تونس :الوضع إلى أين؟

Publié le par mohmedalimawi

أمام تواصل مناورات الحكومة المؤقتة الساعية إلى الالتفاف على مكاسب الانتفاضة وإلى إعادة الاعتبار إلى الدساترة ، وأمام الزحف السلفي الظلامي الذي يزرع الطائفية ويروج القيم الإقطاعية القروسطية ، تبدي الجماهير الشعبية خوفا واضحا من عودة الدساترة في ثوب جديد مدعومين من الامبريالية الأمريكية والفرنسية ومن بعض العملاء الجدد المراهنين على أصوات التجمعيين في الانتخابات المقبلة كما تبدي تخوفا كبيرا من تأثير الإخوانجية في القوانين المزمع إصدارها في الحياة العامة ، خاصة وأن هذه الأطراف الرجعية قد شرعت بعد في محاربة المكتسبات التي حققتها الجماهير مثل حقوق المرأة والصبغة المدنية لجل القوانين التي تتباين مع الشريعة وترفضها كقانون يحكم المجتمع . وتطرح الجماهير العديد من التساؤلات حول آفاق المستقبل وطبيعة القوى المتصارعة على الساحة السياسية ومدى مصداقية الانتخابات القادمة .
1 - القوى المتصارعة
إن الصراع الحالي يدور اولا بين الامبريالية وتحديدا الامبريالية الفرنسية والامريكية والعملاء من جهة وبين كل الطبقات الشعبية من جهة ثانية ، وهو صراع وإن شهد بعض الخفوت واتخذ أشكالا متنوعة فانه لم يهدأ بعد ، وتحاول الامبريالية بمساعدة العملاء المحليين تحويل وجهة الصراع وجعله ينحصر في صراع الكتل الحزبية التي لا تعارض السياسة الامبريالية والتي تحاول المحافظة على نفس الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والاكتفاء بترميم النظام والقيام ببعض الإصلاحات الوقتية في إطار ما يسمى بدولة القانون أو بالمجتمع المدني أو بالجمهورية المدنية كما يحلو "للعائلة الوطنية الديمقراطية" تسميتها . فهناك بصفة مبسطة- و في انتظار تحليل طبقي لكل الأحزاب التي حصلت على تأشيرة العمل القانوني - والتي بلغ عددها 60 حزبا تقريبا - هناك ثلاث قوى تتصارع وتحاول الاستفادة من وضع الانتفاضة والالتفاف عليها وفي المقابل نجد كل الفئات الشعبية الصامد إلى حد الآن والتي تحاول افتكاك ما أمكن من مكاسب على درب مواصلة النضال :
أولا- الدساترة والإخوان عملاء الاستعمار: هناك توجه نحو تجديد لغة الدساترة من خلال الأحزاب الجديدة - أحزاب بقيادات مفضوحة ومعروفة لدى الجميع وأحزاب تحمل نفس البرنامج لكنها غير معروفة وغير مفضوحة - وهي قابلة للتعامل مع النهضة لأهداف انتخابية في إطار ما يسمى بالمجتمع المدني .
ثانيا- قيادات الأحزاب الليبرالية عامة والتي تلونت كالحرباء والتي لا يمكن أن يثق فيها الشعب بما أنها تعاملت مع بن علي في أكثر من مرة فزكت بعض الأحزاب سياسة بن علي وشاركت في انتخاباته المزورة وان عارضت بعض الأحزاب الأخرى هذا التمشي فإنها تحالفت مع الإخوان في جبهة 18 أكتوبر التي كانت تجمع النهضة الاخوانجية وحزب العمال الشيوعي والحزب الديمقراطي التقدمي الذي قبل التواجد في الحكومة المنصبة في شخص نجيب الشابي وزير التنمية ، وكذلك حركة التجديد الذي قبل أمينه العام بن إبراهيم منصب وزير التعليم العالي في نفس الحكومة المنصبة ، وقد تحالف قبل ذلك مع حزب العمل الوطني الديمقراطي والحزب الاشتراكي اليساري وقبل الجميع فيما بعد تحت وصاية البيروقراطية النقابية التعامل مع حكومة السبسي . ونجد ضمن هذه الأحزاب الأحزاب المسماة قومية أو التي لها توجه عروبي إسلامي وبرامجها لا تختلف كثيرا عن برامج السياسات الامبريالية المقترحة في المنطقة ، وهي لا تثبت على موقف حسب مصالحها الآنية .
ثالثا - قيادات الأحزاب البرجوازية الصغيرة المتذبذبة والتي تحاول من جهة التظاهر بالثورية والوقوف إلى جانب الشعب ومن جهة ثانية تساوم وتتفاوض مع الحكومة المنصبة ومع الهيئة العليا المنصبة طمعا في بعض المواقع . وهي أحزاب - حسب برامجها - يمكن تصنيفها كأحزاب اشتراكية ديمقراطية في بلد زراعي متخلف ، ولا مجال لمقارنتها في مستوى التطور السياسي والاجتماعي بالأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في البلدان الرأسمالية . فهي اشتراكية ديمقراطية متخلفة يطغى عليها طابع التملق والانتهازية ولا تملك مشروعا اجتماعيا شعبيا بل تقبل في الحقيقة بالمشروع الامبريالي وتعمل في إطاره وتطالب فقط بأقلمته مع الواقع المحلي . ونجد ضمن هذا القطب الثالث حزب العمال الشيوعي التونسي بتوجهه التروتسكي الإصلاحي و"العائلة الوطنية" بتوجهها الشرعوي الاقتصادوي والنقابوي والحزب الاشتراكي اليساري بتعامله المفضوح مع السلطة وكذلك بعض الأحزاب الجديدة التي أرادت تقديم نفسها كمدافعة عن الطبقة العاملة والشعب .
وإلى جانب هذه القوى المتصارعة سياسيا والمراهنة على نتائج الانتخابات القادمة ، نجد قوة احتياطية هامة تتظاهر بأنها محايدة لتكسب ود الشعب ، لكنها في الحقيقة جهاز بيد الامبريالية الأمريكية تحركه كلما رأت أن مصالحها ومصالح عملائها في خطر وأن الجماهير بدأت تمسك مصيرها بيدها في قطيعة مع أعدائها الطبقيين . هذه القوة هي الجيش الذي لعب دورا بارزا في تهريب بن علي وفي إدارة أزمة النظام طيلة أيام الانتفاضة .
ومقابل هذه القوى المتنافسة على المواقع في المجلس التأسيسي المقرر انتخابه في 24 جويلية وفيما بعد في الحياة السياسية نجد الشعب المنتفض – صانع الانتفاضة وصانع التاريخ - والذي لم يجد إلى حد الآن قيادة مستقلة غير مساومة وقادرة على الدفاع عنه وتتصدر نضالاته . وبفعل ضعف القيادة أو القيادات الشعبية وغيابها في بعض الجهات فان الشعب واصل تحركاته بصفة عفوية وأحيانا بدفع من قوى اليسار وتنوعت التحركات بحيث نجد الطابع الحرفي البحت والذي يعكس ردة الفعل العفوية كما نلمس التحرك السياسي الذي يرفض قرارات الحكومة المؤقتة الساعية إلي إعادة الاعتبار للدساترة وتسميتهم في مواقع القرار السياسي .
ويمكن ترجمة هذه القوى طبقيا كما يلي: أولا الأحزاب المعبرة صراحة عن مصالح الكمبرادور والإقطاع والموالية كليا إلى الاختيارات الامبريالية دون تحفظ ثانيا الأحزاب المعبرة عن كل الشرائح البيروقراطية الخادمة لمصالح الطبقات الحاكمة ثالثا الأحزاب المعبرة عن طموحات البرجوازية الصغيرة والتي تدافع فعليا عن بيروقراطية الدولة والحزب وبيروقراطية الأطراف الاجتماعية عامة أو ما يسمى بمكونات المجتمع المدني من جمعيات ونقابات ...وتجدر الإشارة إلى أن القوى الأولى والثانية تتموقع في خندق الثورة المضادة في حين أن القوى الثالثة تعتبر جزءا من الشعب في مرحلة التحرر الوطني رغم تذبذب هذه القوى وميلها إلى المساومة والتعامل مع الرجعية الحاكمة وقد انكشفت طبيعتها ونواياها طوال الانتفاضة بما أنها تساند النضالات الشعبية من جهة وتتفاوض مع الحكومة المنصبة وتتواجد في الهيئة العليا من جهة ثانية .
2- الرهان الانتخابي.
تراهن بعض الاطراف الانتهازية على الانتخابات وكأنها ستحدث نقلة نوعية لفائدة الشعب في حين أن هناك نية واضحة من قبل حكومة السبسي المنصبة إلى إعادة الاعتبار للدساترة التجمعيين والبورقيبيين وفي هذا الإطار نفهم الحملة ضد بند 15 الذي يقصي الدساترة من الترشّح للمجلس التأسيسي . فقد برز التجمعيون من جديد بعد أن اختفوا طوال الانتفاضة وقد نظموا الاعتصامات دون أن يقع تفريقهم كما تظاهر العمد والمعتمدون والولاة ورجال "الأمن" وباقي كوادر الحزب الحاكم مطالبين بالرجوع إلى ممارسة حقهم في العمل السياسي وتزامنت هذه الهجمة الدستورية مع شعار ضرورة الاستقرار وضمان الأمن وإنقاذ الاقتصاد والتصدي إلى الإضرابات العشوائية وتعطيل عجلة الاقتصاد .
والى جانب هذا التيار الرجعي العميل نجد الإخوان الذين يغازلون الدساترة لكسب أصواتهم في الانتخابات المقبلة مقابل مكافأة مالية ومعنوية طبعا ، ويعد الإخوان كالعادة بحل الأزمة المالية للنظام من خلال جلب الاستثمارات الخليجية ومن خلال تطبيق مبدأ الزكاة وإعادة نظام الأوقاف والأحباس كما عبر عن ذلك الغنوشي الذي ليس له أي برنامج اقتصادي عدا برنامج صندوق النقد الدولي والبنك العالمي أي مزيد من نهب الخيرات ومزيد استغلال عرق الكادحين .
أما القوة الثانية فمن المنتظر أن تصوت رئيسيا للدساترة والإخوان وثانويا للقطب الثالث وتحديدا مكونات الشرائح العليا من البرجوازية الصغيرة مثل المحامين والقضاة والأطباء الخ..وفيما يخص القوى الثالثة أي البرجوازية الصغيرة والتي رغم تذبذبها وميلها إلى المساومة فإنها تظل في صف الشعب وهي لا يمكن أن تعتمد في العملية الانتخابية إلا على أصوات الجماهير الشعبية . فإلى أيّ حد كسبت هذه القوى تعاطف الشعب وثقته بدعايتها السياسية ؟ هذا ما ستبينه انتخابات المجلس التأسيسي القادمة .
سيشهد المجلس التأسيسي صراعات محمومة بين الكمبرادور والإقطاع وكل الشرائح البيروقراطية من جهة وبين الأطراف البرجوازية الصغيرة التي تدعي الدفاع عن الشعب من جهة ثانية وهي أطراف لا تحمل طبعا برنامجا ثوريا ينص على إقامة سلطة شعبية بل هي تنادي بجمهورية مدنية وبمجتمع مدني تماشيا مع تكتيكاتها الاصلاحية وتحديدا ما سمي" بتكتيك الحرية السياسية والجمهورية المدنية أو الديمقراطية" ولا يخرج هذا التكتيك عن اختيارات النظام العالمي الجديد- النظام الامبريالي- .
يكمن ضعف قوى اليسار في تذبذبها وطرحها تكتيك التعامل مع النظام القائم في إطار أطروحات التحول السلمي والتداول على السلطة وما يخفيه هذا الطرح من تنكر للمطالب الشعبية ومن خيانة لعملية التحرر الوطني ، فقد ظلت هذه القوى تساوم باسم التكتيك وبتعلة اختلال موازين القوى وتخلّف التجربة الثورية الخ...ففقدت بذلك ثقة الجماهير الشعبية التي أصبحت لا ترى فيها إلا قيادات انتهازية عاجزة عن إنارة طريق الخلاص أمامها .
والى جانب هذه القوى المتنافسة على التواجد في المجلس التأسيسي من أجل التأثير في محتوى الدستور وفي تنقيح القوانين نجد الاتحاد العام التونسي للشغل الذي لم يحدد بعد موقفه رغم مطالبته ببعض التمثيلية في المجلس التأسيسي كما نجد العديد من التيارات المستقلة والتي تنوي التقدم في قوائم مستقلة قد تضم عناصر حزبية ويمثل الاتحاد من جهة والأطراف المستقلة من جهة ثانية قطبا هاما لان الشعب ينفر من السياسة في وضعه الحالي بفعل العديد من العوامل ويميل نحو المستقلين والاتحاد رغم طابعه البيروقراطي المعادي للنضال .
وبالرغم من تعدد الأطراف التي نعيد ذكرها: دساترة وإخوان عملاء الامبريالية –الليبراليون و"الديمقراطيون" وكوادر شرائح البيروقراطية العميلة – أحزاب اليسار وأخيرا الاتحاد والمستقلين ، فإن الحكومة الحالية ستسعى إلى إيجاد أرضية اتفاق بين الدساترة الجدد والإخوان المعتدلين وبين القيادات الانتهازية لبعض رموز اليسار وستعمل على مواصلة الحكم بمثل هذا الائتلاف وفق النصائح الفرنسية والأمريكية إلى أن يأتي ما يخالف ذلك .
3- الخطة العملية
دافع الشيوعيون الماويون منذ انطلاق الانتفاضة في ديسمبر 2010 على تكتيك تشكيل لجان شعبية تعمل على رسم أهداف الانتفاضة وتسعى إلى توسيعها في المناطق الريفية المجاورة حتى لا يقع خنقها كما فعل النظام بانتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 . واتجهت الجماهير المنتفضة بصفة عفوية نحو تنظيم صفوفها بأشكال مختلفة لمواجهة قمع الأجهزة البوليسية وإفشال خطة القناصة الهادفة إلى إرهاب الشعب . وتوسعت هذه اللجان فيما بعد خاصة بعد 14 جانفي وهروب بن علي في كل الأحياء واتخذت طابعا شعبيا لا جدال فيه واتسمت بالصمود والإصرار على مواجهة القمع البوليسي وحماية نفسها بنفسها وكانت هذه اللجان تعبر فعليا عن إرادة شعب تجاوز الخوف وهب للنضال . وأمام تحول هذه اللجان إلى سلطة شعبية فعلية لأنها أصبحت تتحكم في الأحياء والمؤسسات ، تراجع النظام وقدم العديد من التنازلات لكنه بعد ذلك تمكن تدريجيا من فك التعبئة الشعبية وفرض عودة البوليس والجيش .
فطرح اليسار عندئذ من جديد تكتيك اللجان وفرضت تسمية" لجان حماية الثورة" لان كل الأطراف اتفقت على هذه التسمية بما في ذلك الرجعية الحاكمة عدا بعض أطراف اليسار التي أصرت على التمسك بتسمية لجان حماية الانتفاضة . وبما أن الجميع يدعي حماية الانتفاضة بما في ذلك الرئيس المؤقت والحكومة المؤقتة والاخوانجية... فقد تحولت هذه اللجان إلى لجان فوقية فقدت طابعها الشعبي تحتوي على عناصر نقابية وحزبية يسارية وكذلك عناصر إخوانجية ودستورية تسربت إلى العديد من اللجان أو وقع استدعاؤها عمدا من طرف بعض رموز اليسار المتحالفة معها .
وأصبحت هذه اللجان مطية انتخابية وحاولت بعض أطراف اليسار جعلها هيئة قرار تراقب الحكومة المؤقتة لكنها سرعان ما قبلت باقتراح الحكومة خاصة بعد تزكية البيروقراطية النقابية حكومة السبسي والقبول بالهيئة العليا التي سارع اغلب الأطراف التواجد فيها رغم طابعها المنصب والرجعي .
انزلق اليسار مرة أخرى في توجهات يمينية سعيا وراء المواقع فعوض التشبث بالطابع الشعبي للجان وانبثاقها عن اجتماعات عامة تمثل الحد الأدنى للتعبئة الشعبية فقد اختارت اغلب أطراف اليسار طريقة التسميات الفوقية والتنسيق بين النقابيين ومكونات المجتمع المدني وفرضت تشكيلة العديد من هذه اللجان فرضا ثم دعت إلى اجتماعات عامة ونصبت نفسها مما دفع الإخوان من جهة والدساترة من جهة ثانية إلى تشكيل لجان فوقية موازية كذلك .
كان التكتيك الصائب يتمثل في انبثاق اللجان عن اجتماعات عامة في القرى والمدن تمثل فعليا الإرادة الشعبية وتحافظ على استقلاليتها إزاء الرجعية والانتهازية وتتمسك بما طرحته الانتفاضة من شعارات غير أن هذا التكتيك لم يصمد للأسباب التالية :
ضعف تواجد اليسار وعدم قدرته على تغطية كل المناطق . – محدودية التجربة التنظيمية للجماهير وطغيان الطابع العفوي – تفوق الرجعية على المستوى التنظيمي وقدرتها على المناورة واعتماد سياسة الترغيب والترهيب بما أن النظام ظل قائما ولسنا أمام ثورة كما تدعي الرجعية والانتهازية .
وبالرغم من تدارك الرجعية أمرها وقتيا وهي بصدد التخطيط لمسك خيوط اللعبة من جديد عبر انتخاب المجلس التأسيسي فان الصراع مازال على أشده بين القوى الثورية وقوى الثورة المضادة ولابد من العمل على توحيد الخطط في مواجهة عودة الدساترة وانتعاش الاخوانجية وتكالب بعض الأطراف الانتهازية التي تغازل هذين الطرفين رغم إجرامهما في حق الشعب . لذلك فانه من الضروري بلورة أرضية واضحة تكشف عمالة الحكومة المؤقتة والدعم الفرنسي- الأمريكي الذي تعول عليه ونبذ الأوهام حول "العهد الجديد" وحول "الجمهورية المدنية" التي ستوفر الرفاهة و الحرية للشعب .





Commenter cet article