لبرنامج الاقتصادي في الفكر الظلامي(الجزء الثاني)

Publié le par mohmedalimawi

البرنامج الاقتصادي في الفكر الظلامي(الجزء الثاني)

العمل و العمّال فى النظرية الماركسية:
إنّ ما جاء فى الصفحات التي خصّصها المؤلف لجزء العمل والعمّال فى النظرية الماركسية بوسعنا أن نستخرج منها العديد من الملاحظات التي تزيدنا فهما لمواقف الفكر الظلامي والتي لا تخرج عن دائرة الخطّ العام الذى إتسمت به جلّ المواقف إلى حدّ الآن: معاداة الماركسية معاداة تامة والدفاع عن أساس حق الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج فى المجتمعات. إنّ أوّل ما يمكن الإشارة إليه هو أنّ الأستاذ كركر كان " شحيحا" إلى حدّ كبير فى مدّنا بمعلومات إضافية حول نظرية ماركس وإنجلس فى العمل عبر تاريخ تطوّر المجتمعات البشرية وحتى فى المراحل الأولى لظهور الإنسان, وكان من باب النزاهة أن يقدم لنا المؤلف تحليل إنجلس الهام لدور العمل فى ظهور الإنسان وفى حصول التحولات الهامة على مستوى اليد والدماغ ( أنظر إنجلس :" دور العمل فى تحوّل القرد إلى إنسان". كما أنّ الفكر الماركسي درس مليّا وبصفة علمية لم يسبق لها مثيلا على ضوء المادية التاريخية اولى تقسيمات العمل ودورها فى إنقسام المجتمعات الى طبقات وظهور الدولة الطبقية تلك,وهي إضافات هامة قدمتها الماركسية للفكر البشري وهي ثمرة عمل جدّي لا يصح التغافل عنه بهذه البساطة ونحن نعتقد أنّ هذا التغافل ليس جديدا ولم نلاحظه للمرّة الأولى لدى المؤلف وإنّما هو إحدى ميزات كتابه الذى يفتقد لأبسط قواعد الموضوعية , النقطة الثانية هي اوّل ما جاء فى الفقرة حين يقول المؤلف : " إنّ ماركس مثل ريكاردو يعتبر أنّ العمل البشري هو المصدر الأوحد للقيمة" ويقدّم لنا فيما بعد عرضا طويلا للمدعو باقر الصدر يفنّد فيه ما جاء فى الماركسية من " كون العمل هو المصدر الأوحد للقيمة"! ولم يجهد المؤلف نفسه كالعادة ليقدّم لنا مقولة ماركس من إحدى كتاباته العديدة التي تطرقت لهذا الموضوع ولكنه لم ير مانعا فى أن يجهد نفسه لتشويه فكر ماركس فى هذا المجال .لنستمع معا إلى ما جاء في كتاب أسس الإقتصاد السياسي:" إنّ جميع البضائع تتصف على العموم إلى هذا الحدّ أو ذاك بالخصائص المميزة التالية ، النفع ،القدرة على ان تكون موضع طلب وعرض ، الندرة ، العمل فأي من هذه الخصائص تعين قيمة البضاعة؟ قد يبدو من النظرة الأولى أن نفع البضاعة هو سبب قيمة البضاعة ذلك أنّه بقدر ما يكون الشيء نافعا ضروريّا بقدر ما تجب أن تزداد قيمته.
بيد أنّ الواقع يدلّ لدى كلّ خطوة على أنّ النفع ليس بسبب القيمة, فإنّ أنفع الأشياء غالبا ما لا تكلّف بدلا (مثلا الهواء) أو إنّها تكلّف بدلا تافهة( مثلا الماء حيث يتوفّر فى الطبيعة بكمّية كافية ، فى حين انّ أشياء قلّما تنفع الإنسان تكلف اثمانا غالية للغاية ( مثلا الألماس والمجوهرات) وبالفعل لو كانت المنتوجات تزداد أثمانها مع إزدياد نفعها لكلف الخبز والماء أغلى من الألماس والمجوهرات. ولهذا كان النفع أو قيمة الإستعمال (الإستهلاك) مجرد شرط القيمة لا سببا لها... وهل الطلب والعرض هما اللذان يحدّدان القيمة؟ قد يبدو من النظرة الأولى أن نعم. معلوم أنّه بقدر ما يزداد عرض بضاعة ما وبقدر ما تزداد كميها فى السوق بقدر ما تهبط أسعارها. ولكن إذا تعمقنا فى المسألة ، إتضح لنا أن قيمة البضاعة ليست رهنا بالطلب والعرض فقط. وبالفعل لنأخذ مثلا السكّر والملح هاتان البضاعتان تخضعان بالدرجة نفسها لفعل قانون الطلب والعرض ولكن حتّى إذا كان طلبهما يوازي عرضهما فإنّ قيمة كيلوغرام من السكّر أرفع بما لا يقاس من قيمة كيلوغرام من الملح وهذا يعنى أنّ الطلب والعرض لا يلعبان هنا أي دور. صحيح أن مقاييس الطلب والعرض لها شأنها بالنسبة لأسعار البضائع ولكنها لا تحدّد مقدار القيمة ...بل درجة إنحراف أسعار السوق عن قيمة البضاعة... هل ندرة البضاعة تحدّد قيمتها؟ يبدو أنّ الواقع يؤكّد بآلاف الأمثلة صحّة إستنتاج كهذا لنأخذ مثلا، الذهب والألماس والخبز, الذهب والألماس نادران وهما غاليان جدّا. الخبز أكثر بكثير ،ولكنه أرخص بكثير رغم أنّه ضروري لحياة الناس أكثر بكثير. ولكن هذا لا يعنى أنّ الندرة هي سبب القيمة الكبيرة... ينجم بالتالى أن سبب قيمة البضاعة لا يكمن لا فى القدرة على أن تكون موضع طلب ،وعرض ولا فى الندّرة . يبقى العمل فقط هو بالفعل أساس القيمة او كما قال ماركس جوهر القيمة."
إنّ مختلف البضائع التي تعرض فى السوق لا تجمعها أيّ فى طبيعتها والجوهر الإجتماعي لكلّ هذه البضائع هو العمل الإجتماعي أي العمل الخاضع لتقسيم العمل القائم داخل المجتمع ( كارل ماركس). إنّ قيمة البضاعة تحدّدها كمية العمل. ويتضح من ما جاء فى مقولات ماركس وفى النص التحليلي المعروض من كتاب الإقتصاد السياسي أنّ العمل له دور محدّد فى ضبط قيمة البضاعة ولكن هناك عناصر أخرى تساهم فى بلورتها.
لقد جاء أيضا فى كتاب الإقتصاد السياسي الصادر عن " أكاديمية الإتحاد السوفياتي للعلوم الإقتصادية" : " إنّ زمن العمل الضروري إجتماعيّا هو الذى يحدّد قيمة البضاعة وزمن العمل يرتبط بإنتاجية العمل التي تتطوّر حسب أدوات الإنتاج وتطوّر العلم". فاليابان المعجزة التي أبهرت الأستاذ صالح إذ تبيع بضائعها المنتجة بأثمان بخسة نسبة للمصنوعات الأوروبية كالسيارات مثلا فإنّ ذلك يعود إلى الإستغلال المضاعف الذى تعانى منه الطبقة العاملة فى اليابان وإلى كميات العمل المبذولة تحت ظروف قاسية يتمّ بتشديد وتيرة العمل إلى جانب إنخفاض سعر قوّة العمل بالمقارنة مع أقطار أوروبية كفرنسا وإيطاليا وغيرها. لقد هاجم المؤلف مقولة ماركس حول " العمل جوهر القيمة" معتمدا على نص للمدعو باقر الصدر للوصول إلى المبتغى الذى سنكتشفه رويدا رويدا مع بعضنا البعض.فلننصت مليّا لهذا الكلام من الصفحة 61 :"و قد إستطعنا أن نعرّف فى دراستنا لقانون القيمة عند ماركس بوصفه العمود الفقري للإقتصاد الماركسي كلّه: أنّ العمل ليس هو الجوهر الأساسي للقيمة التبادلية وإنّما تقاس القيمة بمقياس ذاتي سيكولوجي وهو الرغبة الإجتماعية وإذا كانت الرغبة هي جوهر القيمة التبادلية ومصدرها فلن نضطر إلى تفسير الربح دائما بكونه جزءا من القيمة التي يخلقها العمل كما صنع ماركس بل لا يمكن ان نعقل حينئذ عن عملية تكون القيمة للسلع ونصيب المواد الطبيعية الخام ذات الندرة النسبية من قيمة تلك السلع..." ويضيف فى الصفحة 67 :" فليست القيمة كلّها إذا نابعة من العمل وليس صاحب العمل هو المصدر الوحيد لقيمة السلعة وبالتالى ليس من الواجب ان تكون القيمة الفائضة ( ) جزءا من القيمة التي يخلقها العامل ما دام يمكن ان تكون تعبيرا عمّا لمواد الإنتاج الطبيعية من نصيب فى قيمة السلعة المنتجة" ويقدّم لنا المؤلّف مثال الخشب والسرير ليبرهن لنا على صحّة وجهة نظره متحدّثا عن إمتلاك الخشب لقيمة مسبّقة تساهم فى تكوين القيمة التبادلية للسرير ونحن بوسعنا أن نردّ على مثل هذا الكلام الذى لا يهدف إلاّ إلى نفي دور العمل المجدّد فى خلق القيمة. إن لم يكن من الأصلح أن يبقى السيد باقر الصدر الخشبة على وضعها دون أن يحولها إلى سرير بما أنّ قيمتها تصبح فى آخر الأمر هي نفسها بعد تحويلها إلى سرير!!
وفى الواقع إنّ كلّ ما ورد على لسان باقر الصدر لا يقودنا إلاّ نحو أمر واحد وهو نفي وجود الربح ونفي إستغلال العمّال من طرف الرأسماليين وإعتبار ما يحققه الرأسمالي من أرباح لا يرجع فضله للثورة التي أنتجها العامل وإنّما لما فى السلعة المنتجة من قيمة فى حالتها المادية الأولى والسيد كركر لا يقف عند هذا الحدّ فى دفاعه عن الطبقة البرجوازية بل يصل إلى حدّ القول فى الصفحة 68 :" إنّ الرأسمالي يخلق لنفسه قدرا من الربح من خلال مواهبه التنظيمية والإدارية فى تسيير المشروع الصناعي". لكن هذا التنظيم الإداري والصناعي والعلمي وكلّ ما تشاء ,ما هدفه فى آخر الأمر؟ أفلا يهدف تنظيم العمل على زيادة إنتاجيته ورفع كمية البضائع المنتجة فى نفس الوقت المخصص سابقا لإنتاج كمّية أقلّ؟ وهكذا تزداد كمية العمل وكمية البضائع فى حين يبقى سعر قوّة العمل ثابت فيرتفع ربح الرأسمالي. أفلا يهدّد مثل هذا التنظيم حقوق العمّال ويهدف إلى قمعها وإبتزاز قوة عملها وتكديس الثروات على حسابها وربط الزيادة فى الأجور بالإنتاج والإنتاجية!! قدّم لنا السيد كركر هذا التحليل ليصل بنا فى آخر التحليل إلى بيت القصيد كما يقال وهو " إنّه ليس من الضروري أن يكون الربح جزءا من القيمة التي يخلقها العامل لنفسه ما دام للقيمة مصدر غير العمل وبالتالى ليس من الضروري فى نظام العمل المأجور.ان يسرق المالك من العامل شيئا من القيمة التي يخلقها ليكون الصراع الطبقي بين العامل والمالك قضاء محتوما لهذا النظام".( الصفحة 68).
هكذا إتّضح أنّك مدافع أمين عن النظام الرأسمالي ، أنت الذى يدعو إلى وضع " سياسة إقتصادية إسلامية" و يدّعى معاداة الرأسمالية و إستغلالها " البشع" ؛هكذا يتضح أنّ الهدف الأساسي من تحطيم الفكر الماركسي بطرق إنتهازية أعفن بكثير من طرق الإقتصاديين البرجوازيين و لا يهدف فى آخر المطاف إلاّ إلى الإبقاء على نظام إستغلال الإنسان للإنسان ،نظام الملكية الخاصّة لوسائل الإنتاج و قهر الكادحين و إستغلال قوّة عملهم. و لكنّك تحاول فى آخر الفقرة إستدراك الأمر و تعلن لنا أنّ " الإقتصاد الإسلامي" يرفض النظريّات الماركسية و البرجوازية للعمل و تعدنا بأنّ!ك ستتعرّض لذلك فى فصل العمل و العمّال فى الإسلام" ! و نحن فى إنتظار هذا الفصل للردّ عليه لا بدّ و أن نشير إلى أنّك بإتحافنا بقدراتك المزعومة فى مجال " التنظيم الإسلامي الإقتصادي" و الردّ على ماركس لم تؤدّ فى آخر المطاف سوى إلى الدعوة للمحافظة على النظام الرأسمالي و عدم الإجهاز عليه.
بقي أن نرجع إلى ملاحظة أخيرة فى هذا الفصل قبل أن نغلقه وهي العودة لكلام قيل فى بدايته. فقد ذكر السيد كركر أنّ هناك خلاف بين ريكاردو وماركس فريكاردو يرى أنّ التوزيع للقيمة التبادلية يجب أن يكون بين أجور العمّال والربح الرأسمالي و يرى ماركس أنّ القيمة تعود كلّها للعمّال" !!! الواقع أنّ هذا ليس خلطا فى المفاهيم و إنّما هو تشويه متعمّد لريكاردو ( 1772- 1823)منظر إقتصادي برجوازي عاصر الثورة الصناعية فى أنجلترا وهو إن أعطى العمل دوره فى بلورة قيمة البضاعة و خلقها فإنّه عبّر من جهة أخرى عن أنّ وجود الطبقات ظاهرة أبدية و أزلية فى حياة المجتمع!! و ماركس منظر الإشتراكية العلمية حلّل العمل و دوره المحدّد فى خلق القيمة و إكتشف قانون فائض القيمة و اكّد حتمية إزالة الملكية الخاصّة للإنتاج و تعويضها بالملكية الإشتراكية التي تتطوّر نحو ملكية شيوعية راقية توزع فيها الخيرات حسب شعار لكلّ حسب حاجياته!!! فعندما تنتهى صفة العمل الإستعبادية بعد القضاء على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وتزول طبقة البرجوازية فى المجتمع الإشتراكي و تصبح السلطة بيد الطبقة العاملة و حلفائها الطبيعيين ، فإنّ مبادئ تنظيم العمل فى المجتمع الإشتراكي تكون حسب مبدأ مصلحة الشغيلة المادية فى نتائج عملهم و هذه المصلحة تتنامى قبل كلّ شيئ عن طريق التوزيع حسب العمل. تلك هي الإشارة الأخيرة لكلام المؤلف تعمّد فيه الخلط المقصود و سنعمّق الردّ فى هذا المجال فى الفصل المخصّص لتقييم التجارب الإشتراكية.
العمل فى الإسلام :
إنتظرنا بفارغ الصبر الوصول إلى هذا الفصل بالصفحة 147 إذ قد نضيف من مطالعتنا لهذا الفصل رصيدا جديدا لمعرفتنا فى هذا المجال وقدّم لنا المؤلّف الفصل بمجموعة آيات حول أهمّية العمل فى الإسلام وفى القرآن! ثمّ يتساءل فى فزع ملحوظ " أين المجتمعات المعاصرة والمتخلّفة منها بالخصوص من هذا الأصل الإسلامي الهام؟ ويحدثنا عن واقع هذه البلدان وما تعانيه من أزمة فى تلبية حاجياتها فى الغذاء كمثال تونس التي كانت فى ما مضى تدعى" مطمور روما"! الخلط لدى المؤلّف واضح ومقصود أيضا فهل الذى يهمكّ فى هذا الفصل دراسة العمل و تقديمه لنا حسب مفاهيم " الإسلام" أم أنّ ما يهمّك هو وفرة الإنتاج حتى و إن كان العمل فى ظلّ العبودية و إلاّ ما معنى إستشهادك بتونس التي كانت توفر إنتاجا سدّ حاجياتها و حاجيات روما فى نفس الوقت دون أن تحلّل دور العبيد و الأقنان فى خلق هذه الثروات التي يتمتّع بها الإقطاع و النبلاء!! ثمّ إنّنا نفهم من كلامك أيضا أنّ " الإبتعاد عن أصول الإسلام" يقف وراء التخلّف الزراعي و نحن لا نعرف ماذا تجيبنا إن قلنا لك ما هو رأيك فى الإنتاج الزراعي بالولايات المتحدة الأمريكية و التي هي أبعد ما تكون عن نظام الإسلام!! و بقدر ما نتقدّم فى تصفّح ورقات الكتاب بقدر متا نعثر على ثرثرة لا طائل من ورائها فمن الصفحة 150 إلى 151 آيات حول الصيد فى البحار و إستخراج الأسماك منها، ثم حديث عن حرف متعدّدة و محاولة تقديمها كصناعات ثمّ يتمّ الحديث عن العمل فى السنّة ص 154 و 155 ليستنتج فى آخر الأمر :" إنّ إنهيار القيم اليوم فى تونس لدى العديد من الناس جعلهم ينبذون العمل لا لشيئ إلاّ لأنّه شاق و يكلّفهم مشقّة و يتطلّب منهم جدّا و حزما و يؤثرون التسوّل من المذلة أو السرقة و الإنحراف".
إنّ ما ذكرناه يبيّن بوضوح أنّ المؤلّف يبرّئ الأنظمة القائمة الزراعية المتخلّفة أم الصناعية المتقدّمة من مسؤولية وجود البطالة و يحمّلها" للذين إنهارت قيمهم" و سيكون مجال الردّ على مثل هذا الكلام فى فصل البطالة القادم و التي يعود لإثارتها من جديد فى الصفحات 166...
و نواصل الآن مع المؤلف فهو يتحدّث فى الصفحة 167 عن " العمل كمصدر للقيمة و يقول فى الصفحة 168 :" و لئن بدا الغربيون ،رأسماليون و ماركسيون الكلام عن نظرية القيمة بصفة واضحة إبتداءا من القرن 18 فإنّ الإسلام قد تكلّم عنها منذ 14 قرنا". " فقد حرّمت الشريعة الإسلامية الإنتفاع بالقيمة الحاصلة دون جهد بشري كالرّبا مثلا أو بجهد بشري محرّم و الإغتصاب و الإتجار بالمحرمات و إتيان الفاحشة و غيرها و لم تعتبرها قيمة أصلا على أشهر الأقوال."
يجدر القول إنّه مثلما أتحفتنا بحديثك عن الصناعات المعملية فى عصور العبودية فإنّك تعمد مثل العديد من الظلاميين إلى الحديث عن قوّة الإسلام و إكتشاف قوانين فى مجال علم الطبيعة او علم الإقتصاد قبل قرون من إكتشافها. و لكن لا يصحّ أبدا ان تصل المغالطة إلى هذا الحدّ!! إنّ القيمة مظهر صاحب البضاعة و الإنتاج البضائعي الذى لم يتوسّع و لم يصبح سائدا و لم تصبح جميع منتجات العمل بضائع إلاّ فى ظلّ النظام الرأسمالي. فالإنتاج البضائعي هو سمة النظام الرأسمالي حيث سيطر مبدأ البيع و الشراء فى كلّ الميادين. فعن أيّة قيمة تتحدّث إذا فى مجتمع عبودي إقطاعي؟ و هل أنّ تكديس الثروة من طرف الإقطاعيين و ملاّك العبيد لا يعتبر أمرا محرّما؟ ام أنّ فرض الضرائب على الفلاحين و إضطهادهم بعقود عمل إقطاعية كالمغارسة و المساقاة... هو حلال محلّل؟ ثمّ كيف تؤكّد لنا سابقا صحبة باقر الصدر أنّ العمل ليس أساس القيمة ثمّ تعود و تتراجع و تعتبر فى الفقرة 5 من الصفحة 167 أنّ :" العمل مصدر القيمة" و فى الصفحة 230 " العمل البشري هو الأصل الأساسي للقيمة فى النظام الإسلامي" !!؟إنّك تسقط فى العديد من التناقضات لأنّك تتباين للتباين فقط فتعيد على مسامعنا ما كنت تعارضه فيما مضى و تبدّله بعبارات أخرى تحمل فى آخر الأمر نفس المعنى ،مثل حديثك عن " منافع الأبدان " عوض " قوة العمل" وهو ما يعادل كما يقول المثل الشعبي " حاج موسى" " موسى الحاج" !! و كلّ هذه الترهات لا تفعل سوى أنّها تنسف أسس " نظرية الإقتصاد اسلامي" المزعومة و التي لا توجد إلاّ فى مخيلتك و مخيّلة أمثالك من الظلاميين.
العامل فى الإسلام :
ورد بالصفحة 235 : " لقد اجمعت كلّ الحضارات تقريبا على إحتقار العمّال و حشرهم فى أوضع فئة فى مجتمعاتنا"!! و " العمّال فى المجتمعات الماركسية يقادون كقطيع الحيوانات و يأكلون ما أمكن ليتهيّؤوا للإنتاج اكثر" و بالتالى فإنّه ليست هناك حضارة او نظام أو شريعة غير شريعة الإسلام نوهت و أشادت بالعمل و العمّال"!!!
إنّه من السهل جدّا إطلاق مثل هذه الأحكام و من السهل جدّا توجيه الشتائم بهذه الصورة للمجتمع الإشتراكي ، لكن أن يحدث ذلك دون أن تقدّم أيّة معطيات ملموسة حول ذلك فهذا غير مقبول بالمرّة. و مقدّم لك و للقارئ معطيات حول معاملة العبيد و الأقنان فى " العصور الذهبية فى الإسلام" كما تسمّيها أنت و التي تمتدّ حسب رأيك من ظهور الإسلام إلى القرن 15.
كيف كان نظام إستغلال الأرض؟ من كان يعمل فى الأراضي الفلاحية؟ من كان يعمل فى الحرف و فى أعمال البناء و فى حراسة قوافل الأثرياء؟ كيف كانت جباية الضرائب؟ من هي الأمَة التي تقوم بالأعمال المنزلية و تجلب الماء و تلبّى رغبات سيدها الجنسية؟ على من وزّعت الأراضي المفتوحة و من يأتى بالعبيد من الشرق الإفريقي لإستصلاح المستنقعات فى العراق؟ و لماذا إندلعت العديد من الإنتفاضات و تواصل بعضها 15 عاما؟!
نجيبك يا أستاذ و نستهلّ إجابتنا بكلامك الماضي الوارد فى الصفحة 101 حين تبرز بكلّ حماس عدم إلغاء نظام العبودية فى الإسلام وهو أحطّ الأنظمة التي شهدتها المجتمعات الطبقية و التي يساق فيها الناس كالحيوانات بالفعل تقول فى الصفحة 101 :" فكان العبيد عملة فى الحقول و خدمة فى المنازل و الغروس و رعاة للأنعام و كانت الأماء حلائل لساداتهم و راعيات لأبنائهم فكان الرقيق من أكبر الجماعات التي أقيم عليها النظام العائلي و الإقتصادي لدى الأمم حين طرقتهم دعوة الإسلام ، فلو جاء الإسلام بقلب النظام رأسا على عقب لإنفرط عقد نظام المدينة إنفراطا تعسر معه عودة إنتظامه فهذا موجب إحجام الشريعة عن إبطال الرقّ"! كنّا فى حاجة إلى توضيح أنّ المؤلّف يتّفق و يعترف بإبقاء نظام العبودية و لكنّه إعترف به كنظام إقتصادي و إعترف بأنّ الإسلام لم يلغه كنظام خوفا من " إنفر اط نظام المدينة" أي خوفا من غضب ملاكي العبيد فماذا كانت إذا سياسة الإسلام الإقتصادية؟ هذه التي لم تضاهيها أيّة حضارة أو نظام وهو الذى حافظ على نمط الإنتاج العبودي إن لم يساهم فى إزدياد إنتشاره فى ذلك العهد!!؟
لقد وردت فى كتابات العديد من مؤرّخى ذلك العصر التي تمّ الرجوع إليها من طرف المؤرّخين المعاصرين شهادات على أنظمة الضرائب و إستغلال الراضي و الثروات الطائلة و حركات الفلاحين حين ها ضد كلّ أشكال الإستغلال...و ها هو الدكتور الحبيب الجنحاني فى كتابه" المغرب الإسلامي و حياته الإقتصادية و الإجتماعية فى القرنين 8 م و 9م ، يقول:" إنّه كان يتمّ جلب العبيد من الشرق الإفريقي و كانت توجد العديد من مراكز وصول الرقيق و توزيعهم و مراكز للخصي و قد مارس الأمويّون خاصة نظام الخصي ضد العبيد . لقد كان العبد ملكا لسيّده الذى بإمكانه معاقبته إذا عصى أو أساء السلوك وهو المالك لما للعبد من مال و يرثه إذا مات و كان على العبد أن يحمل إشارة فى عنقه حتى يعرف و لا تجوز له الشهادة و يصح له الزواج مرتين فقط خلافا للأحرار . لقد وقع إستخدام العبيد بصفة كبيرة فى الزراعة و خاصة فى الدولة العبّاسية لإستصلاح أراضي العراق و ظهر ملاكو عبيد معروفين أمثال الزبيّر الذى كان يملك 100 عبد و شكّلت فئة العبيد فى الكوفة وحدها ثُمُن السكّان و يُروى أنّ العبيد الذين جلبوا لإستصلاح الأراضي بالعراق لإزالة طبقات الأملاح و تجفيف المستنقعات فى سباخ البصرة بلغ عددهم فى بعض التجمّعات ما بين 500 و 5000 زنجي يتكدّسون فى أكواخ القشّ و القصب فى ظروف قاسية،و كانوا عُرضة لجميع الأوبئة و خاصة حمّى المستنقعات . و قد شهدت هذه المناطق أكبر الثورات الطبقية فى ذلك العصر و تواصلت من 869 إلى 883 و قد إنطلقت الإنتفاضة يوم عيد الفطر و شاركت فيها بعض القبائل كقبائل بنى تميم و إنضمّ إليها الفلاحون الفقراء الأحرار ،و قد شملت كامل مناطق البصرة ووقعت بأيدى العبيد الثائرين مناطق خوزستان و الأهواز و عابدان و ألبلة ...و قد واجهت جيوش الخليفة بكلّ وحشية إنتفاضة العبيد و لم يكن العبيد فى ظلّ هذا المجتمع العبودي الإقطاعي الفئة المضطهًدة الوحيدة فكان الفلاحون الفقراء يرزحون تحت نظام إستغلالي لا يقلّ إضطهادا و شراسة عن نظام العبودية و كانت أنظمة الجباية تثقل كاهلهم". فنظام الجباية فى أفريقية خلال أغلب العصور شديد الوطأة على السكّان و قد ساهم أكثر من مرّة فى إندلاع الإنتفاضات داخل المدن و فى الريف . يخبرنا البكري أنّ سكّان قرية ريفية بضواحي القيروان بنوا أبواب دورهم قصيرة تخوفا من الجباة و توضح إشارته هذه أنّ الجباة كانوا يدخلون فى حالات التعسّف بدوابهم مباشرة إلى أقبية البيوت وسط الدار لإبتزاز ما يجدونه من حليّ و أموال و مواد غذائية!!"
و قد تواجدت أنظمة عديدة لملكية و إستغلال الأرض فمنها نظام الإلتجاء و يتمثّل فى ركون الفلاحين الفقراء لتسجيل أراضي بأسماء الأمراء و الإقطاعيين حتّى يتخلّصوا من الضرائب و تصبح هكذا الأرض بمرور السنين ملكا للإقطاعي و مالكها الفقير يتحوّل إلى قنّ . و يوجد أيضا نظام الإلتزام الذى يتمثّل فى أن تتمّ المزايدة على كراء الأراضي و التي تتمّ عادة فى المسجد و بعد أن يستقرّ السعر يدفع الملتزم ضريبة لعام ثمّ تطوّر النظام و أصبح أكثر من عام إلى أن أصبح مدى الحياة و توزّع المحاصيل بين بيت المال و الملتزم و الإدارة " المحلّية"بينما يعيش الإثنان بما يتكرّم به الملتزم و هناك من الملتزمين من يملك أكثر من قرية،و كان يعمل لدى الملتزم فريقا كاملا من المختصّ فى السجلاّت إلى الصرّاف الذى يقوم بجباية الأموال إلى الخفراء( الحرّاس) و رعاية المواشي... و إلى جانب نظامي الإلتجاء و الإلتزام تواجد نظام الملكية الخاصة للأرض الذى دعّمته الفتوحات و قد تدعّم هذا الإتجاه خاصة منذ عهد عثمان بن عفّان الذى كانت قيمة ضياعه وحدها ألف درهم و كان شكل إستغلال هذه الأراضي بأنظمة المرابعة و الخماسة و المغارسة و المساقاة و غيرها... وكان الفلاحون الفقراء يخضعون لنظام ضرائبي مجحف . و قد ورث العرب عن البيزنطيين فى مصر و الشام نظام الضرائب و كانت الأراضي مقسمة إلى خراجية و عشرية ، الأولى تقع تحت ملك غير المسلم و الثانية يملكها المسلم و كان يتمّ الرفع من الضرائب لتعويض ما فات من تحول بعض الأراضي من خراجية إلى عشرية. و قد وضع العبّاسيون نظام المقاسمة الضرائبي الذى تدفع فيه جباية الخراج بصورة إجمالية على القرية و كان يتمّ وضع الجباية فى المزاد العلني و يعطى حقّ الجباية لمن يدفع أعلى مبلغ و هكذا كان الجباة يستعملون شتى أنواع التعذيب و التنكيل ضد الفلاحين كالضرب بالكرباج و العصا و التقييد و المنع عن الصلاة و قد قال أبو يوسف " حدّثنا هشام إبن عرفة عن أبيه أ،ّ عمر بن الخطّاب مرّ بطريق الشام فرأى فلاحين قد أقيموا فى الشمس يصبّ على رؤوسهم الزيت فقال :" ما بال هؤلاء؟ فقيل :" عليهم الجزية لم يؤدّوها فهم يُعذّبون حتى يؤدّوها" و يُره الفلاحون على العمل بدون مقابل و دفع الهدايا للإقطاع و الأموال بمناسبة الأعياد الموروثة عن البيزنطيين. و قد أعاد العبّاسيّون فرض الضرائب على الدّواب و الحيوان التي يملكها الفلاحون. و كانت توجد دار الإستخراج لتعذيب مختلسي اموال الدولة بينما لا يمسّ الجباة الذين يعذّبون الفلاحين بسوء. إن أوضاع الفلاحين هذه أشعلت نيران إنتفاضات إندلعت فى 877 م و قد إندلعت إبّان ثورة العبيد الزنج و كان مكان إنطلاقها الكوفة و شملت قبائل بادية الشام و حرفيي المدن و قد تحدّث الطبري عن القرامطة فقال:" إنّهم يجمعون أموالهم فى موضع واحد و ان يكونوا كلهم أسوة لا يفضّل أحد من أصحابه على صاحبه و لا أخيه فى ملك يملكه بشيء البتّة.. و قال لهم : " لا حاجة بكم إلى الأموال فإنّ الأرض بأسرها تكون لكم دون غيركم. و أقام فى كلّ قرية رجلا مختارا من الثقات فجمع عنده أموال قريته من غنم و بقر و حليّ و متاع و غير ذلك. فكان يكسو عاريهم و ينفق عليهم ما يكفيهم حتّى لم يبق بينهم فقير و لا محتاج و لم يبق فى ملك أحد منهم غير سيفه و سلاحه". و قد إمتدّت الحركة إلى البحرين . إنّ هذه المعطيات القليلة حول وضع الفلاحين و العبيد و الأقنان و حول أهمّ الإنتفاضات و الثورات التي عرفتها عصور الإسلام الأولى كافية لتبيّن لنا الحقيقة.
كما إعترفت بدورك أنّ الإسلام لم يقض على إستغلال الإنسان للإنسان و لم يقض على نظام العبودية المذلّ و إنّما جنّد الخلفاء و الأمراء الجيوش و الجلادين لقمع العبيد الذين يجلبون من طرف القوافل التجارية او يقع أسرهم فى الحروب . و حتّى تطبيق الشريعة الإسلامية المزعومة فى عصرنا الحالي كما حدث فى السودان و باكستان و يحدث فى إيران ليس إلاّ دليلا على حنين أمثالكم الذين مسكوا السلطة لسياط القهر و الإضطهاد.
لقد شاهدنا بكلّ وضوح ماذا يعنى تطبيق الشريعة فهو لا يعنى سوى تجويع الجماهير و إلغاء حرية العمل النقابي و السياسي و قمع الآراء المخالفة و نشر الإرهاب الفكري ،و رأينا فى المجال الإقتصادي كيف خضعت حكومة الشريعة لتعليمات صندوق النقد الدولي ،و إرتبطت بمخطّطات الإمبريالية فى المنطقة بما فيها فضائح التعامل مع العدوّ الصهيوني فى قضية الفلاشا!! إنّ الجماهير المنتفضة توجهت لحرق و تدمير إحدى مؤسساتكم الإقتصادية فى السودان التي لعبت دورا كبيرا فى تجويع هذه الجماهير ، كبنك فيصل الإسلامي الذى تأسّس بدعوى القضاء على نظام الرّبا فى البنوك! و لكنّ البنك تحوّل فى الواقع إلى مركز إحتكار للمواد الغذائية و غيرها المطروحة للبيع الموردة منها و المحلية ،و كان يتم رفع أسعار البضائع بدون حدود بإسم نظام التجارة و التجارة حلال فى الإسلام!!
إنّكم تدافعون دفاعا مستميتا عن نظام المجتمع الطبقي عبودي كان أم إقطاعي ام برجوازي، و إنّ معاداتكم للفكر الماركسي –اللينيني أساسه طبقي لأنّه يهدف إلى إلغاء الطبقات و أنتم دعاة الإبقاء على الطبقات و على إستغلال الإنسان للإنسان. بل إنّكم تذهبون إلى أبعد من ذلك حين تدافعون دفاعا مستميتا فى الفصل المخصّص لعمل المرأة عن مواقف حول المرأة لا تقلّ بشاعة عن دفاعكم عن النظام العبودي فى العصور الأولى للإسلام.
و قمتم كالعادة و حسب أسلوبكم المعتاد باللفّ و الدوران قبل أن تصل إلى صلب الموضوع, فتظاهرت بالدفاع عن المرأة و عن حقّها فى الشغل و مساواتها مع الرجل، ثمّ فتحت لنا صفحات مليئة آيات و أحاديث عن المرأة كأداة إنجاب و عن ضعفها و قدرتها على الإثارة الجنسية و عفّتها ووخز الشيطان و غيرها من تدجيلات الفكر الظلامي! فتقول فى الصفحة 252 :" و من الشروط الأساسية و التي تتماشى مع إرادة الله فى خلقه للأنثى و جعلها شطر النفس البشرية لجواز عمل المرأة خارج بيتها هو أن لا يكون عملها على حساب مهمتها الأساسية ألا وهي إنجاب النشء و القيام على تربيته،و ما إيجاب النفق لربّ الأسرة إلاّ لتفريغها لهذا الشأن". و تضيف:" ... و بعد هذا التحليل ندرك ظلم الرجل للمرأة حين يدفعها للعمل أو ظلمها لنفسها حين تعمل خارج بيتها جريا وراء تحقيق مستوى حياة أفضل و تهمل وظيفة الأمومة التي إختصّها بها اله..." ثمّ " ففى هذا الأمر من الله سبحانه النساء بلزوم بيوتهن لأنّه مجال عملهن دفع لهنّ للإنصراف إلى شؤون البيت و التفرّغ له و كذلك فيه حفظ و صيانة للمرأة من إستغلال العابثين لرقّة شعورها". و تنهى سلسلة تخميناتك حول عمل المرأة بالإستشهاد بالأصوات التي ترتفع اليوم فى البلدان المتقدّمة ( أي الرأسمالية حسب إعتقادنا) و التي تنادى حسب رأيك بضرورة ملازمة النساء لبيوتهن بعد إرتفاع عدد العاطلين ن بل إنّك تذهب أكثر من ذلك إلى إعتبار انّ عمل المرأة يسبّب البطالة للرجال و تعليم المرأة لا يهدف إلاّ تعليمها تربية أطفالها...و هكذا يصبح الإستشهاد بالغرب " المتعفّن و المادي" جائزا حين تنغلق المسألة بموقف يخدم تحاليل الأستاذ كركر ،و هكذا يعتبر صاحبنا أنّ البطالة ناتجة عن عمل المرأة و ليس عن إختيارات إقتصادية و سياسية لا تخدم مصالح الشعب متناسيا أنّ بلدان السلطة الإشتراكية التي يحقد عليها تعرف أكبر نسبة فى عمل النساء و لا تعرف البطالة...
لنعد إلى ما قيل سابقا و إلى دفاعك المستميت عن بقاء المرأة فى المنزل و عن " ضعفها" و " قدرتها على الإثارة" و غيرها من الشتائم التي وجهتها لجنس بشري! فانت المدافع عن العبودية و قد وفيت بعهدك حين طالبت بعدم المساواة بين المرأة و الرجل ذلك أنّك وفيّ إلى حدّ بعيد لمنهجك ، " فالمرأة ،هي اوّل كائن بشري إضطرّ إلى أن ...فى قيود العبودية" إذ" كانت عبدة قبل ان يكون العبد" كما قال أوغس بيبل ، و ذلك عندما حدث أوّل تقسيم عمل فى تاريخ الإنسانية بين المرأة و الرجل فى المجتمع المشاعي البدائي! و أنت الذى تريد إبقاء العصور المظلمة و إبقاء إضطهاد الإنسان للإنسان لا تتخلّف عن ذلك لمّا تتعرّض لمسألة المرأة و تواصل فى نفس النهج . لقد شاهدنا حملاتكم الهستيرية فى تونس و الكويت و مصر و السودان و الجزائر و إيران من أجل تعدّد الزوجات و إبقاء المرأة فى موقعها المتخلّفة و تابعنا أيضا الردود التي إنطلقت ضدكم إلى حدّ أنّكم لمّا إفتضح أمركم و فقدتم أقرب حلفائكم نتيجة مواقفكم الظلامية المفضوحة ذرفتم دموع التماسيح و تظاهرتم ب" اللين". و الدعوة على "الحوار" و غيرها من الأساليب الإنتهازية المعتادة فى إنتظار الظرف المناسب للهجوم من جديد... إنّ إذلالكم للمرأة و دعوتكم لحبسها فى المنازل لتكون أداة متعة و إنجاب جزء لا يتجزّأ من دعوتكم للإبقاء على الملكيات الكبيرة و رفض المساواة المادية بين الناس و كذلك دعوتكم لإبقاء أشكال الإستغلال الإقطاعية للأرض كالمغارسة و الخماسة و غيرها...
الأجور:
في محور الأجور يقدّم المؤلف الفصل بحديث عن " الرأسمالية التي تعتبر العمل بضاعة تباع و تشترى بينما تعتبر الماركسية أنّ قوّة العمل هي التي تباع و تشترى كالبضاعة، ثمّ يُقدّم لنا موقف الإسلام الذي يعتبر أنّ " منافع الأبدان هو محلّ البيع و الشراء و منافع الأبدان هو الأثر الذي يتركه عمل العمّال أثناء عمليّة الإنتاج" ( الصفحة 267).ليس مثل هذا الكلام فى الواقع إلاّ ثرثرة لا تستحقّ أي ردّ سوى أن نقول لك إنّك مثل الصياد غير الماهر الذى أفرغ جعبة خراطيشه و لم يصطد شيئا فلم يعد بإمكانه أن يخفي قلّة مهارته!!
فلقد ثرثرتَ مثلما اردت في مواضيع أخرى و لم تقدر على ذلك في هذا المجال و أصبحت " ترتّب" الحروف و الكلمات و كأنّ الإقتصاد السياسي يقبل مثل هذه الترّهات! إنّ قوة العمل هي التي يشتريها البرجوازي من العامل و لا يمكنك إلاّ أن تنحني إجلالا لعظمة كارل ماركس فى إكتشاف القوانين المسيّرة للنظام الرأسمالي. و بعد هذا التقديم لفصل الأجور ، يؤكّد المؤلّف فى الصفحة 271 على أهمّية إعتبار المهارة و المستوى العلمي و الثقافي و تقديم الحوافز المادية و المكافآت لتشجيع العمّال على الإنتاج و الإنتاجية و فى الصفحة 273 يراجع المؤلّف موقفه من نظام المغارسة و المساقاة و يدعو إلى إقامتها على أساس النصف ثمّ يدعو إلى إلغاء الأجور فى القطاع الصناعي على أن تعوّض بكراء وسائل الإنتاج من ملاّكها مقابل مكافأة معيّنة تسلّم لهم وبعدئذ تُوزّع بقية الإنتاج بين العمّال .غنّ هذه المواقف تختلف من سطر لآخر فهي تارة تدعو إلى المحافظة على نظام الأجور و تارة تدعو إلى إلغائه و تارة دعوة للمحافظ على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج و تارة دعوة لكراء وسائل الإنتاج و من جهة التمسّك بنظام المغارسة كما أقرّه الشرع و من جهة أخرى المطالبة بتحديده بالنصف...
هذا لا يعنى غير كون المؤلف أسير منهجه فهو يريد أن" يصّيّر ما لا يصير " وهو فى آخر الأمر لا يريد إلاّ الإبقاء على نظام الأجور بصيغته الرأسمالية حيث تكدح الأغلبية لتحصل على أجور ضئيلة و يكدّس الكسالى الذين لا يعملون و يعيشون من إستغلال الإنسان للإنسان و لهيمنة الإمبريالية على وطننا العربي حين يختتم فصله هذا بتوجيه نصائح ثمينة لقوى الإستغلال فيدعوها في الصفحة 238 إلى تكوين العمّال عقائديّا لأنّ " الإسلام لا يقسّم الناس إلى فئات و طبقات متناحرة و متصارعة و إنّما يجعل كلّ الناس مشتركين فى العقيدة و التربية الروحية و التعليم..."
هكذا يكفينا أن نكون" مشتركين فى العقيدة " و لا يهمّ إن ملك بعضهم مئات الهكتارات و آلاف الغروس و القصور و يجنّد قوى القمع لحمايته و يتواطؤ مع الإستعمار العالمي و لم يملك البعض الآخر سوى قوّة عمله فإنّ عمل أكل و إن لم يعمل لا يأكل و يعيش تحت وطأة الضرائب و إرتفاع الأسعار و خطر البطالة الدّائم! هذا لا يهمّ ! ثمّ منذ متى كان إنقسام المجتمع إلى طبقات هو حسب " شهوة و ميل الأديان و الأفكار أو الفلاسفة"!!! أفليس إنقسام المجتمعات إلى طبقات شيء موضوعي قائم الذات أحببت أم كرهت؟ أفلم تعترف بنفسك بوجود الملكيات الكبيرة و عارضت تأميمها؟ أفلم تحدّث عن إنقسام المجتمع البرجوازي إلى طبقات متصارعة ؟ إنّنا ندعوك إلى التثبّت فيما تقوله حتى لا ترتكب إثما فى حقّ الطبقات الثريّة لأنك تكشف عنها أحيانا و تستر أمرها أحيانا أخرى. أمّا الطبقة العاملة و الماركسيّون- اللينينيون فإنّهم فهموا من أنت و من تمثّل و هم سيواجهونك ككلّ عدوّ طبقي.
الردّ الثالث : آراء ظلامية فى البطالة و الأسعار
البطالة :
تعرّض المؤلف العديد من المرّات إلى قضيّة البطالة سواء كان فى الفصل الذى يتحدّث عن عمل المرأة أم فى فصل " العمل و العمّال فى ظلّ الإسلام" أم فى فصل " العمل فى الإسلام".
ففى فقرة " حقوق العمل فى الإسلام" يعتبر المؤلف أنّه يجب على العامل العمل و أنّ" العامل فى النظام الإسلامي مدعوّ شرعا إلى نبذ البطالة و الإقبال على العمل و الإنتاج لأنّ فى ذلك الخير كلّ الخير له و لكلّ المجموعة"!! و نحن نفهم من مثل هذا الكلام أنّه يعنى أنّ العامل هو المسؤول عن البطالة ثمّ إنّ الدعوة للإقبال على العمل ووجوبه إلى حدّ أنّه يستشهد فى الصفحة 238 بحديث لمحمّد عن يد ورمت فى العمل قوله" هذه يد يحبّها الله و رسوله"! إ،ّ هذه الدعوة للإقبال على العمل فى ظلّ نظام المحافظة على الملكية الخاصّة لوسائل الإنتاج و على علاقات الإنتاج الإقطاعية فى الريف ليس إلاّ دعوة تسخير الكادحين لصالح الإقطاع و كبار البرجوازيين و هذه الدعوة فى الواقع هي تطبيق للآية التي تقول :" نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضا سخريا".و بالتالى من لا يرضى بالإستغلال و التسخير لصالح الإقطاع فهو كسول غمرته أهداب البطالة و يواصل المؤلف فى الصفحة 238 هجوماته على العاطلين حين يصيح:"...و ماذا بقي للناس بعد كلّ هذا الكلام و التذكير لينزعوا عنهم أهداب البطالة و الكسل و يتكلموا و يشمّروا و يسعوا فى كلّ أنحاء الدنيا : برّا و بحرا و جوّا، فى الحقل و المصنع و المخبز و المتجر و فى كلّ مكان فيستخرجوا الخبرات و يرفعوا الإنتاج و يحيوا الأموات و ينقذوا المؤسسات المفلسة و يستوعبوا التقنيات الحديثة و يؤقلموها حسب محيطاتهم و طبيعة مجتمعاتهم و ينموها و يتجاوزوا فيها أعدائهم فيقفوا على شبح الفقر و الخصاصة فى مجتمعاتهم و يقطعوا أكبال التبعية للمتكبّرين من الرأسماليين و الشيوعيين من اليهود و النصارى و الملحدين"
ما يُفهم من مثل هذا الكلام هو أنّ البطالة هي إختيار الجماهير العاطلة و ليست نتيجة إختيارات سياسية و إقتصادية.! لقد حلّل السيد كركر سابقا ظاهرة الإستعمار بعوامل خلقية حسب زعمه و لا تمتّ هذه الظاهرة بصلة ؛سب قوله لنظام الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج أو النظام الرأسمالي وهو يعتبر أيضا أنّ البطالة هي أيضا ظاهرة خلقية و ليست إحدى مظاهر المجتمع الرأسمالي الوحشي الذى لا يتردّد فى بعث ملايين العمّال إلى أحضان البطالة من أجل أن تبقى أرباح الراسمالي فى حالة إستقرار فى ظلّ ظروف الأزمة الإقتصادية نتيجة فوضى الإنتاج و اللهث وراء الأرباح. أمّا فى البلدان الزراعية المتخلّفة فإنّ إهمال الريف و إنعدام التصنيع الوطني و الإبقاء على الأراضي المهملة تسبّب فى تراكم جيش العاطلين يضاف إليهم ضحايا السياسة التعليمية الإنتقائية. و نورد أيضا قول المؤلف الذى يقول فى الصفحة 166:" ... من ذلك أنّك ترى البطالة متفشّية فى المجتمعات النامية و منها المجتمعات الإسلامية و كذلك السرقات و الإعتداء على أموال الغيرفى حين تجد المساحات الشاسعة من الأراضي الفلاحية نهبا للإهمال كلّ ذلك يحدث لا لشيء إلاّ لأنّ الناس فى تلك الدول و خاصة الشباب منهم كرهوا العمل الفلاحي و ترفعوا عنه ورأوه غير مناسب لمروءتهم المزعومة فآثروا التسكع مع ما يصحبه من سرقات و إجرام و إنحلال فى الأخلاق و لا تقف خطورة الأمر عند هذا الحدّ بل تسبّبت هذه الحالة للعديد من الدول الفقيرة فى السقوط فى شباك التبعية الدولية للحصول على لقمة العيش النكدة بعد أن عجز إنتاجها عن تلبية حاجيتها"!!!
نحن معتادون على سماع مثل هذا الكلام من مواطن عادي طيّب يحاول تحليل أسباب عزوف الشباب عن العمل الفلاحي،و لكن أن نسمعه من " السيد المنظّر الإقتصادي" فإنّه لا يعنى سوى أن طبقة هذا المنظّر الإقتصادي البارز أي طبقة الإقطاع ، ساخطة على ندرة اليد العاملة الفلاحية التي تسخر لتجني لهم الثروات لقاء أجرة زهيدة و ظروف عمل قاسية...
و إنّ السيّد كركر لا يتوقّف عند هذا الحدّ فى مهاجمة الكادحين و أبناء الشعب العاطلين و ما يوازيه من تبرئة ساحة الأنظمة اللاوطنية و اللاديمقراطية فى الأقطار الزراعية المتخلّفة بل إنّه" تألّم" لسقوط هذه الأنظمة فى التبعيّة الدولية و إعتبر أنّ الدافع لذلك هو " الحصول على لقمة العيش النكدة " و ن أسباب ذلك المباشرة إبتعاد الشباب عن العمل الفلاحيّ!!! هكذا إذا تصبح الأنظمة العميلة حسب الأستاذ ضحيّة " المتسكعين" و العاطلين الذين لم يبقوا فى الأرياف يحرثون أراضي الأسياد و يوفرون الثراء و تقع هذه الأنظمة فى العمالة لا نتيجة تركيبتها الطبقية و إرتباطها التاريخي بالإمبريالية و إنّما نتيجة حسن " نيّتها" المتمثّل في " سعيها للحصول على لقمة العيش".
و فى ختام تدخلاته حول البطالة يواصل المؤلف بكلّ شجاعة " التأكيد على أ،ّ المسألة ليست برامج إقتصادية تقليدية و ليست مسألة اموال و لا تجهيزات و لا تشجيعات و لا جلب مياه و طاقة كهربائية و لا توفير أسمدة و أدوية و آلات حديثة . المسألة أكبر من ذلك،فهي مسألة تغيير لعقلية الفرد فى هذه المجتمعات بالقضاء على إنبهاره بالغرب و بالرغبة فى تقليده فى نمط الحياة"! و يضيف:" و إعادة بناء الفرد تهدف إلى تعبئته بروح العمل و التشييد و إسهامه فى إعادة بناء مجد أمّته و مرضاة لخالقه و سدّ حاجياته عن طريق مباح لا يزيده إلاّ عزّة و كرامة"!!
تلك هي إذن دعوات للكادحين للبذل و العطاء و الكفّ عن " الكسل" كما يقول المؤلف ليبقى كما يريد الأستاذ صالح أصحاب الملكيات الكبيرة و مالكو وسائل الإنتاج ينعمون بإنتاج الكادحين . و عندما تتكرّر على مسامعنا دعواتك الأخلاقية للعمل و البذل و العطاء تخجل أن تقول لمن سيكون هذا البذل و العطاء فترجعه إلى الخالق داعيا من وراء ندائك الكادحين إلى إرضاء الطبقات الثرية التي دافعت عنها على طول صفحات مؤلّفك دفاعا مستميتا و كنت أحسن معبّر عن مصالحها الطبقية كما بيّنّا ذلك.
الأسعار :
إستهلّ المؤلّف فصل الحديث عن" القيمة التبادلية فى الإسلام" بمدّنا بمعلومات عن آراء بن تيمية فى التسعير متحدّثا فى الصفحة 172 بإعلان مباشر بأنّ " حرّية التملك و التصرف بالملك هي القاعدة العامة و الأصل فى الإسلام" ثمّ يعرض حالات عدّة حول عملية البيع و الشراء و مقولات لإبن تيمية و العديد من المفكّرين الدينيين و فى الصفحة 182 يلفت إنتباهنا ما قيل عن أحمد أبو داود الذى قال :" غلا السعر على عهد رسول الله فقالوا يا رسول الله لو سعرت قال : " إنّ اله هو القابض الباسط المسعّر و إنّى لأرجو أن ألقى الله عزّ و جلّ و لا يطالبنى أحد بمظلمة ظلمتها إياه فى دم و مال"! و عن أبى هريرة قال أبو داود :" جاء رجل فقال يا رسول الله سعّر فقال "بل أدعو الله ... ثمّ جاء آخر فقال يا رسول اله سعّر فقال بل الله يخفض و يرفع"!!! و يختم المؤلف هذه الإستشهادات فى الصفحة 192 حين قال " و يتجلّى مماّ ورد فى أقوال علماء الشريعة الإسلامية عموما أنّ حرّية التملك و التصرّف بالملك هي القاعدة العامة و الأصل فى الإسلام.. من ذلك أنّ الأسعار تعيّن بصورة حرّة على الأسواق و السعر يمنع فى الحالات العادية و ذلك مصداقا لقوله صلعم :" إنّ الله هو المسعّر القابض" و " الحديث الشريف يبيّن أن التسعير فى الحالات العادية هو إخلال بنظام الله فى الكون و إخلال بتقسيم اله للأرزاق بين عباده على الأرض و إخلال بعملية التوزيع العادلة"!
سوف لن نستسلم لمشيئة القدر المحتوم كما يدعونا إلى ذلك المؤلف و سنحاول على ضوء الفكر الماركسي-اللينيني تحليل مسألة الأسعار فى ظروف الأقطار الرأسمالية المتقدّمة و فى ظروف الأقطار الزراعية المتخلّفة المهيمن عليها . نظريّا تحدّد أيّة سلعة بالإستناد إلى تكاليف الإنتاج. و عملية الإنتاج تتطلّب مادة أولية و آلات و قوّة عمل ،فهذه القيمة تتحدّد إذا بما بذل فى عملية الإنتاج من قوّة عمل بإعتبار المادة الأولية و كذلك الآلات و صيانتها تقيمان كذلك على أساس قوّة العمل التي إحتاجتها إلاّ أنّ واقع الأسعار فى البلدان الرأسمالية يؤكّد أنّها تتجاوز دوما حدود تكلفتها فينضاف إليها فائض خاضع للزيادة و النقصان يعود على صاحب رأس المال و بالتالى يغذّى رأس المال من جديد... أمّا بالنسبة للبلدان الخاضعة للسيطرة الأجنبية و التي ترتبط فيها الأسواق المحلّية بالأسواق العالمية فإ،ّ الوضع يختلف حيث أنّ التحكّم فى سعر الإنتاج عملية غير ممكنة بإستثناء العنصر المتعلّق بأجرة العامل أي سعر قوّة العمل !! فيحكم إرتباط السوق المحلّي بالسوق الرأسمالية العالمية بل إنّه فى جزء منه تخضع البضائع المعروضة لتقلّبات هذه السوق نو هكذا يبقى أمر التحكّم فى الأسعار فى الأنظمة غير الإشتراكية و فى ظلّ سياسة لا شعبية أمر مستحيل دون القضاء على نظام الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج و بناء المجتمع الإشتراكي و بالتالى فإنّ المسألة ليست من نظام الله فى الكون و إنّما تخضع لقوانين موضوعية يُمكن توجيهها فى إتجاه مصلحة الكادحين إذا تمّ إكتشافها و فهمها.
الردّ الرابع : كيف تمّ تقديم بناء الإشتراكية ؟
أطلق الكاتب العنان لشتم النظام الإشتراكي و إتخذ ، فى بضعة صفحات ، ثلاثة أمثلة : الإتحاد السوفياتي و الصين و بولونيا!! و يعرض لنا المؤلّف صورة سوداء قاتمة عن التجربة فى هذه البلدان فهو يقول إنّ ثورة 1917 لم تقض على الفوارق فى الأجور و لا على التمايز الطبقي و ط تحسّر" على غياب الحريات فى الإتحاد السوفياتي !! نحن لم نفهمك بالضبط فأنت تعيب على النظام الإشتراكي عدم القضاء على الطبقات فى حين أنّك دافعت طيلة مؤلّفك على بقاء الطبقات ، ثمّ إنّك تمرّ مرّ الكرام على الإنجازات العملاقة التي تحقّقت فى هذا البلد بسواعد العمّال و المخطّط الإقتصادي الإشتراكي !!! لقد تمّ إثر الثورة على الفور تأميم الأرض و البنوك و إلغاء الديون الأجنبية و تأميم المراكز الصناعية خاصة تلك التي أغلقها أصحابها لخلق مصاعب فى معيشة العمّال و أمّمت الدولة وسائل المواصلات و المخازن و المستودعات و حصرت التجارة الخارجية كلّها فى نطاق الدولة.زز و رغم المحاصرة البرجوازية الشديدة داخليّا و خارجيّا من طرف 14 دولة إمبريالية دفع عمّال الإتحاد السوفياتي الثمن غاليا و إستشهد أكثر من 180 ألف عامل فى الحروب الأهلية و مواجهة الحصار. و بعد مرحلة السياسة الإقتصادية الجديدة ، أعطى ستالين التوجيهات للهجوم على مواقع الكولاك لضرب قلاع البرجوازية الزراعية الكبيرة و لإنشاء التعاونيات الفلاحية إلى جانب مزارع الدولة.
و فى الوقت الذى كان فيه النظام الرأسمالي يعيش أزمة خانقة حيث عشرات الملايين من العاطلين عن العمل و إستفحال الأزمة العالمية و آلاف الشركات المفلسة و نهب المستعمرات و التحضير لحرب إمبريالية جديدة ، كان الإتحاد السوفياتي البلد الإشتراكي الوحيد يعرف نموّا هائلا فى الصناعة و قضى على البطالة و خلق إنتاجا زراعيّا ضخما على أساس التعاونيّات و مزارع الدولة و تحسّنت الظروف المادية للشغيلة!! فإدعاؤك المزعوم حول عدم القضاء على الطبقات لا يعنى سوى أنّك تجهل طبيعة المجتمع الإشتراكي الذى ليس سوى مرحلة نحو بلوغ المجتمع الشيوعي عندها تزول الدولة و الطبقات!! فالصراع الطبقي فى المجتمع الإشتراكي يتواصل بين الخطّ الإشتراكي و خطّ إعادة بناء الرأسمالية الذى يمثّل مصالح البرجوازية !!ولكن هذا لا يعنى أنّ الصراع فى المجتمع الإشتراكي هو نفسه الذى يعرفه المجتمع الرأسمالي.
أمّا إدعاؤك بأنّ الفوارق فى الأجور لم يتمّ القضاء عليها فيدلّ أيضا على جهلك التام أو تعمّدك التشويه !! يتقاضى العامل فى المجتمع الإشتراكي أجرته على أساس مبدأ " لكلّ حسب كمية مساهمته فى العمل " أمّا شعار " لكلّ حسب قدرته لكلّ حسب حاجياته" فهو شعار المستقبل الشيوعي. و هذا يعنى بالفعل وجود لامساواة فى الأجور فى الإشتراكية و كما أشار لينين فإنّ الإشتراكية تقضى على اللامساواة الكائنة فى ملكية وسائل الإنتاج كونها ملكية خاصة و لكنها لا تملك القدرة فورا على تحطيم اللامساواة الكائنة فى عملية توزيع المواد الإستهلاكية تبعا للعمل المبذول ، لا حسب الحاجة و ما يميّز المجتمع الإشتراكي عن المجتمع الشيوعي الأرقى هو أنّه لا يتخلّص من عيوب التوزيع و من لامساواة " الحقّ البرجوازي" . إنّ الإشتراكية لا تتفوّق على الرأسمالية بالقضاء على اللامساواة فى الأجور . إ،ّها تقضى بالأحرى على طبقة المستهلكين التي التي يفصلها فارق هائل عن العمّال و الموظفين و المتحصّلين على أقصى حدّ للأجور، الطبقة التي تقتطع مداخيل خيالية لا على شكل أجور بل كجزء من الأرباح ، و هذا يعنى ليس من جهدهم الخاص و إنّما من جهد الآخرين.
إنّ بناء الإشتراكية تجربة عظيمة و ثريّة جدّا رغم النكسات و أنت بنفسك تعترف بعظمة الإنجازات التي تحقّقت فى الصين ثمّ تقول " إنّ الفئة الحاكمة إصطدمت بالشعب الذى لم يتشبّع بالماركسية-اللينينية ".كيف رفض الشعب الصيني الماركسية-اللينينية و الحزب الشيوعي الصيني و هما اللذان قاداه لهذه الإنتصارات العظيمة!!؟ وقد كتب الكثير عن تجربة الصين قبل حدوث الإنقلاب البرجوازي الذى رحّبت به حين إبتهجت لإيقاف السلطة فى الصين الثورة الثقافية و إقترابها من الفطرة البشرية"!! أي عودتها للنظام الرأسمالي و الإقتراب من الإمبريالية العالمية و الخروج نهائيّا من معسكر الثورة الإشتراكية العالمية!!
لقد فهمنا مليّا من خلال كامل مؤلفك لماذا تعادون الفكر الشيوعي و تجربة بناء الإشتراكية و فهمنا جيّدا إختياراتكم الإجتماعية و الإقتصادية التي هي جزء من إختيارات الإمبريالية العالمية فى الأنظمة المرتبطة بها و إنّنا لنشكرك على شجاعتك فى الإفصاح عن حقيقة الفكر الظلامي حتّى تعرف كلّ القوى التقدّمية و الوطنيّة خطورة برامجكم فى كلّ المجالات.
خاتمة :
ليس هناك مجال للشكّ فى أنّ الأساس الطبقي لهذا الفكر هو الإقطاع المتساقط و المرتبط بالإمبريالية العالمية و لن يعني وصول الظلاميين إلى السلطة فقط إقرار تعدّد الزوجات و إضطهاد المرأة و قطع اليد و الجلد و الشنق و إنّما يعنى أيضا تعميق الإضطهاد الوطني و الطبقي و نشر الإرهاب الفكري و إذلال الجماهير الشعبية بفرض العمل السخرة و الإنتاج قسرا لصالح الأسياد و معاداة كلّ حركة صراع طبقي معاداة تامّة و قمعها قمعا دمويّا و الدفاع عن الطبقات الثريّة. و من الخطإ حصر الصراع مع الظلاميين فى مسائل إيديولوجية و إنّما يجب توسيعه على كلّ الجبهات لفضحهم و كشفهم للجماهير كشفا تامّا.فبرنامج الاخوان بجميع تفرعاتهم هو برنامج النظام الامبريالي وهم عملاء اوفياء للاستعمار الجديد ويكفي النظر الى تجربة السودان او افغانستان او ايران او حتى ما يحصل من قمع في غزة من قبل حماس الخ يكفي النظر الى مثل هذه التجارب لفهم حقيقة الاخوان وما يترقب الشعوب من قهر وحرمان في صورة رجوع مثل هذه القوى المتخلفة والتي تعّول عليها الامبريالية كثيرا لقمع تطلعات الشعوب نحو التحرر.
المراجع :
1- كتاب الإقتصاد السياسي – أكاديمية الإتحاد السوفياتي للعلوم، معهد العلوم الإقتصادية.
2- ينكيتين: أسس الإقتصاد السياسي ، دار التقدّم .
3- كارل ماركس : الأجور و الأسعار و الأرباح ؛ العمل المأجور و رأس المال.
4- إنجلس : موجز رأس المال ؛ ضد دوهرينغ .
5- ماركس و إنجلس : بيان الحزب الشيوعي .
6- التاريخ الإقتصادي للبلدان الرأسمالية الكبرى – منشورات الشعب ، بيكين ، أكتوبر 1975.
7- مارتن نيكولاس :إعادة الرأسمالية فى الإتحاد السوفياتي ، ترجمة أحمد سليم.
8- أحمد علبي : الإسلام و المنهج التاريخي.
9- الدكتور الحبيب الجنحاني : التاريخ الإقتصادي و الإجتماعي للمغرب الإسلامي ( ق 8 و 9)
10- مصطفى التواتي : التعبير الديني عن الصراع الإجتماعي فى الإسلام.
11- هادي العلوي : فى الدين و التراث.
12- جندلي صلبا الحوزي : دراسات فى اللغة و التاريخ و الإقتصاد و الإجتماع عند العرب.


Commenter cet article