البرنامج الاقتصادي في الفكر الظلامي

Publié le par mohmedalimawi

(من تراث الماويين في مواجهة الزحف الظلامي)
البرنامج الاقتصادي في الفكر الظلامي
(نقد كتاب نظرية القيمة لصالح كركر )
"إن كل من يحاول أن يرجع الاقتصاد السياسي لأرض النار إلى نفس القوانين العاملة في انقلترا الراهنة لن ينتج بكل تأكيد إلاّ ترهات مبتذلة وهكذا فإن الاقتصاد السياسي هو في جوهره علم تاريخي يعالج مواد هي تاريخية، يعني أنها تتبدل باستمرار" فريديريك انجلس ( ضدّ دوهرينغ )
تقديم:
برزت في المدة الأخيرة العديد من الكتابات حول التيار الظلامي ومواقفه من العديد من القضايا. وطغت نوعا ما قضية الموقف من مجلة الأحوال الشخصية وحرية المعتقد وبصورة ثانوية المسألة النقابية على هذه الردود.
وتعدّ الكتابات التي تتطرق إلى مواقف هذا التيار في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية محدودة ما عدا بعض المحاولات التي قرأناها في العدد الثامن من مجلة "أطروحات" لمحمد شقرون... وقد تعرض كاتب المقال من خلال مقولات حيّة مستخرجة من كتب الظلاميين التي تتعرض لواقع الكادحين وحاول الردّ عليها بصورة عامة بفضح مواقفهم المعادية لطموحات الكادحين والتي تصب في نهاية الأمر في مصب إبقاء أنظمة استغلال الإنسان للإنسان ويمكن القول أنه ليس من السهل التنقيب عن الأطروحات الظلامية في المجال الاقتصادي، فكتاباتهم في هذا المجال نادرة سوى كان منها التي في شكل كتب أو مقالات أو بيانات، فهؤلاء الذين يجندون كل قواهم في الوطن العربي وبالتحديد في تونس ومصر والسودان والكويت والجزائر وغيرها من الأقطار العربية وإيران وباكستان من أجل تطبيق ما يسمونه بالشريعة الإسلامية في مجالات اجتماعية كالزواج والطلاق والإرث وإصدار الأحكام في قضايا الحق العام ولم نرهم يرفعون أصواتهم ولو يوما ضدّ التغلغل الامبريالي في المجال الاقتصادي في الوطن العربي ولم نرهم يطلقون ألسنتهم ولو مرّة واحدة ضدّ تخلّف الريف ونهب عرق جباه الخماسة والفلاحين الفقراء والعمال المزارعين ولم نقرأ لهم مقالات أو كتبا تفضح قوانين الاستثمار التي تفتح أبواب الوطن العربي على مصراعيها للنهب الامبريالي لتمتص عرق العمال وتغرق المؤسسات الاقتصادية في تبعية مطلقة للرأسمال الاحتكاري العالمي. كنّا نودّ دوما لو يلقنوننا درسا في الاقتصاد السياسي مثلما لقنونا دروسا في الأخلاق وأحيانا في "الردع" والإرهاب الفكري... وكانت الفرصة سانحة عندما صدر كتاب لأحد قادة "حركة الاتجاه الإسلامي" وهو المدعو صالح كركر والذي أعتقل مع المجموعة سنة 1981 وكان ضمن العناصر القيادية آنذاك ويحمل الكتاب عنوان "نظرية القيمة العمل والعمال والعدالة الاجتماعية في الإسلام وفي المذاهب والنظم الوضعية – دراسة مقارنة" كانت الفرصة سانحة لأن هذا الكتاب سيمكننا من استخراج وجهة نظر الظلاميين في المجال الاقتصادي حتى تتعمق معرفتنا لطبيعة هذا التيار وحتى يكون حديثنا عن عدائه لقضية التحرر الوطني الديمقراطي ليس "تهجما مجانيا وعدم احترام لأخلاقية الصراع والحوار" كما قال البعض وإنما يكون الحديث والنقد على قاعدة صلبة معتمدة أساسا على التحقيق والنقل الموضوعي لما جاء في كتاب صالح كركر دون تعمد أي تشويه كما لجأ هو العديد من المرات في نقل الحقائق التاريخية وخاصة في عرض الماركسية اللينينية.
إن توسيع دائرة الصراع مع الفكر الظلامي تشمل إلى جانب القضايا الفلسفية وبعض المظاهر الاجتماعية والسياسية قضايا الاقتصاد السياسي وذلك هام جدّا لأنه لن يزيد إلاّ في كشف طبيعة هذا التيار ويظهر بوضوح أصوله الطبقية التي تتعرض لها أغلب الكتابات وهو ما سنحاول إبرازه في هذا التحليل.
مدخل أول:
إن عصرنا الحالي هو عصر الثورة الاشتراكية-والثورات الوطنية الديمقراطية كجزء منها- وانهيار نظام الرأسمالية الاحتكارية. إنه العصر الذي خطا على طريق فرحه كارل ماركس حين رفع عاليا شعار "يا عمال العالم اتحدوا" وأسس الأممية الشيوعية الأولى كتجسيد عملي لأممية النضال العمالي.
إن الطبقة العاملة أصبحت "طبقة عالمية" ويثبت وجودها في كافة المجتمعات رغم درجات التفاوت الناتجة عن اختلاف طبيعة المجتمعات من رأسمالية احتكارية إلى زراعية متخلفة مهيمن عليها... وهذا الاختلاف لا ينفي في الواقع أممية النضال والتقاء الأهداف المشتركة ضدّ الأعداء الطبقيين لكافة عمال وشعوب العالم أينما كانوا.
إن هؤلاء الأعداء الطبقيين يتخذون ألوانا عديدة لتغطية مخططاتهم الرامية الى تقسيم صفوف العمال ومنع توحدهم الأممي وصرفهم عن الفكر الماركسي اللينيني-الماوي- الرائد الذي بنى هذه الوحدة الرائعة رغم السلبيات والنواقص والأخطاء وحالات الارتداد. في وطننا العربي ينشط التيار الظلامي الرجعي ليقف سدّا منيعا أمام التحاق الطبقة العملة العربية بصفوف النضال الأممي، وينشط هذا التيار من أجل المحاصرة والقضاء على كلّ الخطوات التي قطعت في اتجاه تخليص الشعب العربي وطليعته الممثلة في العمال الثوريين من الأفكار المعادية للتقدم والعلم ولتحرر الإنسانية من كل مبررات الاضطهاد الوطني والطبقي ، لأن قضية الطبقة العاملة أقوى من أيّ مرتد وأقوى من أيّ حصن أو سدّ ظلامي وستنتصر هذه القضية على كل من يعادي تحرّر الإنسانية من أنظمة استغلال الإنسان للإنسان.
مدخل 2: الغاية تبرّر الوسيلة.
إنّ المنهجية التي قادت صالح كركر في كتابه تبعث على الضحك في بعض الأحيان. فهو قد رسم لنفسه هدفا محدّدا: "سحق الفكر الشيوعي وإبراز عجزه التام في المجال الاقتصادي على الاستجابة لقضايا العصر الحديث وبتالي إبراز الإسلام في المقابل للإنسانية وكـ"نظام" اجتماعي واقتصادي سياسي متكامل. وهو سيعمل على تحليل تطور تاريخ الإنسانية ووضع العمل خلال حقبات تاريخية معينة فتراه تارة يتحدّث عن العمل والكادحين حسب الحضارات وتاريخ الشعوب، وتارة أخرى حسب الأنظمة الاقتصادية حتى لا يتبع منهج التحليل الماركسي اللينيني لتاريخ الإنسانية الذي اتبع في تطوره أنماط الإنتاج المعروفة من نمط الإنتاج المشاعي البدائي فالعبودي، فالإقطاعي، فالرأسمالي، والمؤلف لا يفعل ذلك في الواقع عن حسن نية وإنما ليخدم "مفاهيمه الاقتصادية" الخاصة كما تنبيّن ذلك لاحقا.
فهو يقدّم لنا تاريخ العمل حسب الحضارات من بابل إلى الآشوريين ومصر القديم والفينيقيين والهنود وحتى اليابانيين في عصرنا الحالي، ويقدّم لنا تحليلا حول "نظرة اليهود للعمل والعمال" وينتقل فيما بعد للحديث عن العمل في النظام الإقطاعي والنظام الرأسمالي. وقد يظن المؤلف أنه "أبدع" أو اكتشف قانونا اقتصاديا جديدا حين تجنب استعراض العمل حسب أنماط الإنتاج التي عرفتها البشرية، وليس تارة حسب حضارات ساد فيها النظام العبودي وكذلك الإقطاع وتارة أخرى حسب الأنظمة الاقتصادية وهو في آخر الأمر يتحفنا بهدفه الحقيقي من هذا التحليل إذ يقول لنا في آخر الأمر وفي الصفحة 32، بعد حديثه عن الحضارة الرومانية ما معناه: "إن الرومان والإغريق وهما أساس الحضارة الغربية الحديثة لم يولوا للعمل القيمة التي يستحقها ولم ينصفوا العامل ولم يمنحوه حقوقه وحريته وحرموه من ثمرة جهده في عملية الإنتاج".
وهكذا نفهم أسباب توخّي التحليل الأولي للعمل الذي أقيم على أساس تباين الحضارات فهو قد أثنى في ذلك التحليل على الحضارات الشرقية في "إنصافها" للعمال وفي إجلالها للعمل حتّى يقول لنا في آخر الأمر أنّ حضارة الغرب فاسدة من العصور القديمة وهي التي عرفت ظهور الرأسمالية وأنّ الشرق أنجب الإسلام وعرف انتشاره ولم يكن الصراع الطبقي هو محرّك تاريخ المجتمعات. إنّ صالح كركر يقولب تحاليله الاقتصادية حسب مصالح الفكر الظلامي الذي ينظر اليه وهو لا يتردّد في تشويه حقائق تاريخية تُعدُّ من أبجديات علم الاقتصاد السياسي ولا نعتقد أنّه يمكنها أن تكون محلّ تأويلات حسب الأمزجة والمصالح الطبقية، فالحرف الصغرى في العصور القديمة وفي فترة ظهور الإسلام وما بعدها أصبحت حسب وجهة نظر المؤلف "صناعات معملية" ودكاكين الحرفيين تحوّلت إلى مصانع وعصر العبودية عرف "الصناعات المعملية".
كلّ هذه "الاجتهادات" لاتهدف إلاّ للبرهنة عن عظمة الحضارات الشرقية بصفة عامة والحضارة الإسلامية بصفة خاصة... إن الأستاذ صالح يذهب إلى حدّ استبلاه القراء وكلّ من له دراية بسيطة بعلم الاقتصاد السياسي حين يقول لنا في إحدى الفقرات من الصفحة 220 "أن المجتمع الإسلامي لم يعرف في أوج عزّه وتقدمه نمط الإنتاج الرأسمالي... والذي منع نمط الإنتاج الرأسمالي بطبقتيه المعروفتين من التواجد هي طبيعة الإسلام وما وفّر لكلّ أفراد المجتمع من حرّية"، وبما أن المؤلف يحدّد هذه الفترة الذهبية منذ ظهور الإسلام إلى حدود القرن 15 فإن المؤلف يجهل أو يتجاهل أنّ النظام الرأسمالي لم يبزغ بعد في أيّ مكان إلاّ في شكل تراكمات أولية وبدائية، وإنما ساد في أغلب المجتمعات طيلة هذه المدّة نمط الإنتاج الإقطاعي... إنّ الإفتراء بهذه الصورة يعدّ بلاهة لا تغتفر، فكيف يُعقل أن يتمّ الحديث عن عدم ظهور نظام اجتماعي في ظرف لم يتواجد فيه هذا النظام بالمرّة! ثم متى عرقلت الديانات ظهور أنظمة اقتصادية؟ ولماذا كلّ هذا الفرح بعدم ظهور الرأسمالية في المجتمع الإسلامي في حين أن الرأسمالية هي مرحلة تاريخية متقدمة ومتطوّرة في تاريخ البشرية بالمقارنة مع النظام العبودية والإقطاعية الذي كان قائما في ذاك المجتمع "المزدهر" الذي تحدّث عنه بإطناب. إن الإجابة عن ذلك نجدها في الأسطر والفقرات والفصول لهذا الكتاب الذي بين أيدينا، بقي أن نشير أيضا إلى غياب تام خلال وضعك لهذا الكتاب إلى أبسط قواعد الموضوعية في نقل الحقائق التاريخية وعدم تقديم أدنى مرجع من التراث الماركسي اللينيني في المواضيع التي أثرتها كالعمل والقيمة والأسعار والملكية الخ... كل هذا إلى جانب طمس تام لتاريخ نضالات الكادحين في الوطن العربي وخاصة في فترات تكوّنه الأولى، فتقدّم لنا تاريخا أصفر مجرّدا حقائقه استمدّت الأئمة وأقوالهم.

الردّ الأول: الفكر الظلامي والملكيّة
أعاد المؤلف على مسامعنا أكثر من مرّة وفي فصول مختلفة مقولات تؤكد على "حماية الشريعة الإسلامية للملكية الخاصة لوسائل الإنتاج". فهو يقول في فصل "توزيع القيمة بين عناصر إنتاجها" في الصفحة 191 "... فالشريعة الإسلامية مدعوّة إلى المحافظة على أموال الناس بكلّ أشكالها نقودا أو منتجات أو عقارات أو منافع أو غيرها وعلى ملك أيّ كان". إننا نعتقد أن الحديث عن المحافظة على أموال الناس بكلّ أشكالها مع التغافل عن مصادر هذه الأموال والأرباح المكدسة من طرف مالكي العبيد والإقطاعيين أو الرأسماليين لا يعني إلاّ الاتفاق التام على بقاء نظام استغلال الإنسان للإنسان ولا يعني إلاّ دعوة للكادحين عبر كل ّ العصور إلى القبول بسلطة الطبقات الغنية والاكتفاء بما يجود به الأسياد والإقطاعيون والرأسماليون على هؤلاء الكادحين حتّى ينتجوا ويزيدوا في تكديس الثروات لصالح الأثرياء. ويواصل كركر تنظيراته حول ما أسماه "بتوزيع القيمة بين عناصر إنتاجها" فيهاجم بحدّة دعاة تأميم الملكية الكبيرة لوسائل الإنتاج ويقول في الصفحة 203: "أمّا إذا أريد بالتأميم تحقيق المساواة المادية بين الناس وإيجاد وضع بالتدرج تكون فيه ملكية وسائل الإنتاج ملكية عامة أو مطاردة الملكيات الكبيرة بصرف النظر عن ظروف قيامها وطريقة تنميتها وزيادتها فإن الشريعة لا تجيزه ذلك لأنها لا تسعى إلى تحقيق المساواة الفعلية بين النّاس". إنّ هذا التعبير الواضح عن إيمان المؤلف الصّريح بضرورة الإبقاء على المجتمع الطبقي لا يُستغرب منه! فهو يعادي تأميم الملكيات وخاصة إذا كان يراد بها تحقيق المساواة المادية وكأنه يوجد نوع من تأميم حقيقي للملكيات لا يهدف إلى المساواة المادية بل أن صالح كركر يضيف "خاصة إذا حدث هذا بصرف النظر عن ظروف قيامها وطريقة تنميتها وزيادتها ونحن ما نفهمه من مثل هذا القول أنّه هناك ملكيات كبيرة أقيمت على حق" وهناك أخرى أقيمت عن غير حق! كيف يحدث هذا ومتى؟ هذا ما لم يجب عنه المؤلف في هذه الأسطر وإنما يجيبنا عنه لاحقا في الفقرة المخصصة لملكية الأرض حين يعتبر أنّ ملكية الأرض القائمة ليومنا هذا في الأقطار الاسلامية "تصحّ شرعا". إنّ المؤلف يدعونا في نهاية الأمر إلى التحقيق في مصدر الملكيات الكبيرة وكيفية نموّها ليقرّر فيما بعد إذا كان يمكن أو يصحّ تأميمها أم لا. أمّا كيف نحقّق والطرق العملية الموصلة إلى ذلك فإنه لا يتحدّث عنها وهو المدافع الكبير عن بقاء هذه الملكيات الكبيرة!!!
كما أنّ المؤلف لا يتعب نفسه في البحث والتحليل لمصدر الملكية الخاصة فبالنسبة له تعتبر الملكية الخاصة "استخلاف من الله لعباده على الأرض لينظر ماذا يعملون" ( ص.197 ). ويحنق المؤلف على المذهب الماركسي "الذي ألغى الملكية وبذلك قضى على حرية الفرد لأنّ الملكية أهمّ مظهر من مظاهر الحرية وبذلك أهين الإنسان في جزء كبير من فطرته البشريّة....." ( ص 200 ). إنّ الهجوم العنيف الذي شنّه الظلاميون وكافة الرجعيين على الفكر الماركسي يعود لكونه قطع مع التحاليل الميتافيزيقية لأصل الملكية ودعا إلى ضرب الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وليس الملكية في المطلق كما يزعم ذلك صلح كركر!! إنّ الملكية ليست "فطرة" وهي ليست "أهم مظهر من مظاهر الحرية" لأنها مصدر آلام وشقاء الملايين من الكادحين والملكية ظهرت في ظروف تاريخية معيّنة حلّلها الفكر الماركسي تحليلا علميا وأثبت علاقتها الوثيقة بتطوّر القوى المنتجة في المجتمع المشاعي البدائي حين كان الإنسان في عشائر تملك أدوات الإنتاج بصفة جماعية، ولم يكن أفرادها كثير الإنتاجية لدرجة أنه يخلق فائضا كبيرا في الإنتاج عن الحد الأدنى الضروري للحياة!!
ومع تطوّر أدوات الإنتاج ونموّ عدد أفراد العشيرة ودخول الإنتاج الزراعي ثم تربية الماشية حدث أول تقسيم اجتماعي للعمل بين الرجل والمرأة ثمّ حدث تقسيم اجتماعي بين أفراد العشيرة أو عشائر مختلفة إذ اختصّ البعض في تربية الماشية والبعض الآخر في زراعة الأرض. وأصبح هكذا عمل الناس أكثر إنتاجية وبرز في المشاعيات فائض معيّن من الإنتاج وظهر التبادل بين القبائل المنتجة للمواد الزراعية والتي تربّي الماشية... وتطوّرت أدواة الإنتاج باكتشاف المعادن وتطوّرت القوى المنتجة التي لم يعد بإمكانها النموّ في ظلّ نظام المشاعية حيث برز الفردي الذي خلافا للعمل الجماعي الذي تطلبه الملكية الجماعية فإنه تطلب الملكية الخاصة!! وهكذا انبثقت الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ونشأ معها التفاوت في الثروة سواء كان داخل العشيرة أو بين العشائر!!
واندلعت الحرب حول المراعي ومجاري المياه وحوّل الأسرى والفقراء إلى عبيد لخدمة الأرض وتنمية الإنتاج، وكان عمل العبيد يساهم بسرعة في نموّ الثروة فآل ذلك إلى تفاقم التفاوت. إنّ ماركس وانجلس في عرضهما لهذا التحليل المادي للتاريخ قدما ذلك على أساس التحقيقات والأبحاث التي أجريت على قبائل لا زالت تعيش في مراحلها البدائية وعلى أساس التنقيب في الآثار وانطلاقا من الكتابات العديدة التي سبقتهما وتعرّضت بدورها لحياة العصور البدائية.
إنّ ماركس وإنجلس عرفا كيف يحللان تحليلا علميا تطوّر المجتمع الإنساني ويمسكان بالقوانين المحركة لهذا التطوّر، فأبرزا "دور العمل وتقسيمات للعمل وتطوّر أدوات الإنتاج ونموّ التبادل في انقسام المجتمع إلى طبقات وظهور الملكية الخاصة بدل الملكية الجماعية. فماركس وانجلس رفضا منطق "الفطرة" و"الإرادة السماوية" واعتبر أن ظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والطبقات يعود إلى تطورات داخلية خاصة بالمجتمع البشري.
إن دفاع الظلاميين عن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج بدعوى أنها "أهم مظهر من مظاهر الحرية كما قال صالح كركر في كتابه أو بدعوى "حماية الشريعة لها" يذكرونا بدفاع الاقتصاديين البرجوازيين عن "حرية الملكية"، وردّ ماركس عليهم في "بيان الحزب الشيوعي" حين قال لهم: "يهولكم ويفزعكم أننا نريد محو الملكية الخاصة! ولكن في مجتمعكم هذا ذاته تسعة أعشار أعضائه محرومون من أيّة ملكية خاصة، وإذا كانت هذه الملكية موجودة فلأنّ هؤلاء الأعشار التسعة محرومة منها. فأنتم تأخذون علينا إذن أننا نريد محو شكل الملكية، شرط وجود، أن تكون الأكثرية الساحقة محرومة من كلّ ملكية، أي بكلمة تتهموننا بأننا نريد محو ملكيتكم أنتم. وحقّا هذا الذي نريده."
وحين يشوّه الظلاميون في دعايتهم تجربة بناء الاشتراكية والفكر الماركسي اللينيني فإنهم لا يتردّدون في إشعار البرجوازية الأوروبية حين حاربت ماركس وانجلس، ومضت تبثّ الأكاذيب عن شبح الشيوعية المخيف و"محو الشخصية" و"قتل المبادرات الفردية"...الخ لكي تدعو في آخر الأمر للحفاظ على ملكيتها الخاصة لوسائل الإنتاج. إنّ ردّ ماركس على أكاذيب البرجوازية إلى جانب ما أثبتته تجربة بناء الاشتراكية في العديد من أنحاء العالم تؤكد على أنّ الذي يميّز الشيوعية ليس محو الملكية بصفة عامة بل محو الملكية البرجوازية" ( ماركس ).
إنّ صالح كركر لا يخفي دفاع "ما أسماه بنظام الشريعة الاقتصادي في الملكية الفردية" فهو يقول في الصفحة 203 "وتقيم ( الشريعة الإسلامية ) نظامها الاقتصادي على أساس الاعتراف بالملكية الفردية وتشجعها ما دامت ملتزمة بقواعد الشريعة" ووردت في هذا الكلام نقطة "النظام الاقتصادي للشريعة" ولم يعطنا المؤلف فكرة ولو موجزة عن قواعد الشريعة التي نلتزم بها الملكية الفردية، فإن كانت الزكاة أو الصدقة أو تجنّب الربا والغش وغيرها فإنه لا يمكننا القول للردّ على مثل هذا الكلام سوى أنّ الطبقات الكادحة لن تترقب عطف الإقطاع والبرجوازية العميلة عليها حتّى تتحسّن معيشتها "وإنما ستعمل على النضال من أجل تحقيق المجتمع الديمقراطي الشعبي فالاشتراكي وستعمل على فهم ومعرفة القوانين الاقتصادية الموضوعية التي هي أساس تطوّر الحياة الاقتصادية للمجتمع والمحدّدة لعلاقات الإنتاج الاجتماعية بين الناس، ففهم هذه القوانين التي تتحكّم في إنتاج ومبادلة وسائل المعيشة المادية للمجتمع الإنساني والشروط التي ينتج الناس فيها ويتبادلون منتجاتهم ويوزعونها يسمح بالتصرّف فيها انطلاقا من فهمها لتزول القوانين القديمة وتحلّ محلّها الجديدة.
يقول انجلس في "ضدّ دوهرينغ" : " ومن وجهة نظر علمية فإن الاستنجاد بالأخلاق والعدالة لا يتقدّم بنا قيد أنملة. فلا يمكن للعالم الاقتصادي أن يجد في الاستياء الأخلاقي مهما كان محقا حجّة يستند إليها بل عرضا فقط. إن مهمة العالم الاقتصادي هي بالأحرى أن يبيّن المساوئ الاجتماعية التي نشأت حديثا هي عواقب ضرورية لأسلوب الإنتاج القائم، لكنها في الوقت ذاته علامات على انحلاله القديم، وأن يميط اللثام ضمن شكل الحركة الاقتصادية السائرة في طريق الانحلال عن عناصر التنظيم الجديد المقبل للإنتاج والمبادلة التي ستضع حدّا لتلك المساوئ".
ولكن الظلاميون لا يريدون أن تقع الإماطة عن لثام عناصر التنظيم الجديد المقبل للإنتاج والمبادلة لأنّ ذلك يسقط دعواهم القائمة على الاعتراف بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وتشدّدهم في المحافظة على ملكيات كبيرة والوقوف ضدّ أيّ خطوة نحو تأميمها. كانت هذه الفقرات حول الملكية الخاصة ومبرّرات الأستاذ صالح كركر حول ضرورة "المحافظة عليها وتشجيعها" مقدمة لطرح خطير في قضية هامة وأساسية بالنسبة للأغلبية الساحقة لشعبنا العربي، ألا وهي قضية تملك الأرض وتوزيعها وأشكال استغلالها. لقد جاء في هذا الكتاب ما يجعلنا نحدّد بدون تردّد المنابع الطبقية لهذا الفكر والتي لا يمكن أن تعكس إلاّ مصالح الإقطاع البائد المستبدّ، كيف لا وصاحبنا يدعو لإبقاء أشكال الاستغلال الإقطاعية كالمغارسة والمساقات ولم لا الخماسة ويعتبر "أنّ إهمال الدول الإسلامية لهذا النمط من الإنتاج الإسلامي أوقعها في التخلّف" ( ص 214 ). لقد عرض علينا في الصفحة 210 أشكال استغلال الأرض الإقطاعية القائمة في وطننا العربي منذ مئات السنين والتي ذكرناها في الأسطر السابقة وبرّر مشروعية هذا الأسلوب في الإنتاج بمبررات شتّى منها أنّ "النبي وأصحابه من آل عمر وأبي بكر عملوا بها ومنها ما تحدّث عنه في قالب .....(ص 13 ) قد يوجد عامل ماهر في الزراعة ولكنه لا يملك الأرض عاجزا عن الزراعة فشرّع الإسلام هذه الأشكال رفقا بالطرفين."
نحن نقول لك: أولا أنّه لا يجوز الاحتمال بهذه الصورة عند الحديث عن واقع موضوعي ملموس، و"ربّما" هذه التي تكثر من استعمالها لا تدلّ إلاّ على نفاذ ذخيرتك لتبرير دفاعك عن بقاء الريف العربي متخلفا يرزح تحت علاقات إنتاج إقطاعية ويتعرّض إلى نهب إمبرياليّ على حساب ملايين الفلاحين الفقراء والأقنان والعمال الزراعيين . ثمّ أتظننا أغبياء لهذه الدرجة حتّى نقتنع بأنّ أشكال استغلال الأرض هذه هي من إبداعات الشريعة!! إنّ أنماط الإنتاج التي وجدت في عصر ما بعد ظهور الإسلام كنمط الإنتاج العبودي ونمط الإنتاج الإقطاعي وبقايا نمط الإنتاج المشاعي هي نفسها التي وجدت في تلك المناطق، والإسلام لم يحدث أيّ تغيير على أشكال استغلال الأرض بل عمّم هذه الأشكال في الأراضي المفتوحة والمستصلحة بعد فتحها. وسنقدّم لك أمثلة تاريخية ملموسة تمّ استخراجها من كتب عاش أصحابها تلك الفترات ودوّنوا أهمّ أحداثها، وقبل أن نمرّ إلى ذلك نودّ أن نواصل فضح دفاعك المستميت عن الأشكال التي ذكرتها في استغلال اٍلأرض. لفت انتباهنا حديثك عن شكل المغارسة إشارة منك لاعتراض قدّمه ابن حزم على نمط الاستغلال هذا الذي " لا يحفظ مصالح الملك الإقطاعي" "إذ أن الغروس تختلف ولا ندري متى تثمر" وهو يأسف على هذا الشكل من الاستغلال باعتباره "بيع غرر بثمن مجهول وبيع وإجارة معا وأكل مال بباطل وإجارة مجهول"3. وتعلّق بدورك على هذا القول لتشير إلى ما يلي: "والرأي عندنا يتمثّل في الجمع بين ما قاله الإمام مالك وما وضعه ابن حزم من شروط متمثلة في تحديد نوع المغروسات وعددها والمدّة التي تستوجبها المغارسة"!! كلّ هذا ليس إلاّ حرصا على مصالح كبار الملاكين الإقطاعيين حتى ينعموا بإنتاج الفلاح الفقير المعدم الذي لا يملك حقّ التصرّف في قوّة عمله وهو ليس إلاّ جزء من لوازم أرض الإقطاعي – ماركس – إننا لا نتحامل على المؤلف حين نقول بأنّه الصوت الأمين المدافع عن مصالح الإقطاع في وطننا العربي فهو شجاع إلى حدّ أنه لا يخفي عنّا إيمانه الراسخ بأنّ التوزيع الحالي للأراضي جائزا حين يشير إلى ذلك في الصفحة 205 : "ولسنا هنا بصدد تحقيق مسألة ما إذا يجوز تقسيم الأرض التي فتحت عنوة أم لا بقدر ما نحن بصدد تحقيق في ما إذا كانت الوضعية الراهنة في عصرنا الحاضر أي دخول الأراضي المفتوحة عنوة في شمال إفريقيا وغيرها في الملكية الخاصة للأفراد جائزة شرعا أم لا فالرأي عندنا أن الوضعية لهذه الأراضي جائزة بقطع النظر عما أولي الأمر من سلطة في إعادة توزيع للأرض بأكثر عدل بين الأفراد". مثل هذا الكلام لا يعني سوى أنّ الذي يهمّ المؤلف ويعتبره حقّا ملحا هو شرعية التملّك الحالي أم لا، أما مسألة إعادة توزيع الأرض "فإنها مسألة ثانوية وهي اختصاص ولي الأمر"، ولن تكون هكذا ثمرة نضالات الفلاحين الشعبية من أجل إصلاح زراعي جذري تمنح فيه الأرض لمن يفلحها وتِؤمم الملكيات الكبيرة وتلغي الخماسة وكافة أشكال الاستغلال الإقطاعي ويتمّ القضاء على كافة العوائق التي تسبّب تخلّف الريف وقواه المنتجة.
إنّ "الخضرمة" هي الميزة الأساسية للسفسطة وحين يخاف البعض من افتضاح أمره وتنكشف حقيقة مواقفه السياسية الانتهازية والمعادية لمصالح الجماهير يعمد إلى نقض ما كان يردّد في أسطر ماضية أو في فترات سابقة. وهذا ليس غريبا لأنّ منهج صالح كركر لا علمي فهو يبغض الفكر الشيوعي إلى حدّ المقت ويدّعي أنّ الرأسمالية نظام اقتصادي لا إنساني ويجهد نفسه من جهة أخرى لكي يكشف لنا نظام جديد قادر على إنقاذ البشرية جمعاء، وكما قال انجلس "فإنّ دور العالم الاقتصادي هو البحث عن العناصر الجديدة التي تظهر ضمن شكل الحركة الاقتصادي السائر في طريق الانحلال، بينما ما يفعله المؤلف لا يتعدّى كونه يدير ظهره لهذا الإقرار العلمي ويتحفنا بمواقف أكثر تخلّفا من مواقف أكثر الاقتصاديين البرجوازيين تخلفا. فمن الدفاع عن نمط الإنتاج الإقطاعي ومن التأكيد مرّة أخرى على "الملكية الخاصة للأموال في كلّ أشكالها، أدوات إنتاج وغيرها لأنّ ذلك حقّ منحه الله سبحانه لعباده بشروط معلومة إلخ..." من الصفحة 216 "إلى اتجاه العمال لكراء أدوات الإنتاج من مالكيها ودفعهم ثمن ذلك ودعوة الأعراف ليشاركوا في الإنتاج لا كملاّك وإنما كعمّال". ويعتقد المؤلف "أنّ هذا الإجراء يجعل حدّا للتسلط على العامل ويرفع من مستواه ومن الإنتاجية ويدفع الأثرياء إلى العمل ونبذ البطالة"!!
إننا لم نفهم إذا كان المؤلف يحلم بتعميم نظام المغارسة على الصناعة أم أنه ينظّر "لمشروع تشغيل الشباب" قبل أن يرى النور، فأعلن النظام على البحث عن مخرج لأزمته، أم أنّه استمدّ ذلك من عصور الإسلام الأولى وعلم بتطبيقها في "الصناعات المعملية" التي تحدّث عنها في كتابه والتي ظهرت حسب رأيه في هذه العصور. إننا عندما نترك كلّ هذه الترّهات يبقى الأهمّ بالنسبة للكاتب هو المحافظة على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وأن لا تقع تأميمات الملكية الكبيرة، وذلك أهم من سواه المزعومة التي توجه العمال لكراء أدواة إنتاج أن يدلنا على مصادر أموال الكراء وعلى كيفية توزيع إنتاجهم وشراء المواد الأولية في صورة استجابتهم لهذه الدعوة!!!
إنّ هذه الأسطر الأخيرة في فصل "توزيع القيمة بين عناصر إنتاجها" لم تكن في الواقع إلاّ عملية ذرّ الرماد على الأعين تهدف إلى إخفاء التنظيرات المفزعة والمتخلفة الداعية لإبقاء الطبقات ومنع أيّ إصلاح زراعي وأيّ تأميم للمؤسسات الاقتصادية الكبرى في وطن شبه مستعمر وشبه إقطاعي ترتبط فيه المؤسسات بألف خيط بالإمبريالية العالمية.

الردّ الثاني: العمل في الفكر الظلامي
لقد "خلق العمل الإنسان" كما قال انجلس وكان الشرط الأساسي الأول لكل حياة بشرية فبالعمل تنتج الخيرات المادية الضرورية لحياة الإنسان ولا يمكن فهم دور العمل وقيمته إلاّ حين نضعه وندرسه ضمن النظام الاجتماعي للإنتاج في عصر ما. وقد كتب لينين يقول: "إنّ الاقتصاد السياسي لا يعني أبدا بالإنتاج بل بالعلاقات الاجتماعية بين الناس في الإنتاج وبالنظام الاجتماعي للإنتاج" أي أن دراسة العمل لا يمكن أن تكون بمعزل عن أنماط الإنتاج التي عرفتها الإنسانية طوال حقبات تاريخية متتالية من المشاعية البدائية إلى أنظمة العبودية والإقطاعية والرأسماليّة فالاشتراكية. لكن المؤلف كما ذكرنا في المقدّمة اختار أن يتحدّث عن العمل حسب الحضارات والأمم التي اشتهرت تاريخيّا فهو يجتهد بطريقته الخاصة ليضع تحاليل طوعها وفقا لتصوراته ومفاهيمه الظلامية.
لقد أثنى المؤلف على الحضارات الشرقية القديمة، المصرية منها والبابلية والآشورية مبديا إعجابه"بما أنجزته من ازدهار فكري ومعماري" ومؤكدا في نفس الوقت "أنّ ذلك ما كان ليحصل لولا إقبال المصريين على العمل بالساعد والفكر واعتزازهم به وإن حُرم أغلبهم من ثمرته وعاشوا فريسة للاستغلال يعانون القهر والحاجة"، ويضيف "إن الفلاحين كانوا قانعين بحياتهم تلك. هكذا كان طيلة هذا الفصل ينتقل من حضارة لأخرى متجنبا الحديث عن نظام الإنتاج العبودي كقاسم مشترك بين كل هذه الحضارات متغافلا الإشارة لنضالات العبيد وانتفاضاتهم كردّ فعل على اضطهادهم من طرف الأسياد بل أنه أشاد كما أشرنا إلى ذلك بصبرهم وقناعتهم وتحمّلهم الاضطهاد والاستغلال.
بعد هذا العرض الذي كان نقلا حرفيا لصفحات وصفحات من كتاب "قصّة الحضارة" الذي تمّ فيه اعتبار اليهود حضارة كباقي الحضارات، ينهي المؤلف الفصل ليستنتج في الصفحة 32: "وهكذا يتبيّن أنّ الرومان والإغريق وهما أساس الحضارة الغربية الحديثة لم يولوا العمل القيمة التي يستحقها ولم ينصفوا العامل ولم يمنحوه حقوقه وحريته وحرموه من ثمرة جهره في عملية الإنتاج"!!! إنّ من ينصت لمثل هذا الكلام أو الاستنتاج لا يمكنه أن يفهم إلاّ شيئا واحدا وهو أنّ الحضارات الأخرى التي ساد فيها أيضا نمط الإنتاج العبودي والتي كان فيها الإنسان يباع بما فيه قوّة العمل مثله مثل أية بضاعة، ومثله مثل الحمار والثور أحبّ الكاتب أم كره، عاملت العبد برفق أو أعطته حقوقه خلافا لحضارتي الرّومان والإغريق.
إنّ هذا "التوجّه" نحو حضارة الرومان والإغريق التي يعتبرها الكاتب أساس الحضارة العربية سنعي بدوافعه حين ننتقل معه لنطلع على تحليله للعمل في النظام الإقطاعي ويشمل هذا التحليل تقديم تعريفا لنظام الإقطاع فيقول في الص. 33: "إنّ المقصود بنظام الإقطاع ذكر النظام الذي وجد في أوروبا في بعض أنحائها خاصة فرنسا وإنجلترا خلال القرون الوسطى"!! هكذا إذا كانت أوروبا مجتمعا فاسدا منذ القدم، وهكذا ولدت حضارة الرومان نظام الإقطاع حسب المؤلف ويولد فيها بعد المجتمع البرجوازي الذي ولد في أحشائه الفكر الماركسي فكان هذا الغرب دوما مصدر مصائب الإنسانية، والأنظمة الجائرة من الإقطاع إلى الاشتراكية حسب نظر المؤلف وفي المقابل طبعا كانت حضارة الشرق مهد الازدهار فلا ثورات فلاحين ولا انتفاضات عبيد ولا صراع طبقي ( الذي استبدله المؤلف بلفظ الحرب بين سكان وسكان ) ونفس حضارة الشرق عرفت ظهور الإسلام وانتشاره في أنحائها الشاسعة وهو "النظام الذي يجب أن يسود العالم كلّه"!! تلك إذا كانت دوافع الحديث عن العمل حسب الحضارات، ولم يكن ذلك أبدا لإثراء الدراسة أو لتوسيع معرفة القارئ، كما يظنّ البعض فما عرفته الإنسانية ليس أنظمة إنتاج وتبادل وتوزيع مختلفة وإنما ما عرفته هو "أنظمة حضارات" كانت الحضارة الشرقية أكثرها إنسانية ورفقا بالعاملين والمنتجين للثروات.
ولهذا فهو لن يتردّد في فقرة العمل والعمال في المجتمع البرجوازي على مواصلة الإثناء على الحضارات الشرقية ففي الص. 39 يتحدّث مثل كلّ الأبواق الرجعيّة عن "معجزة اليابان" بعد الحرب الإمبريالية العالمية الثانية ويعتبر أن سبب ذلك يعود "إلى كون اليابانيين آمنوا بقيمة العمل البشري وخاصة الفكري منه وبمقدرة العمل البشري على الإبداع وتحقيق كلّ الأهداف الإنتاجية إذا تعلّقت همّة الإنسان بذلك..."
ويضيف: "أنّه لم يكن اليابان ليحقق ذلك وهو البلد الذي لم يتلق إعانة من أيّ كان لولا عزيمة شعبه وشغفهم بالعمل المتواصل وحبّ الإبداع والتفوّق في كلّ الميادين". لقد أصبح إنتاج الثروة الوطنية حسب المؤلف رهين "حبّ شعب وشغفه بالعمل أو عدم شغفه" وهو يقدّم لنا على سبيل المثال اليابان التي تشهد تقدما صناعيا لا يقلّ عن التقدم الصناعي الموجود في أوروبا أو أمريكا.
إن الأستاذ صالح كركر المعجب بـ"معجزة اليابان" كما سماها الاقتصاديون البرجوازيون وأعادها على مسامعنا اعتبر أن التقدّم الصناعي الذي حصل في هذا البلد بعد الحرب العالمية الثانية ( وحتى قبلها ) كان "نتيجة عزيمة شعب وشغفه بالعمل" ويعود أيضا هذا التقدّم حسب رأيه ‘لى "كون اليابانيين آمنوا بقيمة العمل البشري وخاصة الفكري منه"، وهو بمثابة الأسلوب في التحليل اللآعلمي لا يهدف إلاّ مواصلة منهجه المتمثل في الثناء على الحضارات الشرقية وتقديسها للعمل "خلافا للغرب الفاسد". لكن الأستاذ كركر لم يعطنا تفسير ظاهرة التقدّم الصناعي في أوروبا وأمريكا. فهل أن هذا التقدّم يعود إلى شغف شعوب هذه المناطق بالعمل مثل شعب اليابان، ونستطيع أن نستنتج بتالي أن شعوب وأمم آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية هي شعوب كسالى لا تحب العمل ولا تعطيه القيمة الكافية!!!؟ أم أن المؤلف يريد أن يبهرنا "بمعجزة اليابان" ( التي سنبيّن لاحقا من كان صانعها حقا أهو "حب العمل" المزعوم أم الاستغلال الفظيع لقوّة العمل ويظهر أن البرجوازية التي يبرّر الكاتب حقها في الملكية الخاصة هي وحدها الكسولة )، ليزيدنا انبهارا بحضارة الشرق المناقضة لحضارة الغرب، وإنما يؤكد سيره في هذا المنهج هو تجنّبه التام الحديث عن النظام الاقتصادي القائم في اليابان واكتفائه بالحديث عن "المعجزة".
ككل اقتصادي برجوازي يريد أن يفتخر "بعظمة النظام الرأسمالي وقدرته على تحقيق المعجزات حتى في مرحلة احتضاره". لقد تجنّب المؤلف الحديث عن صانعي الثروة الحقيقيين وعن المنتفعين منها وتجنّب الحديث عن بشاعة الاستغلال الإقطاعي والرأسمالي الذي تعرّض له على التوالي الفلاحون والعمال في بلاد "المعجزة"... أنّ الدعاية الرجعية تحجب عنا حقيقة الأوضاع في اليابان ماضيا وحاضرا وتحاول إقناعنا "بانعدام الإضرابات في اليابان" وتفاني العمال في العمل وارتفاع إنتاجيتهم وغيرها من الدعايات التي تخفي الوجه البشع لنظام الاستغلال القائم في اليابان والمدعوم من قبل الإمبريالية الأمريكية حيث تنتشر قواعدها العسكرية.
لقد عرفت اليابان إلى حدّ أواخر القرن الـ 19 هيمنة النظام الإقطاعي حيث كانت الأرض ملك الأمراء والإقطاعيين الذين يستغلون 80 بالمائة من اليابانيين وهم من الفلاحين الذين لا يملكون أرضا ويعملون كأقنان في أرض السيّد تحت شعار "لا تدعه يعيش ولا تدعه يموت" !! وكان يسمح لهؤلاء الأقنان باستغلال هكتار واحد من حسب العائلة في أرض السيد مع دفع ضريبة بين 40 إلى 60 بالمائة من المحصول كضريبة عينية إلى جانب ضرائب أخرى حول الصيد في البرّ والبحر واستغلال حطب الغابات وإنتاج الملح وعبور القناطر، وقد أدّت هذه الأوضاع إلى انفجار انتفاضات فلاحية من 1801 إلى 1867 بلغت 505 انتفاضة وحركة فلاحية، وفي حدود 1880 اندلعت انتفاضة فلاحية تواصلت بضعة أشهر لتتحوّل إلى انقلاب في السلطة وإقرار إصلاحات في دواليب الحكم حيث تمّ القضاء على الإقطاعات المجزّاة وتمّ توحيد النظام ومركزته وأصبح النظام الإداري يعتمد على مركزية السلطة ووقع إلغاء العملات المتعدّدة التجمعات الإقطاعية وتوحيد العملة وتنظيم المالية، وقد عجلت هذه الإصلاحات بتوحيد السوق اليابانية. وقد اقترن ظهور الصناعات الأولى في أواخر القرن الـ 19 باستغلال العمال والعاملات أبشع استغلال حيث كانت أجرة عامل في الصناعة الحربية 0.24 ين في اليوم وفي صناعة الحرير 0.15 ين وأجرة العاملة من 0.5 إلى 0.12 ين، بينما كان ثمن 900غ من الأرز 0.10 ين. وقد خضع العمال والعاملات إلى أنظمة استغلال فظيعة متعدّدة، فكان نظام "العرف المتدرب" حيث يعقد العرف صفقة مع كبار ملاكي المؤسسات والمناجم لإنجاز الأشغال بنظام "الياطاش" ويقوم بانجاز الأشغال متدربون صغار، وهناك نظام آخر من العمل لا يقع فيه إلاّ انتداب العمال غير المتزوجين الذين يقع إجبارهم على السكن في أماكن جماعية مع النوم والأكل الجماعي حذو مقرّات العمل، ويمضي عرفهم من ناحيته عقد عمل بـ "الياطاش" مع كبار الملاك ويستغلّهم أبشع استغلال حتى يجني الأرباح الطائلة. ووجد نظام عمل آخر حسب "عقد عبودي" حيث يبعث الفلاحون بناتهم للعمل مقابل مقدار معيّن من المال يتحصّلون عليه من صاحب المصنع، وتقيم العاملات في المصنع ويمنع عليهنّ الدخول أو الخروج ولا تتحصّلن على أجرة مقابل عملهنّ وإنما تعملن من أجل تعويض ثمن الإقامة والمقدار المالي الذي حصل عليه أبوها الفلاح الفقير.
هكذا أضطهد العمال في"اليابان المعجزة" الذي قال عنه لينين: "لا يمكن أن يكون لليابان أية قوّة مالية أو عسكرية مستقلّة دون مساعدة بلد آخر"وهو ما أثبتته كل الحروب التي اندفعت فيها البرجوازية اليابانية حين دفعها الانقليز والأمريكيون في الحرب الروسية – اليابانية ولم يدفع ثمن ذلك إلاّ العمال اليابانيين الذين شهدوا ساعات العمل ترتفع بعد الحرب العالمية الأولى.
وقد ارتفعت حركة الاضرابات من 100 إضراب سنة 1916 إلى 417 إضراب سنة 1918 وشهدت نفس السنة انتفاضة عارمة شكلت أكثر من ثلثي أراضي اليابان وساهم أكثر من 10 ملايين من أفراد الشعب الذين هاجموا مراكز الحبوب ومقرّات البوليس، وعقب ذلك ظهر اتحاد عام للنقابات. كما أنّ الأزمة الشاملة للنظام الرأسمالي العالمي في 1929 دفعت البرجوازية اليابانية إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات ضدّ العمال في 1931 كإعفاء 413 ألف عامل من الشغل والزيادة في وتيرة العمل إلى جانب شنّ حملة شرسة ضدّ الشيوعيين توّجت بإيقاف أكثر من 4 آلاف مناضل وحلّ 3 منظمات جماهيرية تقدّمية، وقد دفع الشعب الياباني غاليا ثمن مغامرات الطغمة العسكرية الامبريالية في الحرب العالمية الثانية وتقيم على أرضه الآن القواعد العسكرية اليابانية. ويعدّ اليابان اليوم من أكثر البلدان الرأسمالية تأخرا في مجال تحقيق الحقوق النقابية والتشريعات الاجتماعية إلى جانب انخفاض أجور عمال الصناعات الكبرى كصناعة السيارات مثلا بالمقارنة مع أجور الصناعات الكبرى في أوروبا. وقد شهدت السبعينات نضالات عمالية عارمة من أجل تشريعات اجتماعية أكثر عدلا ومن أجل الرفع في الأجور، ويقود عمال وشبيبة اليابان نضالا متواصلا ضدّ العسكرة وضدّ التواجد الأمريكي على الأراضي اليابانية. إنّ الثروة التي تكدّست في اليابان لم تكن على حساب أصحاب مصانع "توشيبا" و"طيوطا" و"هوندا" و"سوني" أو غيرها، وإنما كان على حساب قوّة عمل الطبقة العاملة اليابانية التي حوصرت وظللت بالأفكار القومية والشوفينية حتى تعزل عن نضال الطبقة العاملة الأممي فتستغلّها البرجوازية المحلية أبشع استغلال.
لقد انبهر المؤلف أيضا بنظام العبودية في مصر القديمة وبـ"قناعة" الفلاحين رغم فقرهم ومعناتهم، وها هو يعجب بالنظام الرأسمالي في اليابان و"شغف اليابانيين بالعمل" وكل هذه "القناعة" أو "الشغف" الذين يتحدّث عنهما ( إن وجدا ) كافيين ليزيلا استغلال العبيد المصريين أو قوّة عمل العمال اليابانيين، أو كأنهما كافيين ليحجبا عنّا طبيعة هذين النظامين الاجتماعيين الطبقيين. فضاعة اليابان عما رأينا شيّدتها سواعد عمال اليابان واستغلال عرق جبينهم وعبيد مصر هم الذين شيّدوا الأهرام والسياط تلهب ظهورهم وليس الفرعون الأكبر أو الأصغر. وهذا الاستغلال البشع الذي ذهب ضحيّته عشرات الآلاف من العبيد عند بناء الأهرام في مصر مثلا لم يثر مشاعر الأستاذ كركر وكأنه يحنّ إلى مجتمع السياط من جديد والمدافع الشجاع عن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
وإنه لملفت للانتباه حقا إعجاب المؤلف بـ"المجتمعات" التي تقلّ فيها ( حسب روايته ) الانتفاضات والثورات. وقد يكون من أسباب حقده على المجتمع الغربي أنه شهد الثورات البرجوازية الأولى في تاريخ الإنسانية وشهد كذلك أكبر الثورات الاشتراكية التي قادتها أحزاب ماركسية لينينية، وبقدر ما يعبّر المؤلف عن إعجابه باليابان بقدر ما يعبّر في صفحات قادمة عن حقد دفين للبلدان الاشتراكية رغم ما تحقّق من إنجازات عظيمة في شتّى المجالات الاقتصادية كانت أم اجتماعية أو فكري وعندما ينتهي المؤلف من استعراض "معجزة اليابان" يقدّم لنا عرضا عن أوضاع العمال في المجتمع الرأسمالي مقدّما حقائق تاريخية حول استغلال العمال الفظيع وتشغيل الأطفال وعدد ساعات العمل...الخ. ثمّ يمرّ في الصفحة 46 ليتحدّث عن نضالات المنظمات النقابية وما حقّقت من مكاسب لفائدة العمال إلى حدّ قوله: "إن العامل يتمتّع بكلّ الكماليات من منزل أنيق وسيارة فخمة وأجهزة تلفزة بالألوان والثلاجة وآلات التنظيف... حتى يتساءل الإنسان عما بقي لهؤلاء من كماليات وطموحات مادية لم تتحقّق بعد، وهذه الكماليات أصبح ينعم بها حتّى البطّال في هذه البلدان لما يتلقاه من الدولة من منحة بطالة لا تقلّ كثيرا عن أجرته عندما يكون في العمل"... وبعدما ينتهي من هذا "الوصف الجميل" لأوضاع العمال في البلدان الرأسمالية وهذا المدح المجاني للمجتمع الغربي على غير عادته يعود من جديد للإشارة إلى مظاهر "الحيف والاستغلال" دون أن يبيّن لنا ذلك ليستنتج "أن النقابات لم تكتف بالتحسينات المادية وإنما طوّرت نضالها من أجل المجتمع اللاّطبقي" حسب زعمه. لقد تجاهل الأستاذ كركر ملايين العاطلين عن العمل في البلدلن الرأسمالية حيث يبلغ عددهم في إنقلترا وحدها 3 ملايين و235 ألف عاطل ( الصباح 11/08/89 ) ونسي الأستاذ كركر إضراب عمال المناجم البطولي من أجل حقّ الشغل وضدّ غلق المناجم وتناسى وضعية ملايين العمال المهاجرين والموجات العنصرية التي يتعرّض إليها وظروف عملهم وإقامتهم، ونسي العديد من الأمثلة للنضالات العمالية التي دفع فيها العمال ثمنها آلاف الشهداء من أجل تحقيق مطالب باتت اليوم مكاسب للعمال في كافة أنحاء العالم ومتغافلا تغافلا تاما عن دور الشيوعيين البارز في هذه للنضالات لقيادتها وتخليصها من تأثيرات البيروقراطية النقابية والأحزاب البرجوازية واحتفظ السيد صالح كركر لنفسه بموقفه من نضال العمال من أجل المجتمع اللاّطبقي منتقلا فجأة للحديث عن استغلال العمال في البلدان المستعمرة في فترة جديدة اختار لها كعنوان "الهيمنة الاستعمارية".
إنّ ما يتتبّع ما جاء في الفصل المخصّص "لنظرية البرجوازية في العمل" من حديث عن "انقسام المجتمع إلى طبقات وامتلاك الرأسماليين لوسائل الإنتاج ومن تكديس للثروات على حساب الكادحين " وغيره من الكلام الثوريالمعسول، يندهش لهذا الحس الطبقي المرهف لدى صاحبنا المؤلف. ويراجع دفاعه المستميت عن الملكية الخاصة لوسائا الإنتاج وتواجد الملكيات الكبيرة وأشكال استغلال الأرض الإقطاعية وغيرها... فماذا تعني هذه الشطحات اللاّمبدئية؟ إنها لا تعني شيئا لأننا لسنا في حاجة إلى وصف أوضاع تحدّث فيها العديد من المفكرين، ولكنّ الطبقة العاملة في لبلدان المصنعة الرأسمالية في حاجة إلة معرفة طريق التحرّر الاجتماعي للقضاء على الاضطهاد الطبقي والبطالة والتجويع والتفسّخ الأخلاقي وغيرا من أمراض المجتمعات الرأسمالية أينما كانت في أمريكا أو اليابان أو فرنسا أو إيطاليا أو غيرها... وهذا ما يتهرّب الأستاذ كركر الإجابة عنه فينتقل فجأة للحديث عن استغلال اليد العاملة في البلدان المستعمرة من طرف الإمبريالية العالمية وكان جوهر العلاقة بين العمل والرأسمال في هذه الأقطار يختلف جوهريا مع العلاقة بين العمل ورأس المال في البلدادن المصنعةوينطلق المؤلف من الصفحة 47 إلى الصفحة 63 يتحفنا بأرقام وآراء واقتراحات وجداول عن الأراضي الفلاحية التي انتقلت للإستعماريين بعد احتلال تونس سنة1921 وحول الهجرة والقروض والديون وغيرها ومن حين لآخر يتحفنا بإحدى إقتراحاته كدعوته البلدان المتخلفة لتكوين منظمات على غرار المنظات المصدرة للنفط للتخلص من الاستعمار ودعوته لبناء مصانع من نمط "الاقتصاد المجري" حتى تقدر بضائع هذه المصانع على المزاحمة في الأسواق العالمية وغيرها من "التوصيات" التي لا تختلف في شيء عن ما تروجه الأنظمة الرجعية المرتبطة بمصالح الامبريالة في أجهزة إعلامها ودعايتها المظللة للجماهي إن قضية التحرّر من النهب الامبريالي بجميع أشكاله مهمة شعوب وكادحي هذه المناطق المستعمرة وشبه المستعمرة حتى تخوض نضالا وطنيا ديموقراطيا يقضي على كل الامتيازات الامبريالية والبرجوازية الكبيرة والإقطاع. فأنت تتحدّث عن البلدان النامية ولا تضع مجالا للشك بالمرّة الطبيعة الطبقية للأنظمة في هذه البلدان وتتحدّث عن هذه البلدان وكأنها وحدة لا تتجزّأ ولا تعيش صراعا وطنيا وطبقيا وكأن شعوبها تتحمّل نسؤولية نهب خيراتها وقوّة عملها وإغراق أوطانها بالديون وليست الطبقات الغنية المتواطئة مع الاستعمار، ورغم أن المؤلف ينهي فقرته حول الهيمنة الاستعمارية في الصفحة 63 ليتحدّث فيما بعد عن العمل في النظرية الماركسية فإنه يعود من جديد في الصفحة 73 إلى مناقشة مسألة الاستعمار ليوسع معرفتنا بتحليل يناقض ما كان يقوله منذ مدة قليلة وليواصل تحميل المجتمع الغربي مسؤولية مصائب الانسانية ومصدر شقائها.فهو يقول في الصفحة 73 "واما الاستعمار فقد رأينا ان الماركسية تفسره تفسيرا اقتصاديا خالصا فتعتبره نتيجة حتمية للمرحلة العليا من الراسمالية...والواقع ان الاستعمار ليس تعبيرا اقتصاديا عن المرحلة العليا من الراسمالية وانما هو التعبير العلمي بصورة أعمق عن العقلية المادية بمقاييسها الخلقية ومفاهيمها عن الحياة واهدافها وغاياتها فإن هذه العقلية هي التي جعلت الحصول على أكثر ربح مادي ممكن وهو الهدف الاعلى بقطع النظر عن الوسائل وطابعها الخلقي ونتائجها في المدى البعيد".
تجدر الاشارة الى ان الكاتب يتناقض مع نفسه لانه في الصفحة 49 يرد على اقتصادي اسمه سيمون كوزنتس يدعي" ان دافع غزو البلدان الفقيرة هو ثقافي وحضاري" فيرد عليه كركر في الصفحة 50 بقوله"ولااوافق كوزنتس فيما ذهب اليه من تقليل شأن العامل الاقتصادي في الغزو الامبريالي للعالم الثالث واراه لم يكن موضوعيا في هذه النقطة"
وبما ان صالح كركر يريد ان يضع لنفسه مدرسة خاصة فهو يعمل دوما على التباين مع التحاليل الاقتصادية السياسية الماركسية وحتى ان أدى ذلك الى سقوطه في تناقضات صارخة بيبن ما يقوله في نفس الموضوع.فأن يكون دافع الاستعمار "ثقافي حضاري"ام "تعبير عن العقلية المادية بمقاييسها الخلقية"فان كىلا الموقفين يلتقيان في نفي القاعدة المادية للامبريالية التي شرحها لينين في كتابه "الامبريالية اعلى مراحل اللرأسمالية".والذي لم يمنحه كركر أي اهتمام بل اكتفى بتغليط القراء هادفا من وراء ذلك المضي في نهجه المتمثل في كون المجتمع الغربي الذي عرف ظهور الراسمالية المتميزة بسيطرة مبدأ البيع والشراء وتحقيق الربح في كل الميادين والذي عرف ايضا ظهور الفكر المادي الجدلي والمادي التاريخي الذي قطع مع كل التراهات المثالية هو مجتمع "المادية"و"العقلية المادية بمقاييسها الخلقية ومفاهيمها عن الحياة واهدافها وغاياتها"كما قال الكاتب,فهذا المجتمع هو خلاف للمجتمع الشرقي وخاصة "الاسلامي منه" هو مجتمع الروحانيات وعالم المثل الانساني العالمي الذي انجبته الانسانية منذ القرن 19 الى يومنا هذا واعتباره لاقيمة له لان منبعه الغرب.فالراسمالية تصبح اذا متوحشة استغلالية في الغرب وصانعة معجزات في اليابان والشرق.نفهم من هذا القول حول ظاهرة الاستعمار ان انهيار الامبريالية العالمية لايرتبط بالقضاء عل النظام الراسمالي والاحتكارات العالمية التي تتقاسم مناطق النفوذ في العالم وتبعث الرعب في كل مكان بتكديسها الاسلحة الفتاكة ونشر القواعد العسكرية ومواجهة حركات التحرر الوطني بشراسة مدعمة الانظمة اللاوطنية واللاشعبية وانما يكون بالقضاء على الاستعمار ممكنا بالاكتفاء "باستئصال"هذه العقلية المادية بمقاييسها الخلقية ومفاهيمها عن الحياة"وهذا ما نفهمه بالفعل حين نستمع لما قاله الؤلف في الاسطر التالية:"فالسبب الاصيل والاسبق للاستعمار يكمن في الواقع الروحي والمزاج الخلقي للمجتمع لا في مجرد السماح للملكية الخاصة لوسائل الانتاج"
هكذا اذا اتضحت المسألة فإذا "كانت اسس الامبريالية هي اسس روحانية وخلقية متميزة" بمادية متوحشة وليس نظام الراسمالية البالغ مرحلته الاحتكارية فهل يعني هذا ان الاقطار العربية او البلدان الاسلامية او الشرقية كما يحلو للكاتب التعبير عن ذلك لم ولن تتحول هذه البلدان الى دول راسمالية بسبب ما تمتاز به من روحانيات وخلق بعيدة عن المادة؟ أفلا يعني هذا ان الكاتب شديد الرضى والقناعة بواقع حضاري وخلقي وثقافي في هاته الاقطار رغم ما تعيشه من فساد ورشوة وتفسخ اخلاقي ناتجة عن هيمنة الامبريالية في شتى المجالات.ثم كيف يصح ان نحمل كامل المجتمع الاروربي والامريكي مسؤولية ظاهرة الاستعمار في حين ان الذين نهبوا خيراتنا الوطنية واغرقوا اسواقنا ببضائعهم المصنعة وزحفت جيوشهم لتحتل اراضينا وقدموا كامل الدعم للعدو الصهيوني والرجعية ليسوا عمال فرنسا والمانيا وانما هم اولا وبالذات الذين يمسكون بالسلطة في هذه البلدان أي البرجوازية الاختكارية.
(يتبع: العمل والعمال في النظرية الماركسية- العمل في الاسلام- العامل في الاسلام- الاجور- الرد الثالث: آراء الظلاميين في البطالة والاسعار-الرد الرابع: كيف تم تقييم تجربة بناء الاشتراكية؟ خاتمة)
تونس 5 ايار-ماي- 2011





Commenter cet article