الانتخابات ودولة الاستعمار الجديد

Publié le par mohmedalimawi

الانتخابات ودولة الاستعمار الجديد(من ارشيف الحركة الشيوعية الماوية)
يتقدم بن علي للمرة الخامسة الى الانتخابات الرئاسية وهو الذي صرح في بيان 7-11 انه لا مجال للرئاسة مدى الحياة وشرع الحزب الحاكم في حملته الانتخابية قبل الاوان ومنذ سنوات طبعا لمبايعة الرئيس وراحت عديد الاطراف السياسية تتحدث كالعادة عن استحقاقات 2009 وعن ضرورة استغلال هذه الفرصة للقيام بالدعاية لبرامجها
ورغم تعدد احزاب المعارضة والمشاركة في الانتخابات بكل حماس فلا أحد يتجرأ على طرح جوهر القضية المتعلقة بمثل هذه الانتخابات بحيث يقع السكوت التام عن أهداف الانتخابات وعلاقتها بمؤسسات الدولة القائمة ودورها في دعم السلطة واجهزتها القمعية.
انه من الضروري تناول قضية الانتخابات في علاقة بطبيعة الدولة القائمة وبشكل السلطة الحاكمة ولابد في هذا الاطار من طرح التساؤلات التالية –وهي تساؤلات تتجنب المعارضة طرحها-: هل ان البرلمان الذي سيقع "انتخابه" يخدم مصالح الشعب؟ هل ان مؤسسات الدولة ستكون في خدمة الجماهير؟ تعتبر الاجابة عن هذه التساؤلات جوهر القضية اما التهرب من طرح جوهر المسائل فذلك يعني الانخراط في سياسة تخدير الجماهير ومغالطتها واستغلال اصواتها لدعم مؤسسات لاتخدم مصالحها بل تعمل على تأبيد اوضاعها المزرية.
طبيعة الانتخابات
لقد كشفت الانتخابات في اشباه المستعمرات ان ما يسمى بنواب الشعب لا يمثلون مصالح الشعب ولا يدافعون عنه لان البرلمان يدافع في الحقيقة عن مصالح الطبقات الحاكمة والطبقات الحاكمة في اشباه المستعمرات تخضع الى السياسات الامبريالية ولا تمثل مصالح الشعب بل مصالح الاستعمار الجديد بصفة رئيسية.
فالانتخابات في المجتمع العبودي مثلا تهدف الى دعم سلطة أسياد العبيد ومن غير الممكن تصور قوانين يسنها أسياد العبيد في اتجاه تحرير العبيد او تحسين أوضاعهم.
اما في البلدان الراسمالية حيث تتحكم البرجوازية في دواليب الدولة وبالرغم من وجود العديد من الاحزاب المتنافسة-يمينا ويسارا- فان الانتخابات تهدف الى تجديد الوجوه البرجوازية في إطار التداول على السلطة بين اليمين واليسار او في صلب الحلف الواحد وتهدف هذه العملية الدورية الى انعاش النظام الراسمالي وتجاوز الازمة الدورية وقتيا وايهام الكادحين من خلال تغيير الوجوه وبعض الاجراءات بان السياسة قد تغيرت كذلك في حين انه يقع انقاذ جوهر النظام الراسمالي وتتمكن البرجوازية من جديد من مواصلة تطبيق سياسة النهب والاستغلال.
ومقابل هذا النوع من الانتخابات والديمقراطية حيث تتحكم الاقلية في مصير الاغلبية الساحقة من اجل تابيد المجتمعات الطبقية وتبرير الفروقات الاجتماعية الخ...عرفت البشرية نوعا ارقى من الانتخابات والديمقراطية وهي الديمقراطية الشعبية ثم الديمقراطية الاشتراكية التي تعمل على توفير الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية من اجل القضاء على الفروقات الاجتماعية وعلى المجتمع الطبقي ككل واحلال المجتمع الشيوعي حيث يصبح الانسان محور التقدم والرفاه في علاقة متجانسة مع الطبيعة رغم التحديات المطروحة للتجاوز.لقد مارست الجماهير في العديد من بلدان العالم ونخص بالذكر الاتحاد السوفياتي ثم الصين الشعبية زمن الرفيق ماوتسي تونغ مارست الديمقراطية الشعبية والديمقراطية البروليتارية وشاركت بحماس في تحديد السياسات وفي رسم الخطط التي تهم مصيرها وحياتها اليومية.وبفعل تحرير الجماهير وتحرير قوى الانتاج شهدت المجتمعات الاشتراكية قفزات نوعية تحققت من خلالها المعجزات الاقتصادية والثقافية والعلمية وتحولت هذه البلدان التي كانت بلدانا زراعية متخلفة الى بلدان تنافس العالم الراسمالي في كل الميادين وتعد العدة لزواله. غير ان التاريخ لا يسير في طريق مستقيم فرغم الثورات الثقافية واليقضة الايديولوجية فان الظروف الموضوعية وتواصل الصراع الطبقي في ظل الاشتراكية سمح للبرجوازية من اعادة فردوسها المفقود. ويرجع الفشل الظرفي لهذه التجارب الاشتراكية التي اعادت الاعتبار للانسان الى صعوبة التحول بصفة سريعة او ارادية من المجتمع الطبقي الى مجتمع لاطبقي كما يرجع ذلك الى العديد من الاخطاء المرتكبة في معالجة مسائل الصراع الطبقي والتفريق بين الصراع في صلب الشعب والصراع ضد من يريد اعادة تركيز الراسمالية وساهم واقع التبرجز والاستقرار الاجتماعي للكوادر الى فقدان البوصلة الايديولوجية والخضوع الى الضغط الامبريالي المتواصل. ولايمكن في هذا المجال ذكر كل العوامل التي ساهمت في فشل الديمقراطية الاشتراكية وتحولها الى فاشية تعبر عن مصالح اجهزة الدولة والحزب مثلما حصل ذلك في الاتحاد السوفياتي بعد وفاة الرفيق ستالين وفي الصين بعد ماو.
انه لا يمكن تجاهل هذه الدروس ولا يمكن معالجة قضية الانتخابات والديمقراطية بمعزل عما حققته البشرية من مكاسب وتقدم في هذا المجال.لذلك فان تجاهل كل هذه المكاسب وشطب هذه التجارب بجرة قلم عندما يتعلق الامر باخذ موقف من الانتخابات في اشباه المستعمرت فان ذلك تنكر للتراث التقدمي وضرب من الانتهازية واصرار على طعن الجماهير من خلف وسلب حقها في تقرير المصير.
تجدر الاشارة الى ان الانتخابات في المستعمرات واشباهها تجري دوما تحت رعاية امبريالية وتشهد في بعض الاحيان صراعا بين الامبرياليات يتجسد عمليا في صراع الكتل داخل هذا البلد او ذاك.وتهدف الانتخابات الدورية الى تجديد العملاء او انعاش الوجوه المهترئة واختيار افضل البيادق من اجل فرض الاستقرار للاستعمار الجديد حتى وان كانت هذه البيادق اكثر العناصر تخلفا وغطرسة لان الامبريالية تظل في الحقيقة غير معنية لا بحقوق الانسان ولاباحترام المجتمع المدني المزعوم بل انها معنية بمصير مصالحها وبكيفية مواصلة نهب الخيرات واستغلال عرق جبين الشعوب.وقد دللت التجارب السابقة وتدل تجربة العراق وافغانستان وفلسطين حاليا على حقيقة الانتخابات في هذه البلدان .فكيف يمكن تصور انتخابات في ظل الاحتلال من جهة وحرب عصابات من جهة ثانية؟ وكيف يمكن اضفاء بعض المصداقية على مثل هذه الانتخابات والحال ان غالبية مكونات الفئات الشعبية مقيدة ولم تشارك في اختيار العميل المتفق عليه امبرياليا؟ لاتجيب المعارضة المزعومة عن هذه التساؤلات ولايهمها واقع الجماهير بل كل ما يشغل بالها هو الوصول الى البرلمان والتمتع بالامتيازات وتبرير حقها في نيل نصيبها من الكعكة كما تصرح بذلك في الكواليس.
وبايجاز يمكن القول ان الانتخابات في المجتمع الراسمالي او في اشباه المستعمرات تهدف الى سلب الشعب حق تقرير المصير بل يتم تقرير مصيره من خلال ايهامه بالمشاركة في الاقتراع ويتم سن القوانين وضبط السياسات من اجل دعم ركائز الدولة البرجوازية او دولة العملاء في اشباه المستعمرات.
الانتخابات وشكل السلطة
هذا فيما يتعلق بطبيعة الانتخابات اما فيما يخص الشكل فهي تخضع الى السلطة البوليسية العسكرية التي تتحكم في كل كبيرة وصغيرة.ومهما تعددت تبريرات الاحزاب المعارضة ودعوتها للمشاركة من اجل تنمية الحس المدني وممارسة حق الانتخاب والمطالبة بحق المواطنة فان الواقع المرير اثبت و يثبت باستمرار ان مفهوم المواطنة مفقود كليا وان دولة القانون غير موجودة وان مكونات المجتمع المدني في تناقض تام مع تطلعات الجماهير.
وبالفعل يطالب الجميع باعادة النظر في الاطار "القانوني" الذي ستجرى فيه الانتخابات مثل مراجعة المجلة الانتخابية وقانون الصحافحة والاحزاب والجمعيات وقانون الاجتماعات العامة والمواكب والمسيرات أي الرجوع الى دستور البلاد الذي وقع دوسه دون محاسبة كما ان الجميع يطالب باحترام القائمات الانتخابية والاقلاع عن التلاعب باصوات الناخبين خاصة وان الانتخابات السابقة سنة04 بينت ان اكثر من نصف الناخبين لم يقع مدهم بالبطاقات(فقد وقع تسجيل 3ملايين و500الف في حين ان معهد الاحصاء يقدم رقم 6ملايين و200الف علما وان رئيس البلدية والعمدة هما اللذان يتحكمان في الترسيم في القائمات الانتخابية ولهما حق الرفض دون تبرير.
وتجدر الاشارة ان وزارة الداخلية هي التي تشرف على الانتخابات من اولها الى اخرها فهي التي تعين المراقبين وتعد القائمات بمعية الحزب الحاكم وتحدد لجنة النزاعات المتكونة من قاض يعينه وزير العدل وممثل عن الوالي و3 ناخبين يعينهم وزير الداخلية كما تشرف وزارة الداخلية على تعيين لجنة المراقبين وتستعين وزارة الداخلية بشعب الحزب الحاكم لتوزيع البطاقات الانتخابية التي من المفروض ان يقع ارسالها عبر البريد مضمون الوصول(لكنها لم ترسل في انتخابات2004) وفضلا عن هذا التاطير البوليسي الذي يكشف الطابع اللاديمقراطي للانتخابات فانه يقع سن قوانين على القياس وفق الاوضاع لعزل هذا المعارض او ذاك مثل حصر الترشح في احزاب المعارضة المتواجدة في البرلمان على ان يكون مرشحها الامين العام او احد اعضاء المكتب السياسي باقدمية 5 سنوات وتلجا الادارة الى شتى الضغوطات من اجل محاصرة العناصرة المعارضة بما في ذلك العناصر الموالية للسلطة فيقع التضييق على الاجتماعات كما يقع حجز البيانات وحرمان البعض من الدعاية الصحفية او الاذاعية ويقع ايجاد شروط تعجيزية في مستوى مكاتب الاقتراع بحيث يصعب على المعارضة مراقبة عملية الاقتراع او الفرز وقد اتضح من خلال الانتخابات السابقة وحسب الاحصائيات المتضاربة ان نسبة المشاركة لا تتجاوز 30% غير ان وزارة الداخلية تعلن دائما ان النسبة تفوق دائما 90%.وتجدر الاشارة ان نتائج الانتخابات تظل معروفة مسبقا بما ان حصة المعارضة محسوبة ويقع الرفع في عدد النواب المعارضين في كل مرة وهو سيبلغ 59 نائبا هذه المرة مما يفسر التناحر العلني في صلب المعارضة من اجل رئاسة القائمات وضمان امكانية الصعود للبرلمان لما يجنيه النائب من امتيازات معنوية ومادية ترافقه مدى الحياة.
المشاركة يمليها القانون
تحاول المعارضة تغطية انخراطها في سياسة الاستعمار الجديد وتزعم معارضتها لهذه الساسة في حين انها مجبرة وففق القانون التي وافقت عليه وتعمل في اطاره على القبول بلعبة الانتخابات كما حددها النظام وفق ما ورد في تنظيم الاحزاب السياسية وحسب القانون عدد32 والمؤرخ في 3 ماي 88 بحيث نجد في الباب الأول من المبادئ العامة ما يلي= " المشاركة في الإنتخابات المنصوص عليها بالدستور والقانون وبتقديم او بتزكية الترشحات اليها.
الفصل2 يعمل الحزب السياسي في نطاق الشرعية الدستورية والقانون. وعليه ان يحترم ويدافع خاصة عن=
- الهوية العربية الاسلامية
- حقوق الإنسان كما ضبطت بالدستور وبالإتفاقات المصادق عليها من طرف الجمهورية التونسية.

- مكاسب الأمة وخاصة منها النظام الجمهوري وأسسه ومبدأ سيادة الشعب كما نظمها الدستور والمبادئ المتعلقة بالأحوال الشخصية.
- وعليه أيضا، أ- نبذ العنف بمختلف أشكاله والتطرف والعنصرية وكل الأوجه الأخرى للتمييز. ب- اجتناب تعاطي أي نشاط من شانه ان يمس بالأمن القومي والنظام العام وحقوق وحريات الغير.
وتقر بعض اطراف المعارضة بهذا القانون علنا وتدافع عنه جهرا دون مراوغة بحيث تعترف ان المشاركة واجبا "وطنيا" باسم" مبادئ الجمهورية ومجتمع المواطنة" ولا بد من التصدي لاصحاب المقاطعة-دعاة العنف والتطرف-حسب ما ورد في بعض صحف المعارضة(الطريق الجديد-مواطنون-الموقف...)
ينبع مبدأ المشاركة بالنسبة للمعارضة-"الموالاة وغيرالموالاة او غير المعترف بها"من انخراطها في سياسة الاستعمار الجديد والقبول بما يوفره النظام رغم "النواقص" ورغم واقع العسكرة والدسترة من امكانيات التحرك المناسبتية وتحرص هذه الاطراف على المشاركة في ظل الاوضاع المشهودة من أجل جر الشعب الى المشاركة وايهامه بانه من الممكن احداث التغيير المنشود عبر العزوف عن المقاطعة والخروج من موقع اللامبالاة.غير ان التجارب السابقة في تونس وفي عدة بلدان اخرى كشفت الدور المناط بعهدة ما يسمى بالمعارضة المدعوة الى فك العزلة عن الانظمة اللاوطنية والتحرك السريع من اجل حث ابناء الشعب على المشاركة في الانتخابات المهزلة وتبييض وجه الانظمة وتمكين الرجعية الحاكمة من استرجاع انفاسها والتضييق على الطبقات الشعبية باستمرار وبموافقة القوى الاصلاحية والانتهازية المشاركة في الانتخابات والتي ساهمت بصفة فعالة في اضفاء المصداقية على مثل هذه المهزلة رغم احتجاجها الظاهري والشكلي ومحاولات طعنها في بعض الاحيان لنتائج الانتخابات.
وعلاوة على ان المشاركة ضرورة قانونية بالنسبة للمعارضة فانها كذلك قناعة راسخة في الانموذج المقدم من قبل الاستعمار الجديد الذي يمثل البديل الوحيد لهذه المعارضة وان تظاهرت بتقديم بعض التعديلات الشكلية حسب خصوصيات البلد كما ان مشاركة المعارضة في مثل هذه الانتخابات واصطفافها وراء الانظمة ينبع من جريها وراء المواقع وتمسحها لدى الانظمة وتقديم نفسها كالضامن الوحيد في صورة تشريكها ضد التطرف والعنف الذي قد يهدد كيان النظام ككل في حالة مواصلة الانفراد بالسلطة ورفض مساهمة الاطراف المعتدلة والتي تقف جوهريا مع الانظمة وتعادي جوهريا تطلعات الشعب نحو التحرر والانعتاق وتعتبر بعض اطراف المعارضة طموح الشعوب نحو التحرر ضربا من التطرف وشكلا من اشكال العنف الذي لا بد من ترويضه وقمعه ان لزم الامر ذلك.
حجج المعارضة
اذا استثنينا المعارضة الموالاة فان اطراف المعارضة المتبقية-المعترف بها او شبه المعترف بها- تتفق في سرد نفس الحجج تقريبا التي تعيد انتاجها بمناسبة الانتخابات بحيث نجد حجة "التداول على السلطة كهدف اساسي"(الطريق الجديد 06-12-09) او "تحقيق امكانية التداول على مناصب التسيير والتمثيل السياسي وهو جوهر الحكم المدني الديمقراطي الحديث"(الارادة-العدد 7-افريل –ماي-08-حزب العمل)ثم في جريدة الموقف المؤرخة في 13-02-09 ص.7 مايلي:"رفض الرئاسة مدى الحياة ودفاع عن الحق في التداول السلمي على الحكم وعن حرية الترشح"
اما الحجة الثانية والتي لا تقل اهمية هي دعوة الادارة (افهم النظام) الى احترام القانون والتحلي بالحياد وتمكين اطراف المعارضة بالتمتع بنفس الفرص والامتيازات من اجل القيام بحملاتهم الانتخابية وهي دعوة تندرج ضمن ما يسمى باحترام "حق المواطنة وتفعيل دولة المؤسسات واعادة الاعتبار لمصداقية الانتخابات". تعكس هذه الحجج قبول المعارضة بجوهر النظام الاستعماري الجديد والاكتفاء في اطاره ببعض التعديلات التي قد تسمح لها بالمشاركة في ادارة ازمة الامبريالية .
ترفع المعارضة بمختلف مشاربها شعار التداول على السلطة في اطار النظام الاستعماري الجديد وهي تعبر بذلك عن استعدادها لامضاء مواثيق المصالحة الوطنية كما فعلت ذلك من قبل من اجل الحصول على المزيد من المقاعد في البرلمان ومن خلال مصادقتها على المواثيق الوطنية تكشف المعارضة اصطفافها وراء النظام ومعارضتها لمطالب الجماهير وقد كشفت الاتفاقيات الاخيرة التي وقع ابرامها بين اتحاد الشغل والحكومة ان بعض اطراف المعارضة حتى غير المعترف بها مورطة مباشرة في خيانة مطالب الشغالين وفي امضاء اتفاقيات مناهضة لما تبلور من مطالب في الاجتماعات العامة لعدة قطاعات مثل التعليم والصحة والعدلية والبريد الخ...
ان رفع شعار التداول على السلطة يعني بصريح العبارة الوفاق الطبقي والمصالحة الوطنية على حساب الشغالين كما يعني الاقرار بالسياسات اللاوطنية واللاديمقراطية التي يقع اتباعها بامر من الدوائر الامبريالية .فكيف يمكن لمثل هذه المعارضات اذن ان تقنع الشعب بضرورة الانتخابات وبان الانتخابات الشكلية تفضي الى بعض التغيير والى جمهورية ثانية كما يدعي البعض او الى "الجمهورية الديمقراطية" عوض "الجمهورية الدكتاتورية".وتعني المصالحة الوطنية على حساب مطالب الشعب الاساسية التعايش السلمي مع من يضطهد الشعب ويستغله كما تعني المصالحة تبييض وجه الطغاة مقابل تجريم من يطالب بحقه في العيش الكريم.
اما الحجة الثالثة فهي المطالبة بمزيد من تمثيل المعارضة وبالفعل فقد قدم النظام التنازلات الشكلية فيما يخص تمثيل عناصر المعارضة في البرلمان فبعد ان اقر بتمثيل المعارضة ب 19 نائب سنة 90 في البرلمان وقع رفع النسبة الى 34 سنة 1999 ثم الى 37 سنة 04 واخيرا الى 59سنة 2009 .وقد أثارت قضية تمثيل المعارضة من خلال التعيين عدة مشاكل داخل المعارضة بحيث احتدت التناحرات وتتالت الاستقالات وتكالب الجميع من اجل رئاسة القائمات وضمان حضوضه في البرلمان المقبل لما يدر هذا الموقع من موارد مالية من جهة ومن امتيازات معنوية من جهة ثانية.
وتتمثل الحجة الرابعة في معاداة دعاة المقاطعة وتقديم الولاء للنظام وتتحامل كل اطراف المعارضة على من ينوي مقاطعة الانتخابات من موقع رجعي او موقع ثوري على حد السواء. وتتحول المقاطعة الى تآمر( الطريق الجديد 06-12-09)وبدائل مغلوطة وعنتريات فارغة(ص4.06-12-08) او تقتصر المقاطعة حسب الطريق الجديد 9-15-ماي-09 على "اصدار بيان شديد اللهجة والبقاء في البيوت" وقد "رفضت المبادرة هذا الحل أي الخيار الاسهل والمتمثل في المقاطعة وعدم ترك السلطة تفعل ما تشاء" كما تعتبر حركة التجديد المقاطعة "سلبية بصفة مطلقة ومجرد الوقوف على الربوة والبقاء في صفوف المتفرجين" الخ...
وتتمثل الحجة الخامسة في ضرورة "استغلال ما هو متاح قانونيا لاستثارة اهتمام الشرائح الواسعة من المواطنين ونزع كابوس الخوف"(الموقف-3110-08-ص 2) وتدرج ضمن هذه الحجة فرص الدعاية"الحرة" لبرامج المعارضة و"حرية التنقل" واتاحة الفرصة لتكوين قطب ديمقراطي...او معارضة ديمقراطية جديدة ومسؤولة" او كذلك "بلورة قطب ييساري وديمقراطي تقدمي يكون في مقدمة النضال ضد الاستبداد السياسي" حسب حزب العمل في نصه "انتخابات 09والرهانات والحسابات-الارادى العدد السابع) والى جانب هذه الحجج الداعية الى استغلال الظرف والتنقل بحرية وكأنه من غير الممكن التنقل في الايام العادية وكانه من غير الممكن الاتصال بالجماهير خارج مواعيد الانتخابات,الى جانب هذه الحجج نجد عنطريات المعارضة التي تريد خوض المعارك –معارك وهمية في الحقيقة- وهي معارك تتعلق بضبط القائمات الانتخابية وكيفية ارضاء النظام واجهزته على حساب مصير البلاد والعباد.
كما تتظاهر هذه المعارضة بالترويج الى برامجها في حين ان البرنامج الوحيد والفعلي هو كيفية الوصول الى البرلمان وقد بينت المعارك الداخلية والاستقالات والانسحابات حقيقة الاهداف من هذه الانتخابات بحيث يظل البرنامج الوحيد لكل اطراف المعارضة هو الوصول الى المقعد.وتجدر الاشارة هنا ان حزب الدستور نفسه لم يطبق ولو مرة واحدة وعوده الانتخابية.
تظل الانتخابات اذن فرصة للتنافس على المقاعد البرلمانية والتمتع بالغنيمة بصفة قانونية وبالرغم من تعدد الاطراف فان البرنامج السياسي يظل نفس البرنامج وهو برنامج النظام الاستعماري الجديد بالنسبة للحزب الحاكم او بالنسبة لمختلف اطراف المعارضة التي تدعي ان برنامجها يختلف عن سياسة النظام الاستعماري الجديد.
المقاطعة والوضع الثوري
تعتبر الاننتخابات شكلا من اشكال الصراع الطبقي والنضال الوطني وتبين واقع موازين القوى بين الانظمة الحاكمة ومن يصطف وراءها وبين القوى الشعبية ومن يمثلها وفي حين تستعمل الرجعية الانتخابات الدورية لتوسيع هامش المناورة وتجديد الانفاس وادخال بعض الحركية من خلال الاجراءات الشكلية بهدف اخماد لهيب الصراع الطبقي تحاول القوى الوطنية الديمقراطية كشف حقيقة مثل هذه المناورات واستغلال الفرصة لاحراج الانظمة وتوسيع مجالات التحرك بالضغط المستمر على الطبقات الحاكمة والحيلولة دون تمكينها من تجديد انفاسها وانعاش مؤسساتها المهترءة والعمل على الحفاظ على بعض المكاسب او تحقيق البعض الاخر.
تطرح العملية الانتخابية مستويين من الصراع :الصراع في صلب النظام الاستعماري وهو صراع كتل متناحرة في علاقة بدوائر امبريالية مختلفة تلهث وراء السلطة وتريد اما احتكارها او المشاركة فيها كطرف اما المستوى الثاني من الصراع فهو الصراع بين عملاء الامبريالية من جهة وكل الاطراف الوطنية الديمقراطية والشيوعية الحقيقية.وتطرح هذه الاطراف طبعا بدائل مغايرة شكلا ومضمونا عن البدائل الامبريالية .غير ان واقع العسكرة والدسترة ومستوى تطور الصراع الطبقي يمكن الانظمة الحاكمة من عزل القوى الوطنية الديمقراطية وسلبها حقها المشروع في الدعاية والتنظيم...كما يمكنها من استمالة المعارضة وتهميش البعض الاخر بحيث تصبح هذه الانظمة المستفيدة الاولى من مثل هذه الانتخابات التي تشرف على تنظيمها في ادق تفاصيلها وبالشروط التي تخدم مصالحها وتبيض وجهها.
وتجدر الاشارة الى انه لا بد من التفريق بين من يقاطع في اطار صراع الكتل الرجعية او الانتهازية ومن يقاطع من منطلق ثوري في اطار الصراع ضد النظام الاستعماري الجديد ومن يمثله محليا.
ولاتعتبر المقاطعة استراتيجيا في حد ذاتها بل مجرد شكل من اشكال النضال تفرضه موازين قوى معينة ويهدف كاسلوب دفاعي الى توعية الجماهير بخطر المهازل التي تحاك ضدها وباستعمال اصواتها.وتحتد في مثل هذه المناسبات التناقضات بين قوى الثورة وقوى الثورة المضاد بحيث تعمد الرجعية والانتهازية الى عزل القوى الثورية وتشويهها ونعتها بكل النعوت غير الاخلاقية بهدف تنفير الجماهير او على الاقل ترهيبها حتى لاتتعاطف مع القوى الثورية عامة.اما القوى الثورية فتحاول من جهتها فضح مهزلة الانتخابات واقناع الجماهير بان طريق تحسين الاوضاع وتغييرها يمر حتما عبر النضال الوطني الديمقراطي ومن خلال الدفاع عن قوت الشعب وكرامته بالاعتماد رئيسيا على ايمان الجماهير بعدالة قضيتها وبضرورة مسك مصيرها بيدها والمشاركة الفعلية في كل الاجراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تهم حياتها اليومية ومستقبلها.
وفي هذا الاطار يتنزل حقد النظام ضد القوى الثورية المقاطعة لمثل هذه الانتخابات كما نفهم تشنج المعارضة الشكلية وغيرها ازاء المقاطعين فتنعتهم بالتآمر وتحذر النظام في الان نفسه من خطر الانفجارات الشعبية التي قد تهدد كيان النظام ككل. وتواصل المعارضة اتخاذ سلوك التوسل ومحاولة اقناع النظام بان مصالحه تكمن في التحالف معها وتقديم التنازلات والكف طبعا عن احتكار السلطة لان مثل هذه السياسة تشجع التطرف وتخدم حجج المعارضين ولا تضفي المصداقية على العملية الانتخابية وهي سياسة تعد العدة للانفجارات الثورية وهو امر تخشاه المعارضة لانه يهدد امن النظام واستقراره.
وهكذا لايحق للمعارضة الوطنية الديمقراطية ولا للمعارضة الشيوعية المشاركة ولا المقاطعة فالنظام من جهة والمعارضة الشكلية من جهة ثانية يحاولان محو كل نفس وطني ديمقراطية وقمع كل من تساوره نفسه التطلع نحو التحرر من المجتمع الطبقي الاستغلالي.وتعتبر الرجعية الحاكمة والمعارضة الموالية لها تكتيك المقاطعة سلاحا ابيض يمثل خطرا على كيانها لابد من ابطال مفعوله بكل الوسائل.ويسعى النظام الى تجريد الجماهير من حقها في المقاطعة لان المقاطعة تنبع من تحليل سياسي للاوضاع وتمثل فكرا وتبلور بديلا ديمقراطيا شعبيا يتأسس على انقاض المجتمع شبه مستعمر وشبه اقطاعي.
لكل ذلك لا يمكن اعتبار المقاطعة موقفا سلبيا يقتصر على الوقوف على الربوة او اصدار البيانات كما تدعي جريدة "الطريق الجديد"وغيرها وإن كان كذلك فلماذا كل هذا التحامل وهذا الخوف ؟ ان المقاطعة الثورية كتكتيك تحمل في رحمها جنين المجتمع البديل وجنين الديمقراطية الشعبية التي من ابجدياتها انخراط الشعب عن طواعية وبكل وعي في تحديد مصير البلاد والعباد.وبما ان الجماهير الواعية هي صانعة التاريخ فان سلب حقها في المشاركة الفعلية في انتخابات حرة دون الشروط الرجعية يعني ان كل المؤسسات التي ستنبثق عن هذه الانتخابات هي مؤسسات غير ممثلة للطموحات الشعبية ولايمكن لها ان تتكلم باسمها وان تدافع عن حقوقها.وبما ان الانتخابات ستفضي الى تعيين مؤسسات لا تمثل الشعب فكيف يمكن اذن تزكية مثل هذه المهزل ودعوة الجماهير الى المشاركة وايهامها بان الحل الوحيد هو صندوق الاقتراع في حين ان التاريخ اثبت مرارا وتكرارا ان الحل الوحيد هو النضال من اجل تحقيق المطالب رغم سياسة الانظمة اللاوطنية واللاديمقراطية.
ويظل تكتيك المقاطعة سلاحا في ظل موازين القوى الحالية وبالشروط التي تتم فيها الانتخابات حاليا وهو سلاح حاد يكشف حقيقة الانظمة اللاوطنية واللاشعبية من جهة وطبيعة المعارضات المساهمة في ادارة ازمة النظام الاستعماري الجديد من جهة ثانية.وتساهم المقاطعة في الفرز بين من ينخرط في بدائل الانظمة اللاوطنية من جهة ومن يناضل من اجل البديل الديمقراطي الشعبي من جهة ثانية كما تساهم المقاطعة في التفريق بين من يقاطع لانه واثق من عدم الحصول على مقعد وبين من يقاطع لانه يرفض النظام الاستعماري الجديد ويعارض السياسات اللاوطنية واللاديمقراطية المتبعة في اشباه المستعمرات.
لايمكن اعتبار تكتيك المقاطعة تكتيكا صالحا لكل زمان ومكان بمعزل عن موازين القوى وبغض النظر عن الشروط التي ستتم فيها الانتخابات. فقد سبق للثوريين أن شاركوا في العديد من المناسبات وتمكنوا من تحقيق بعض المكاسب للشغالين لكن عندما تتحول المشاركة الى تزكية المؤسسات القائمة والمصادقة على قوانين تشرع اضطهاد الشعب فان المقاطعة تصبح التكتيك الصائب والوحيد في فضح سياسة الاستعمار الجديد واعراس العملاء .ولابد من تذكير البعض بان دور التكتيك هو تقريب ساعة الخلاص وتحقيق بعض المكاسب وان تحول التكتيك الى تزكية اختيارات لاوطنية ولاديمقراطية تكبل الشعب وتشل تحركاته فهو تكتيك فاشل لايجوز الدفاع عنه.

محتوى المقاطعة
اما فيما يخص محتوى المقاطعة فلا بد من تناول جوهر القضايا التي يطمسها جل المشاركين أي البرامج المزمع تطبيقها علما وان الحملة الانتخابية يطغى عليها طابع الولاءات والجهويات في ظل اوضاع بوليسية عسكرية رهيبة ويغيب صراع البرامج وتقتصر بعض الاصوات في احسن الاحوال على المطالبة بمزيد من الحريات في اطار تكتيك "الحرية السياسية".
ان حصر النضال فيما يسمى النضال من اجل الحريات دون ربط هذا النضال بالمسالة الوطنية وبضرورة التصدي للتطبيع مع الاعداء لن يساهم في تحسين اوضاع الجماهير ولا في تربيتها على افتكلك حقوقها وتطوير مستوى تجربتها في مواجهة اجهزة الطبقات الحاكمة .وقد بينت انتفاضة الحوض المنجمي ان الطريق صعب وان التغيير الثوري لايقتصر على بعض المظاهرات والمسيرات وان امتدت زمنيا وجغرافيا كما ان التغيير الثوري لن يتحقق من خلال انتفاضات عفوية مهما اتسعت رقعتها ولا اثر تكتيك الحرية السياسية التي ترفعه بعض المعارضات .
يتحقق التغيير الثوري عندما تتوفر الاستراتيجيا الثورية الصائبة والقادرة على تطبيق تكتيكات تطور وعي الجماهير وطرق مواجهاتها وترسي منذ البداية جنين الديمقراطية الشعبية الذي سيخوض المعارك تلو الاخرى لضمان استمرارية النضال والارتقاء من مواقع الدفاع الى مواقع الهجوم. لقد وضعت انتفاضة جانفي 78 ثم عملية قفصة وانتفاضة الخبز وتضع الان انتفاضة الحوض المنجمي اللبنات الاولى من اجل فهم مادي جدلي لواقع الطبقات الشعبية وواقع موازين القوى من اجل ضبط الخطط الكفيلة لضمان استمرارية النضال من جهة وتوسيع هامش تحركات الحركة الشعبية من جهة ثانية مع تغيير اشكال النضال في كل مرة وفق اسلوب الكر والفر لان المواجهات السافرة وفي ساحات مكشوفة قد تضر باستمرارية النشاط الثوري وتسمح للانظمة الرجعية بمحاصرة المنتفضين وتوسع هامش المناورة وتمكنها من الاندساس وضرب الحركة من الداخل.
وتظل الحركة العفوية مهددة على الدوام من الانظمة الرجعية طبعا وكذلك من قبل القيادات الانتهازية التي رسمت استراتيجيا اصلاحية ستجرها في النهاية الى المساومة والتهادن مع العدو مقابل بعض الامتيازات وستطعن الحركة العفوية من الخلف لذلك فان الاحزاب الموجودة حاليا والتي تدعي الثورية ترفع في الحقيقة تكتيكات خاطئة مثل الحرية السياسية وهي تكتيكات مسقطة اثبتت فشلها في تغيير الاوضاع في اشباه المستعمرات.
وبايجاز يمكن القول ان فرصة الانتخابات تفجر الصراعات داخل النظام حيث تتكالب الكتل المتناحرة على المقعد باستعمال كل الوسائل كما تفجر الانتخابات التناقضات في صفوف الشعب والتي يمكن تلخيصها في تيارين:-أ- تيار يهدف الى "الاصلاحات" الجزئية التي لا تغير في شيئ من جوهر النظام الاستعماري ويضم الى جانب المعارضة المعترف بها اطرافا غير معترف بها وفسيفساء من المجموعات التي تظل في جوهرها مجموعات نقابوية رغم تسمياتها السياسية-ب- تيار وطني ديمقراطي يسعى الجميع الى محاصرته وتشويهه ونخره من الداخل باستعمال رموز ما يسمى بالاوطاد والاوطاج المتفسخين والبروقراطيين في احسن الاحوال .وتعتبر الانتخابات فرصة لخوض هذه الصراعات والمساهمة في دعم القطيعة مع النظام من جهة واحداث الفرز الوطني والطبقي في صلب الحركة الثورية عموما من جهة ثانية.
سبتمبر 2009
محمد علي الماوي



Commenter cet article