الإنتخابات و المسألة الوطنية

Publié le par mohmedalimawi

انتفض أبناء الشعب في تونس من اجل الشغل والحرية والكرامة الوطنية وطالت الاحتجاجات بقية الشرائح الاجتماعية وتعددت الشعارات لتطرح مطالب العمال والفلاحين الحيوية وجل المطالب السياسية والاجتماعية المرفوعة منذ أكثر من خمسة عقود.
وفي خضم هذا الحراك الاجتماعي الذي انخرطت فيه الشرائح العليا للبرجوازية الصغيرة مثل الأساتذة والمحامين والقضاة الخ...لم تحتل المسألة الوطنية الاهتمام اللازم من قبل المحتجين الذين ركزوا في النهاية على قضية الحريات العامة ومطلب المجلس التأسيسي دون طرح جوهر المسألة الديمقراطية التي تعني في الحقيقة أولا حسم المسألة الزراعية وتحرير جماهير الفلاحين تحت شعار الأرض لمن يفلحها وثانيا التخلص من النظرة الدونية للمرأة خاصة وان اضطهاد المرأة سيتزايد بفعل فوز التيار الإسلامي المعادي لحرية المرأة ولمجلة الأحوال الشخصية وقد شرع هذا التيار في تشكيل حركة النساء المسلمات ضد النساء الديمقراطيات وثالثا الحريات الفردية والعامة التي شرع التيار السلفي –القاعدة الأساسية للنهضة –في مهاجمتها والإعداد لفرض لجان "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"
اتسمت الانتفاضة ككل الانتفاضات بالعفوية وكحركة عفوية فإنها لم ترتق إلى مستوى الحسم في التواجد الامبريالي في القطر وهي لم تحسم بالتالي في العملاء الذين يمثلون مصالح الاستعمار الجديد في تونس ولا نعتقد أن النهضة تختلف عن التجمع في درجة العمالة للامبريالية.كما انه لم يتم الحسم في التجمع وعصابة الجنرال من منطلقات العمالة للخارج بل من منطلقات الفساد والمحسوبية والرشوة وقمع الشعب ونهب خيراته الخ...وهو ما مكن الإخوانجية من مادة دعاية وسمح لهم بالتستر وراء محاربة الفساد المالي والأخلاقي الخ...لتغطية جوهر برنامجهم السياسي والاقتصادي الذي يقبل بما تسطره الدوائر الامبريالية ولن يعمل طبعا ضد قرارات الاستعمار الجديد بما في ذلك قرار التعامل مع الكيان الصهيوني والتطبيع معه و قد ذكر الجبالي أن الكيان الصهيوني دولة ديمقراطية أي يمكن التعامل معه ، و صرح رموز النهضة انه سيقع الالتزام بكل الاتفاقات التي وقع إمضاؤها مع الدوائر الامبريالية واحترام عقد الشراكة مع الاتحاد الأوروبي الذي وقعه الرئيس السابق .
عفوية الانتفاضة وانتهازية اليسار
استغل اليسار الانتهازي عفوية الانتفاضة وحاول الركوب على شعاراتها وحصل بفعل الضغط الشعبي والوضع الثوري على التأشيرة القانونية للعمل السياسي واعتقد انه سيغنم نصيبه من الكعكة وسيشارك في إدارة أزمة النظام العميل. ونظرا لطبيعة اليسار الانتهازي الذي وضع قضية التأشيرة القانونية كهدف رئيسي وقضية التواجد في الهيئات المنصبة كجسر للتواجد لاحقا في مؤسسات الدولة فانه غير مؤهل لطرح المسألة الوطنية والنضال الفعلي ضد العملاء والتزم بخطه السياسي الذي لا يتجاوز حدود المطالبة بالعمل القانوني وبالتعددية الحزبية في اطار ميسمى بالتحول السلمي والتداول على السلطة فيما بين الاحزاب العميلة.
وساهم اليسار الانتهازي من موقعه في منح النهضة شهادة الحداثة من خلال أولا: - التحالف معها في إطار حركة 18 أكتوبر ونعني هنا بالتحديد حزب العمال الشيوعي الذي كانت مواقفه دوما ضد الحركة الشعبية و ضد طرح المسألة الوطنية ومع الوفاق الطبقي مع الأعداء(سنة 1978 وتكتيك الافتكاك النقابي والتعامل مع نقابة عبيد البوليسية المنصبة-1980 التنديد بعملية قفصة-1985 الدعوة للتعامل مع الشرفاء ونقابة بوراوي-1987 زيارة قصر قرطاج والتهليل لتحول 7نوفمبر )
ثانيا - تواجد اليسار الانتهازي جنبا إلى جنب مع النهضة في "لجان حماية الثورة" تحت رعاية البيروقراطية النقابية فقد تواجد الجبالي ممثل النهضة إلى جانب حمه الهمامي –حزب العمال ، وشكري بلعيد-الوطنيون الديمقراطيون- وعبدالرزاق الهمامي-حزب العمل الوطني الديمقراطي الخ وتحدث جميعهم عن الثورة وعن كيفية حمايتها.افهم كيفية الالتفاف على انتفاضة الشعب. و هكذا سار اليسار الانتهازي وفق خطه المكرس للتهادن الطبقي وخيانة الانتفاضة وعوض استغلال الوضع الثوري وعزل العملاء وتبيان من هم أصدقاء الشعب و من هم أعداؤه عمد هذا اليسار الانتهازي إلى خلط الأوراق والسير في خط التهادن الطبقي والتنكر للمسألة الوطنية من خلال تقديم العملاء كعناصر وطنية قادرة على حماية الانتفاضة التي يقع تسميتها ثورة لمغالطة الجماهير.
ثالثا - اللهث وراء المقاعد والكراسي بحيث سارع البعض إلى الالتحاق بالهيئة العليا وتنكروا حتى لالتزاماتهم في جبهة 14جانفي الانتهازية التي ضمت الاتجاهات التروتسكية والوطنية الديمقراطية والقومية (انظر نص حقيقة جبهة 14 جانفي) وهكذا إلى جانب تبييض وجه النهضة فقد ساهموا في تبييض وجه البيروقراطية النقابية والحكومة المؤقتة والهيئات العليا التي ركزها الجنرال الفار أي أن اليسار زكى التحالف الطبقي الحاكم وقبل التعامل معه كصديق على حساب شعارات الانتفاضة التي يتظاهر بتبنيها .
رابعا- واصل اليسار الانتهازي بعد الانتخابات-رغم فشله- في رفع شعار استكمال مهام الثورة واعتبر الانتخابات "خطوة أولى في الاتجاه الصحيح...خطوة على طريق الثورة" (ح العمل الوطني الديمقراطي –الشروق 5 نوفمبر) ونظّر هذا اليسار الاستسلامي إلى ضرورة التعايش مع العملاء ولم يقطع عمليا مع التحالفات المشبوهة التي تقدم النهضة والمتحالفين معها كأحزاب وطنية تخدم مصالح الشعب الكادح .
المسألة الوطنية مسألة مركزية
لم تطرح انتخابات التأسيسي قضية النضال ضد الامبريالية بالرغم من التدخل الأطلسي المباشر في ليبيا وبذلك وقع تقديم العملاء باعتبارهم عناصر وطنية تريد الخير للشعب في حين أن النهضة قدمت شهادات الولاء لأمريكا أولا ولفرنسا ثانيا ولقطر القاعدة الأمريكية ومعقل الرجعية العربية التي تقف وراء زرع الفتن في الوطن العربي و قد وجهت النهضة دعوة لأمير قطر ليفتتح أول جلسة للمجلس التأسيسي .
و قد بينت تجربة الانتخابات في جل بلدان العالم من قبل وفي تونس أخيرا أن الذي يتحكم في الصندوق هو من يتصرف في المال الفاسد من أجل شراء الأصوات مقابل ضمانات يقدمها لأعداء الشعب و التكفل بتخدير الجماهير الشعبية و إسكاتها بكل الوسائل بما في ذلك استعمال الدين والقضاء والقدر.
وتجدر الإشارة إلى أن الانتخابات لم تشمل أغلبية الناخبين بحيث لم يشارك فيها إلاّ ما يقارب 40% وهو ما يدل على أن الصندوق لا يعكس موقف و إرادة أغلب الفئات الشعبية .
إن فوز النهضة بتزكية أمريكية وفرنسية وقطرية سيدخل تونس في العديد من التراجعات عن المكاسب الاجتماعية وسيمهد تدريجيا وفق موازين القوى والضغوطات الخارجية إلى أسلمة البلاد والسيطرة على كل النشاط السياسي و الجمعياتي وقد شرع الاتجاه الإسلامي بتفرعاته في تشكيل العديد من الجمعيات الشبابية والنسوية والحقوقية الخ التي ظهرت في المواقع الاجتماعية والتي ستعوض الشعب الدستورية والشبيبة المدرسية واتحاد النساء الخ التي كانت تحت الحزب الحاكم لذلك فانه من الضروري التركيز على فضح عمالة النهضة للامبريالية وللرجعية العربية وفضح التخلف الذي سيقع تمريره باسم احترام الدين والشريعة .
ان فضح البرنامج السياسي والاقتصادي للنهضة وتعرية عمالتها للنظام الامبريالي وللرجعية الخليجية مهمة ثورية ووطنية ستساهم في عرقلة مشاريع الهيمنة والتخلف وستجند الجماهير ضد العملاء الذين يريدون تقديم يد المساعدة الى الامبريالية وتحويل تونس الى "تونستان " على شاكلة افغانستان
يتخبط النظام الامبريالي في ازماتة الدورية ويجابه حاليا افلاس العديد من الحكومات(اليونان-البرتغال-ايطاليا –اسبانيا) وتحاول الامبريالية الامريكية ابعاد شبح الانهار الاقتصادي بشن الحروب وتشجيع الحروب الاهلية من اجل ايجاد بعض الاستقرار الظرفي على حساب عمال العالم وشعوبه المضطهدة.
تحاول الامبريالية حل ازماتها من خلال نهب خيرات الشعوب واثارة الفتن باستعمال العامل الديني لذلك لابد من فضح الاحزاب التي تتستر بالدين خدمة لمصالح الاستعمار الجديد وفي هذا الاطار تطرح مهمة فضح التاريخ الاسود لحزب النهضة وكشف خطابه المزدوج والذي لبس حلة المجتمع المدني بايعاز من امريكا وفرنسا وتعرية حقيقة ما ستنفذه من برامج تكرس الهيمنة والتخلف ولاتخدم في شيئ مصالح الكادحين.



Commenter cet article