الصراع الحاد والمتواصل بين القبائل. فأراد محمد ان يوحد القبائل العربية ليبني دولة قادرة على الصمود في وجه الغزو الفارسي والغزو البيزنطي.لكن بناء دولة جديدة يحتاج الى فكر تعبوي وإيديولوجيا جديدة.ولا يمكن ان تستسيغ القبائل في القرن السادس ميلادي إلا الخطاب الديني.وقد ظهرت بمكة كأهم مدينة تجارية ودينية مجموعة من المفكرين انشغلت كثيرا بالأخطار التي تهدد مكة وشبه الجزيرة عامة وكانت عناصرها تلتقي لمناقشة القضايا السياسية والفكرية الهامة وعرفت هذه المجموعة باسم الأحناف (1) واختار الأحناف أفضل شخص في مكة حسب تقديرهم ليضع أفكارهم وتصوراتهم حيز التنفيذ وقد كان هذا الشخص هو محمد بن عبد الله بن المطلب والذي يمكن ان يكون من هذه المجموعة الفكرية وتنتمي أسرة محمد إلى أعيان مكة مما جعله يحظى باحترام وتقدير كبيرين.وقد أوعز إلى الأحبار بمكة (يهودي ولعله ايضا من عناصر الأحناف) بالتكهن بنبوة محمد ونشر ذلك بين سكان مكة.وكان محمد فعلا مهيأ للعب هذا الدور بما انه كان بدوره منشغلا بمستقبل مكة أمام الأخطار الخارجية والداخلية وقد سبق ان لعب أدوارا ايجابية في حل النزاعات بين الأسر المكية مما جعل المكيين يثقون به و يلقنوه بالأمين.وهكذا فان محمد في الحقيقة كان رجل سياسة ركب الدين للوصول الى أهدافه وفي اعتماده على الإيديولوجية الدينية فقد حافظ محمد على جوهر ما جاء في اليهودية والمسيحية واعتبر الاسلام مكملا لهما.فقد أكد محمد في القران على مسالة الثواب والعقاب بعد الموت اي ما يعرف بيوم القيامة-ثواب المطيع الممتثل لاوامر"اولي الامر" وما ورد في التعاليم الدينية بخلوده الى الابد في الجنة وعقاب المتمرد غير المنضبط للحاكم الديني بخلوده في جهنم.فالاسلام اعتمد ما جاء في كل اديان الشرق من مفهوم الترهيب والترغيب لجلب الانصار والانتشار بسرعة في مختلف المجتمعات.كما أكد الاسلام مثل المسيحية واليهودية على ارتباط مصير الانسان بقوة ما ورائية قاهرة وعجزه امامها وضرورة انضباطه لها وبالتالي تسليم مصيره لها و لمن يمثلها من رجال الدين.لكن الاسلام تميز عن اليهودية والمسيحية في انه لم يكن فقط دين و عبادة وإنما ايضا برنامجا لتنظيم العلاقات بين المسلمين من ناحية وبين المسلمين وغير المسلمين من ناحية اخرى ولهذا فان الدين الاسلامي ظهر على عكس الاديان الاخرى وكانه الاكثر اهتماما بالعلاقات الاجتماعية والحياة المادية للناس لكنه طبق العلاقات الاجتماعية والانشطة الاقتصادية التي كانت سائدة.
في عهد محمد اي العلاقات بين الاسياد والموالي والعبيد والاقطاعيين والاقنان والعلاقة بين الرجل والمراة وغير ذلك...لذلك فان رموز الاسلاميين حاليا يدعون بانه دين"عبادة وعمل" وانه صالح لكل زمان ومكان والمدارسية التفقهية الاسلامية العديدة وكذلك المجموعات الاسلامية منذ امد بعيد كانت في الحقيقة تؤكد على هذه الميزة وتحاول ان تنقذ الاسلام كدين من الانهيار والاضمحلال وتحاول ان تعصرنه وتجعله يتأقلم مع التحولات الجديدة.
فالاسلام كدين في الواقع انتهت مهمته وفاعليته بمجرد بناء الدولة العربية الاسلامية التي كونها محمد في شبه الجزيرة العربية فخلفاء محمد قد تحولوا الى رجال دولة اكثر منهم الى رجال دين فهم يهتمون بما يسمى"فتوحات"كمورد للثروات(غنائم- ضرائب على المسلمين وجزية على الذميين) والسيطرة على الطرقات التجارية بين الشرق والغرب قبل ان تكون لنشر الدين. وتاكد هذا السلوك اكثر في العهد الاموي ثم العباسي والدليل على ذلك تعدد حركات المعارضة والثورات الاجتماعية ضد الدولة الاسلامية:ثورات العبيد "الزنج"ثورات الموالي في الشرق وبلاد المغرب وظهرت حركات تدعو حتى الى التخلي عن الشريعة الاسلامية باعتبارها تقر اللامساواة والتفاوت الطبقي وتشرع الاضطهاد واستغلال الانسان للإنسان مثل حركات القرامطة...
ومنذ القرن 11 م.عندما ضعفت السلطة المركزية في الدولة العربية الاسلامية اصبح الدين الاسلامي أداة بيد قوميات متصارعة على السلطة تطوعه حسب اهدافها ومصالحها وبذلك ظهرت الطوائف المتناحرة في الشرق والغرب من الخلافة مثل الطوائف الشيعية بكل انواعها وقد احتضنتها خاصة القوميات الايرانية(الفرس ) والطوائف السنية وهي تمثل الدين الرسمي لذلك فان جل متبعي الطائفة السنية هم من العرب ثم من الاتراك والاكراد الذين كانوا في صراع متواصل مع الفرس على السلطة وظهرت في بلاد المغرب حركة طائفية ذات خلفية عرقية هي الحركة الموحدية بقيادة الامازيغي محمد بن تومرت الذي جاء بخليط من الفكر السني الشيعي والتصورات الشعبية الموروثة كما ظهرت طوائف دينية منافية تماما للشيعة والسنة وهي نتيجة لحركات صوفية مثل الطائفة الدرزية وهي رغم انحدارها من فرع من فروع الشيعية فانها تعتبر دينا جديدا منافيا تماما لجوهر الاسلام وقد يكون اقرب الى المسيحية او حتى الى التودية.
وهكذا فتح الباب امام كل انواع الشعوذة والخرافات التي ستغرق فيها كل شعوب ما عرف بالعالم الاسلامي لعدة قرون.وساهم عامل خارجي زيادة عن العوامل الداخلية في ترسيخ الفكر الديني الخرافي وهو الحروب الصليبية التي نظمتها الكنيسة كحل للخروج من الازمات الاجتماعية والاقتصادية الحادة التي كانت تتخبط فيها شعوب اروبا في القرن ال10 وال11 ميلادي.وفي مواجهة هذه الحملات العسكرية التي نظمتها دول اروبا الغربية تحت غطاء الكنيسة وراية الصليب واجهتها شعوب المشرق العربي براية الاسلام و الهلال وهنا تم احياء الاسلام المقاتل أو ما يعرف بالجهاد ولعب مماليك مصر دورا بارزا في قتال الصلبيين في بلاد الشام وظهرت مجموعات اسلامية مقاتلة"انتحارية" تعرف بالحشاشين لانهم كانوا قبل انطلاقهم من قلاعهم قرب غور الاردن يتناولون الحشيش ليتشجعوا اكثر على تقبل الموت والانتحار لتحقيق المهمة العسكرية ضد العدو الصليبي خاصة في فلسطين ورغم تمكن الصلبيين من اقامة عدة امارات مسيحية خاصة في سوريا و لبنان و فلسطين فان الكنيسة المسيحية وقعت منذ بداية القرن13 في ازمة حادة بدأت تفقد هيمنتها ومصداقيتها لدى الاروبيين لأنها لم تجلب حلولا لمشاكلهم كما كانت تعد بذلك وان الثروات المنهوبة لم يتمتع بها الا رجال الدين و الملوك و أمراء الحرب و التجار الكبار خاصة من جنوة والبندقية.وتعمقت ازمة الكنيسة اكثر عند نهاية الحروب الصليبية وانهزام الاروبيين وانسحابهم من المشرق العربي وتعتبر ازمة الكنيسة في اروبا بداية نهضة الاروبيين الذين اكتشفوا زيف وعود رجال الدين بالسعادة الوهمية وشرعوا في البحث عن حل مشاكلهم على الارض بالاعتماد على العقل و البحوث العلمية (2) وساهمت البرجوازية التجارية الناشئة خاصة بايطاليا في زعزعة الأسس المادية للاقطاعية ونزع الهيبة عن الكنيسة و القيم الدينية و بذلك بدا العقل الاروبي يتحرر من كابوس الدين وستنطلق النهضة الاروبية التي ستخلق انسانا جديدا باروبا في القرن 17 و18م.
وعلى العكس من الوضع في العالم المسيحي فقد انغلقت المجتمعات الاسلامية على نفسها اكثر من أي وقت مضى وتشبثت بالفكر الديني معتبرة اياه المخلص من الاحتلال الصليبي.فهزيمة الدين المسيحي عاد على اروبيين بالتحرر والمسك بمناهج العلم والتقدم اما انتصار العرب اعتمادا على الدين كايديولوجيا فقد ادى بهم الى مزيد الانهيار والتخلف والانقسام(3) مما جعلهم يسقطون بسهولة تحت الاحتلال العثماني الذي تستر بغطاء الدين ليسيطر على شعوب اروبا الشرقية والبلقان وجل الاقطار العربية فرسخ العلاقات الاقطاعية والقيم التقليدية البائدة لعدة قرون اخرى ولم تصح امم و شعوب العالم الاسلامي الا بقوة اصوات مدافع الاستعمار الاروبي في القرن ال19م.وقد صدمت جماهير المنطقة بمدى التطور التكنولوجي الاروبي والبون الشاسع بينها و بين الاروبيين.ومنذ نهاية القرن ال19 كانت جماهير الوطن العربي ونخبها الفكرية تصارع على واجهتين في نفس الوقت جبهة الاقطاعيين ورجال الدين وجبهة الاستعمار الاروبي المباشر وقد انتهت الجبهتان الى التحالف ضد الجماهير والوطنيين خاصة في بداية القرن العشرين.وفي الوقت الذي حققت فيه القوى الوطنية والحركات والمنظمات الشيوعية في الوطن العربي تقدما كبيرا في الحسم في الفكر الديني ومؤسساته الرجعية قامت الدول الاستعمارية بدعم الحركات الدينية واحياء الفكر السلفي الذي تحتاجه في صراعها ضد التيارات العلمية والدول الاشتراكية الناشئة.فجل الحركات الاسلامية المعروفة حاليا هي من صنع الدول الامبريالية:الاخوان المسلمون-الحركة الوهابية من قبلها وحركة الدعوة والتبليغ التي انطلقت من الباكستان لتنتشر بجل بلدان اسيا وافرييقيا وغيرها...
وهكذا فان الدين الذي هو وليد المجتمعات البدائية وانماط الانتاج العبودية والاقطاعية التي كان فيها الانسان عاجزا عن تفسير العالم وكل مظاهرالحياة لانه لم يكن يملك القدرة العلمية على فهم وشرح المخاطر التي تحيط به سواء كانت ناتجة عن القوى الطبيعية او عن العلاقات الاجتماعية السائدة.هذا الدين بكل مسمياته الذي من المفروض ان يكون قد ولى زمانه يعود الان بقوة كبيرة ويتعايش جنبا الى جنب مع اكثر العلوم تطورا وتناقضا معه.بل ان الحركات الدينية وخاصة منها الاسلامية اصبحت تطرح كبدائل سياسية في جل بلدان اسيا وافريقيا.وهذا كله بفعل الدعم اللامحدود الذي تتلقاه الحركات الاسلامية من القوى الامبريالية والانظمة الرجعية العميلة مثل امراء الخليج في الوطن العربي.
وقد فهمت الدول الامبريالية ان سيطرتها على شعوب اسيا وافريقيا لا يمكن ان تدوم الا بدعم القوى الدينية وزرع الاقتتال الطائفي لتجد الامبريالية مبررا لتدخلها المتواصل ونهبها للثروات دون عناء.والامبريالية الامريكية تتحدث الان بعد تجربتها في افغنستان والعراق والصومال ولبنان وفلسطين عن "الفوضى الخلافة" أي تنشر الفوضى والاقتتال الطائفي لتتدخل هي وتخلق وضعا جديدا طبعا يتماشى مع مصالحها أي مصالح الشركات العابرة للقارات وكبار الراسماليين واصحاب منتدى دافوس.وقد فهم الامبرياليون ايضا طبيعة الدين الاسلامي واستغلوه احسن استغلال في زرع هذه الفوضى وضرب كل القوى الشيوعية والوطنية.فالقاعدة(بن لادن)وطالبان هي من صنع الامبريالية الامريكية وكذلك جل الحركات الاسلامية المتقاتلة الان في العراق قد دخلت العراق على دبابات الجيش الامريكي او البريطاني بل ان الخميني رمز الحركات الشيعية في ايران والوطن العربي قد احتضنته الامبريالية الفرنسية واوصلته الى السلطة على حساب القوى الثورية الايرانية وما تزال القوى الامبريالية تزرع المزيد من هذه الحركات تحت اسماء مختلفة:حماس والجهاد في فلسطين-المحاكم الاسلامية في الصومال-الاخوان في مصر والسودان-حزب التحرير في الاردن وغيرها من الاقطار العربية- جبهة الانقاذ والقوى السلفية التابعة للقاعدة في الجزائر وبقية بلدان المغرب-حزب الله وفتح الاسلام وجند الشام وانصار الاسلام...والى غير ذلك من المجموعات في لبنان.وقد تكشف لنا الايام القادمة اسماء اخرى كثيرة خاصة في الوطن العربي الذي تستهدفه القوى الامبريالية وتعد له خريطة سياسية جديدة في اطار اعادة تقسيم العالم واقتسام ثرواته.وتستعمل الامبريالية دوما سياسة فرق تسد فهي تخلق حماس للضغط على عرفات او فتح ثم تستعمل فتح للضغط على حماس الخ...
فما هو موقف الثوريين من الظاهرة الدينية عامة ومن الحركات المسلحة الاسلامية في الوطن العربي خاصة؟
ان الموقف الشيوعي من الدين واضح وله مرجعيته الفكرية.فالدين هو جزء من البنية الفوقية للمجتمعات الطبقية وهو بداية النشاط الفكري عند الإنسان أو هو بداية البحث في جوهر المظاهر الطبيعية وما ينتج عنها من اخطار تهدده. فالإنسان هو خالق دينه وخالق إلهه الذي سيتكفل برد الاخطار الطبيعية عنه وسيجيبه عن كل المسائل التي عجز عن فهمها وبالتالي يحقق له الطمانينة والراحة النفسية.
اما بعد استقرار الانسان وظهور الطبقات الاجتماعية فان الدين اصبح دوره- الى جانب توفير الراحة النفسية- تلطيف الاستغلال الطبقي او طمس الصراع الطبقي وتأبيد استغلال الانسان للانسان.فمنذ ان ظهرت المجتمعات الطبقية توقف الدين عن كونه محاولات للبحث والتفكير ليصبح اداة بيد طبقة او ائتلاف طبقي ضد طبقات اجتماعية اخرى يقع استغلال ايمانها لابقائها تحت الطاعة.فالدين هنا يصبح مكبلا للطبقات المستغلة لانه يهيؤها للاستكانة وقبول امر الواقع على انه قدر محتوم وفي نفس الوقت يمثل افيونها في عالم التعاسة والظلم(4) لذلك فان ماركس اعتبر"ان نقد الدين هو الشرط الأساسي لكل نقد"(5)لان الدين كان و لعله مازال يمثل العقبة الكأداء أمام تحرر الفكر الإنساني"فهو الوعي بالعالم مقلوبا"(6) وقام انجلز بنقد الدين وذلك في مقاله"حرب الفلاحين"وفي كتابه"الاسهام في تاريخ المسيحية الاولى"وفي الانتي ديهرينغ" و"الايديولوجيا الالمانية"اما لينين فقد أكد على دقة التعامل مع الدين قبل الثورة وبعدها. فبين ان الدين يجب ان يبقى مسالة شخصية وان عملية الدعاية والتوعية بين العمال والفلاحين وعامة الجماهير ضرورة ملحة على الاشتراكيين وكرر بأنه لا يجب تجريح العمال والفلاحين او التهجم عليهم"لان أصل الاوهام الدينية تكمن في البؤس والجهل الذي يجب ان نحاربه"(7) لكن لينين بقدر ما كان مرنا في التعامل مع الجماهير المتدينة فقد كان حازما الى حد كبير مع مناضلي الحزب البلشفي الذين اشترط فيهم الحسم في الفكر الديني"ان الدين بالنسبة لحزب البروليتاريا ليس مسالة شخصية ان حزبنا هو جمعية مناضلين واعيين وطليعيين يقاتلون في سبيل تحرير الطبقة العاملة...ولا يستطيع حزبنا ان يظل غير مهتم بغياب الوعي و بالجهل وبالظلامية المصطبغة باعتقادات دينية..."(8)
وقد واصل الحزب الشيوعي الصيني تعميق الموقف من الدين خاصة أثناء الثورة الثقافية الكبرى وقد ركز ماو على الديانات المعروفة في الصين مثل البوذية والكونفشوسية والتاوية كايديولوجيا للطبقات المستغلة في الصين قبل الثورة وقد كانت هذه معرقلا كبيرا لانتشار الفكر العلمي بين الجماهير.
أما بالنسبة للشيوعيين في الوطن العربي فان نقدهم للدين محتشم جدا وذلك يعود اما الى خوفهم من قمع الانظمة الرجعية العميلة والتيوقراطية او الى ضعفهم الايديولوجي(10) فانطبق عليهم قول لينين:"يمكن ان تكون على طريقة دورينيغ ماديين وملحدين ومع ذلك تفتقد الصلابة الايديولوجية فتقع في مجاملة الدين و"الفلسفة الدينية"باحثين لاعن تقويضها بل عن إصلاحها"(11) وانتشرت هذه الموجة من مجاملة الدين خاصة منذ الثمانينات من القرن الماضي فأصبحنا نسمع كلاما عن وطنية الحركات الاسلامية صنيعة الامبريالية هنا ونضالية حركة اسلامية مسلحة هناك.واختلطت السبل على الكثير من "الثوريين" مغترين بالعمليات العسكرية التي تقوم بها بعض الحركات الاسلامية سواء في فلسطين او لبنان منبهرين بما تحققه هذه الحركات من نجاحات قتالية لكن غير مدركين للاهداف الاستراتيجية لهذه الحركات ولا للقوى التي تمولها وتحركها من اجل اشعال الفتنة وفرض واقع الطائفية والاقتتال الدائم والتصدي من خلال هذه السياسة الى بروز الطرح الوطني المعادي فعليا لكل البدائل الامبريالية رجعية كانت ام اصلاحية.فالحركات الاسلامية مسلحة كانت ام غير مسلحة هي من صنع الامبريالية او هي امتداد للقوى الاقليمية الرجعية ولا يمكنها ان تحمل الا مشروعا رجعيا معاديا للجماهير الشعبية ومعاديا للتحرر.فالقتال بالنسبة لهذه الحركات هو قتال ضد الكافر قبل ان يكون ضد المحتل بل ان البعض يتعامل جهرا مع المحتل ويدعي القتال وهو قتال لنشر الدين او الالتحاق بالجنة وليس لتحرير الوطن وتحقيق الحرية والانعتاق للشعب والتضحية من اجل ذلك عن وعي وعن اقتناع.ان النضال ضد الامبريالية والاستعمار يتطلب مقاتلين يحملون فكرا علميا ثوريا او مشروعا تحرريا يؤمن بحق الشعب في الارض والحرية والكرامة الوطنية .صحيح ان السلطة تنبع من فوهة البندقية لكن يجب ان ننتبه الى الفكر الذي يقود البندقية.ولننظر الى ما تفعله الان الحركات الطائفية في العراق وما يقوم به الاسلاميون السلفيون في الجزائر وحتى ما تقوم به حماس من جرائم في فلسطين بتعلة الرد على جرائم فتح ولنتصور ان تنتصر طالبان وتعود الى السلطة فاي قوانين ومشاريع ستطبق؟

ان الحركات الدينية قد ولى عهدها ولايمكنها ان تكون ابدا حركات تحرر وطني وهي في احسن الاحوال تحمل مشاريع رجعية لاتوحد الجماهير بل تشتتها وتدخلها في صراعات طائفية او صراع بين مؤمن وملحد بينما الفكر العلمي فكرا يوحد الجماهير كما ان الطرح الوطني يوحد الشعب ضد المحتل و يحرره من مستغليه كما ان الفكر العلمي فكر اممي يسعى الى توحيد كل مضطهدي العالم ضد جلاديهم من استعماريين وعملاء ورجعيين واقطاعيين متسترين بالدين.

المراجع:
1النزعات المادية في الفلسفة الاسلامية حسين مروة ج1ص332-333
2 سهيل زكار الحروب الصليبية
3 ايبول
4-ماركس نقد فلسفة الحق عند هيقل- 5 و6 نفس المرجع
7 لينين الاشتراكية و الدين. 9 و8 و11 نفس المرجع
10 باستثناء" نقد الفكر الديني"للصادق جلال العظم والذي أكد خاصة على المسيحية لا نجد نقدا جذريا و علميا للدين الاسلامي في الوطن العربي.
( جوان07 )

Commenter cet article