نظرتان متناقضتان للمجلس التأسيسي

Publié le par mohmedalimawi

ستجرى انتخابات المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر القادم وقد استعد النظام في تونس إلى مثل هذا الموعد أحسن استعدادا مثلما بينا ذلك في نص "المجلس التأسيسي في خدمة من؟..." فقد انتدبت وزارة الداخلية العديد من الأعوان وكثف النظام عمليات التمشيط بهدف تجنيد الشباب واستدعى فرقا خاصة من أوروبا وتحديدا من اسبانيا لتدريب اعوان الامن كما حلت البعثات الأوروبية والأمريكية بالبلاد تحت غطاء مراقبة الانتخابات. وظلت الهئية العليا "المستقلة" للانتخابات تزايد بالحياد وترفع شعار الشفافية الخ...في حين أن رئيسها تربى وترعرع في أحضان الحزب الاشتراكي الفرنسي ومنظمات المهاجرين التي كان هذا الحزب يدعمها ماليا.
ومع اقتراب موعد الانتخابات تعالت الأصوات المنادية بدعم هذه القائمة أو تلك وبلغت الإشاعات والمزايدات حد تحديد هوية الرئيس القادم . وفي ظل هذه التحضيرات وما تشهده الأحزاب من غليان وحراك داخلي(111 حزبا حسب الإحصاء الرسمي) يبقى الشارع وخاصة الأرياف خارج هذا الغليان وتفيد المعطيات الميدانية أن أكثر من 60% من الشعب لا يثق في هذه الأحزاب .و ترشّح عمليات سبر الآراء المغشوشة حصول التجمع من جهة والأصوليين الإسلاميين بكل تفرعاتهم من جهة ثانية على أغلبية مريحة. وتهدف هذه العمليات طبعا إلى التأثير في الرأي العام والتحكم في قراره الأخير عند الاقتراع.
لقد وقع تسجيل أكثر من نصف الناخبين الذي يبلغ عددهم قرابة 7 ملايين ناخب وعلى عكس الانتخابات السابقة فان الأغلبية ستشارك في الانتخابات و أقلية ستقاطع عن وعي ومن منطلقات سياسية ، دون احتساب العناصر اللامبالية والتي قد تبلغ نسبتها 30% من الناخبين. فما هي أهداف الأحزاب في هذه الانتخابات ولماذا اختارت بعض التيارات السياسية المقاطعة؟
نظرتان متعارضتان:
يمكن تبسيط الخارطة السياسة للقارئ وتقسيم القوائم كما يلي:
أ-الاحزاب المنحدرة من التجمع.
ب- الاحزاب الاسلامية.
ج- "القطب الحداثي" بما في ذلك "اليسار" علما وان القوائم المستقلة-في أغلبها- ليست في الحقيقة مستقلة ويمكن ربطها بالتقسيم المذكور أعلاه إذ نجد قوائم مدعومة من قبل التجمع وأخرى من قبل الإخوانجية وثالثة يزكيها علنا اليسار.
يريد التجمع أو التحالف تجمع- إخوان إعادة بناء دولة نظام العمالة وليس من قبيل الصدف أن يزور الباجي قائد السبسي اوباما قبيل الانتخابات فهو يذهب إلى معقل الامبريالية ليتلقى الأوامر فيما يخص الوضع العربي عامة و القطر خاصة وليس من قبيل الصدف أيضا أن يصرح مورو الاخوانجي بأن أمريكا تزكي الائتلاف بين التجمعيين والاخوانجية. أما الاخوانجية الذين يتاجرون بالدين فهدفهم هو تمهيد الأوضاع من اجل فرض الشريعة كقانون بما أن تونس دينها الإسلام.
بالنسبة للواعين سياسيا من ضمن الجماهير الشعبية ،تعتبر هذه القوى الرجعية منتهية على الورق وقد اتضحت عمالتها أكثر من مرة. في حين تظل قوى اليسار الانتهازي تزايد بالدفاع عن الشعب ولم يقع فضح نواياها بما فيه الكفاية إذا استثنينا الأحزاب المتورطة مع الجنرال الفار والتي شاركت في جل الانتخابات المزورة مثل مجموعة الطريق الجديد ووزيرها احمد إبراهيم ومجموعة الحزب الاشتراكي اليساري وحزب العمل الوطني الديمقراطي.
تنادي أحزاب اليسار الإنتهازي الحالية بالنضال عبر المجلس التأسيسي من أجل جمهورية ديمقراطية – مدنية – اجتماعية الخ وهي تبث الأوهام وتغالط الشعب وتدّعي انه بالإمكان إيجاد الديمقراطية الشعبية في ظل دولة الإستعمار الجديد يحكمها ائتلاف طبقي رجعي يطبق أوامر النظام الامبريالي على حساب مصالح الشعب. وقد بينت الأحداث أن أحفاد خروتشوف وأحفاد كاوتسكي و خوجا و غيرهم من التحريفيين يقفون دوما إلى جانب السلطة بتعلة النضال من اجل الحرية السياسية والقبول بما هو ممكن باسم الواقعية واختلال موازين القوى... فقد رفع التحرفيون والانتهازيون عموما- دعاة وطنية النظام- شعار إستكمال الاستقلال منذ سنة 1956 ولم يكن هناك استقلال بل استعمار جديد وصفقة بين الاستعمار الفرنسي وبورقيبة الذي حافظ دوما على صورة مانديس فرانس على مكتبه. و زكى اليسار الانتهازي معزوفة "التغيير والتحول المبارك" وزار زعيم حزب العمّال قصر قرطاج لمقابلة الجنرال الفار فغالط الشعب بهدف واحد ووحيد هو تشريع حزبه بحيث اصبحت معركة التشريع مهمة اساسية بالنسبة لهذا الحزب.
والآن وللمرة الثالثة يتصرف اليسار الانتهازي بنفس الطريقة فهو يرفع شعار" إستكمال مهام الثورة " . بعد استكمال الاستقلال و إستكمال تحول 7 نوفمبر نجد أنفسنا أمام استكمال الثورة. ويتناسى هذا اليسار الانتهازي أن الاستقلال الذي يريد استكماله هو استعمار جديد كما يتناسى أن التحول هو في الحقيقة استمرار لنفس النظام بوجوه جديدة وان الثورة التي يتحدث عنها ويدعي استكمال مهامها هي في الحقيقة انتفاضة شعبية وقع الالتفاف عليها من قبل الرجعية وركوبها من قبل اليسار الانتهازي. يريد "اليسار" جمهورية ديمقراطية – مدنية – اجتماعية ... في ظل نظام عميل .ورغم ان التجربة العملية دحضت هذه الأوهام المتناقضة كليا وعلم الثورة فان "اليسار" اليميني يصر على مغالطة الشعب جريا وراء الكراسي .
وقد حذّر الشيوعيون الماويون فى أكثر من مناسبة من خطر الثالوث الذي يهدد الانتفاضة: التجمع والإخوان والانتهازية.وينفق هذا الثالوث المليارات لخوض حملته الانتخابية التي تسير وفق قانون الغاب-قانون المال السياسي الفاسد- ففضلا عن المليارات التي ستدفعها الدولة-من المال العام- فان الاحزاب يمينا ويسارا اشترت المواقع الاجتماعية و العديد من الفضاءات من اجل القيام بالاعلانات المنادية الى دعم هذه القائمة او تلك.
مشروع الديمقراطية الشعبية :
ينطلق البديل الوطني الديمقراطي الثوري مما حققته الثورات الظافرة من ايجابيات ومما توصلت إليه النظرية الثورية من تطور لا يتناقض بتاتا مع ما أفرزته الانتفاضة في تونس ومصر واليمن وسوريا من دروس على المستوى السياسي والتنظيمي.
عبّرت الانتفاضة الشعبية فى تونس منذ اندلاعها عن رفضها الكلي للسلطة الرجعية القائمة واتجهت ولو بصفة عفوية نحو إيجاد سلطة شعبية متكونة من شباب مندفع ومتحسم ضد السلطة الرجعية ومستعد إلى الدفاع عن الحي والقرية ومواجهة عصابات النظام العميل . وفي هذا الإطار، تشّكلت لجان الدفاع الشعبي أو لجان حماية الانتفاضة في المدن والقرى وتسلحت بالعزيمة أولا وبالهراوات والأسلحة البيضاء والحجارة ثانيا وتصدت لكل العصابات التي حاولت ترويع الجماهير. غير أن اليسار نظرا لتركيبته الطبقية ولجوهر برامجه الإصلاحية لم يحتضن هذه الأشكال التنظيمية التي تهدد كيانه وتسلبه حق القيادة فسارع بإحداث لجان حماية الثورة بصفة فوقية شارك فيها النقابيون والمتحزبون من اليمين إلى اليسار ...وأزاحوا بذلك المعنيين المباشرين بحماية الانتفاضة أي العمال والفلاحين والمعطلين عن العمل وكل الحرفيين المهمشين والمضطهدين.
ينطلق مشروع الديمقراطية الشعبية إذن من كل المكاسب التي حققها الطرح الوطني الديمقراطي الثوري و من تجربة الجماهير خلال الانتفاضة و يحاول تقديم الحلول العملية من أجل حماية الانتفاضة من الثالوث المتربص بها والذي يريد الانخراط في سياسة الوفاق الطبقي والمساهمة في إدارة أزمة النظام الامبريالي وعملائه.. وانطلاقا من الوقائع الملموسة طرح الشيوعيون الماويون قضية لجان الدفاع الشعبي في أهم القرى والأحياء الشعبية ولم يكتب لهذا المشروع النجاح بفعل ميزان القوى وبفعل الصراعات الداخلية التي عرفها الخط ونظرا لمحدودية التجربة التنظيمية للجماهير المنتفضة ولمناورات الرجعية والانتهازية التي ظلت تبث الأوهام وتنشر الوعود الكاذبة.
لقد راهنت بعض القوى الاصطلاحية على "لجان حماية الثورة" باعتبارها سلطة مضادة غير أن اغلب مكونات هذه اللجان انجرت وراء مقترحات النظام وانخرطت في الهيئة العليا وفي مسار التسوية والتطبيع مع حكومة السبسي . وتراهن القوى الثورية عموما على الفئات الشعبية التي انتفضت وضحت بأبنائها من اجل غد أفضل كما تراهن على أكثر المناطق تفجرا وأكثر الأحياء تحركا واحتجاجا على ما تقوم به الحكومة الحالية من مراوغات تهدف إلى فرض واقع "الدسترة " والخونجة والعسكرة من جديد.
وفي خضم هذا الصراع لا يمكن لمشروع الديمقراطية الشعبية أن يرى نور لبناته الأولى دون لجان الدفاع الشعبي والعمل على إيجاد مناطق شبه محررة تلعب دور السلطة المضادة وتحبط مناورات الرجعية والانتهازية . وتمثل لجان الدفاع الشعبي آو لجان حماية الانتفاضة آو لجان تجسيد شعار إسقاط النظام – ولاتهم التسمية – تمثل جنين السلطة الديمقراطية الشعبية في أهم الأرياف واكبر الأحياء الشعبية في المدن وتسهر على ضبط خطط نضالية من اجل إحباط عمليات الالتفاف على الانتفاضة. وبتطور الصراع تفرز هذه اللجان قيادات جهوية فقيادة وطنية تطرح التحقيق الفعلي لشعارات الإنتفاضة وكيفية التقدم عمليا وفق تطور الصراع ضد السلطة الرجعية العميلة و أذنابها من صراع سلمي مثل الاضراب والاعتصام والتظاهر... إلى صراع عنيف آو مسلح لان العنف الرجعي وقتل أبناء و بنات الشعب يؤدي حتما إلى العنف الثوري الذي يأخذ أشكالا متعددة حسب درجة تطور وعي الجماهير وقدرتها التنظيمية على مواجهة الجيوش الرجعية.
لقد اثبت التاريخ ان عملية التحرر الوطني الديمقراطي عملية ثورية طويلة الأمد تفرز القيادة البروليتارية والجبهة الوطنية المتحدة و جنين الجيش الشعبي الذي سيلحق الهزيمة بالطبقات الحاكمة الحالية و يفكّك السلطة وتنتهي عملية التحرر بفرز حكومة مؤقتة تمهد الظروف لانتخاب جمعية تأسيسية تشرف على إيجاد دستور الجمهورية الديمقراطية الشعبية وهو دستور في تعارض مع الدستور المزمع تحريره من قبل المجلس التأسيسي المرتقب لان دستور السلطة الشعبية سيطرح مفهوم المسألة الوطنية في علاقة بالنضال ضد الاستعمار الجديد والتخلص من الهيمنة الامبريالية والرجعية والصهيونية كما سيطرح جوهر المسألة الديمقراطية المتمثل في القضاء التام على بقايا الإقطاع وتحرير الريف والمرأة والجماهير الشعبية من عقلية التخلف وإطلاق الحريات العامة والفردية للطبقات الشعبية دون قيد أو شرط.
وعليه فان الدستور الذي تفرزه النضالات الشعبية وتحديدا الحرب الشعبية فى المستعمرات و أشباه المستعمرات و المستعمرات الجديدة يختلف عن الدستور الذي ستفرزه الهيئات العليا التي نصبها الجنرال الفار ولن يحيد المجلس التأسيسي المرتقب عما سطرته هذه الهيئات بصفة مسبقة بما ان الطبقات الشعبية الفاعلة لن تكون ممثلة بما فيه الكفاية وسيظل الائتلاف الطبقي الحاكم على حاله دون تغيير جوهري و ستتمّ إعادة هيكلة دولة الإستعمار الجديد واستبعاد كل من يرفع شعار اسقاط النظام باتفاق تام بين النظام والمعارضة الكرتونية الجديدة.
لقد ادعى الجنرال الفار انه سينجز التغيير وطبل له الجميع يمينا ويسارا والتاريخ شاهد على ذلك وتدعي الان الحكومة المؤقتة والهيئات العليا انها ستصنع الانتقال الديمقراطي على الطريقة الاروبية الامريكية –بعد ان وقع رهن البلاد لدى البنوك – فهل يمكن تحقيق الانتقال اللديمقراطي بنفس الطبقات الرجعية الحاكمة والموالية للاستعمار الجديد؟وهل يمكن انجاز التحول او استكمال مهام الثورة كما يغنّي حزب العمال "الشيوعي" الذي اشترى المواقع بالمال الاوروبي؟ وهل يمكن تحقيق الديمقراطية بالحزب الحاكم المنحل او بالاخوانجية والمعارضة الكرتونية التي تنكرت للشعار المركزي الا وهو " الشعب يريد اسقاط النظام"؟
أنجز شعبنا إنتفاضة في تونس ومصر واليمن وسوريا والصراع مازال متواصلا رغم المناورات الامبريالية والرجعية . وحقّق شعبنا العربي مكاسب ثمينة وحدد الاصدقاء والاعداء.ولكن هذه المكاسب و التضحيات الجسام التى قدّمتها جماهير شعبنا قابلة للذوبان و حاليّا يتمّ الإلتفاف عليها و إبتلاعها شيئا فشيئا -في كل من تونس ومصر-غير ان النضالات متواصلة وهي في حاجة الى تأطير ثوري ينير الطريق ويرسم تكتيكات الخلاص من الهيمنة الامبريالية الرجعية الصهونية .
لذلك يصرخ الشيوعيون الماويون عاليا "ان الطريق صعب وشاق لكن المستقبل وضّاء "فانبذوا الاوهام واستعدوا للنضال" .

Commenter cet article