متطلبات الوضع الراهن-تونس-

Publié le par mohmedalimawi

متطلبات الوضع الراهن-تونس-
يطرح الشباب المناضل والمتطلع إلى الحرية والانعتاق العديد من التساؤلات حول الأوضاع الراهنة ويطالب بإجابات فورية خاصة في ما يتعلق بوضع اليسار و كيفية تجاوز التشرذم خاصة بعد تحصل التيار الإسلامي على الأغلبية في المجلس التأسيسي في تونس . وقد طرحت الانتفاضة من جهة والانتخابات من جهة أخرى العديد من التساؤلات حول مستقبل تونس ومستقبل الشعب الكادح وما حققه من مكاسب- وان كانت جزئية- فهي تظل مهددة من قبل النهضة وحزب التحرير والإخوانجية عموما الذين دعوا على لسان الأمين العام للنهضة إلى إقامة الخلافة الراشدة السادسة على ارض تونستان .
1-اختلاف في فهم الواقع
تتبارى الأطراف السياسية يمينا ويسارا في تشخيص الواقع وتطويعه حسب أهدافها السياسية وتترك جميعها الانتفاضة جانبا ولا تهتم بما يعانيه أبناء الشعب من ويلات البطالة والفقر والحرمان فقد سارعت النهضة والتيار الإسلامي عموما الذي لم يشارك في الانتفاضة وبدعم واضح من الامبريالية الأمريكية و الرجعية الخليجية إلى ركوب الموجة وبفعل نشوة الانتصار في الانتخابات أعلن الجبالي على قيام الخلافة السادسة . أما اليسار فيحاول تطويع الانتفاضة في اتجاه ما يسمى بالمجتمع المدني أي بتوجيه الجماهير نحو التعايش السلمي بين العرف والعامل بشروط العرف طبعا والقبول بالانتخابات في إطار التداول على السلطة بين أحزاب الائتلاف الطبقي الحاكم في ظل موازين قوى لا تخدم مصالح الشعب بتاتا.
إن اليمين فهم الواقع واخذ احتياطاته لتجنب اندلاع انتفاضة أخرى من جديد وهو يسعى بكل الوسائل إلى إخماد لهيب الصراع الطبقي كما أن اليسار الانتهازي فهم هو الآخر خطورة الانتفاضة في صورة تجذرها وفرزها لقيادة شعبية سترفض بالتأكيد رموز اليمين العميل واليسار الانتهازي المهادن.
ولان اليمين واليسار الانتهازي كلاهما فهما خطورة الانتفاضة فقد سارعا بتسميتها ثورة لمغالطة الشعب وراح الغنوشي –النهضة-والمبزع-الرئيس المؤقت-وحمه الهمامي-حزب العمال-الخ يتحدثون عن الثورة وعن ضرورة حماية الثورة وكونوا لجان حماية الثورة التي تضم النهضة والبيروقراطية النقابية وحتى بعض التجمعيين المتواجدين في المجالس البلدية خاصة .
لقد اتضح منذ 17 ديسمبر2010 إلى الآن أن الهوة اتسعت بين الشباب العاطل والشعب المفقر وبين الأحزاب التي بلغ عددها ما يقارب 117 حزبا ، والشعارات التي يرفعها المتظاهرون في العديد من المناسبات تؤكد ذلك- الأحزاب العملاء باعوا دم الشهداء- . فالشعب يتخبط في الفقر والحرمان والأحزاب كلها وبدون استثناء تلهث وراء الكراسي. إن هذه الأحزاب ترفض القبول بواقع الانتفاضة ولا تربطها بجوهر شعاراتها أية رابطة بل هي لم تكن متسببة فيها ولم تحاول تأطيرها باتجاه الشعارات المرفوعة ونخص بالذكر شعار " إسقاط النظام" لان جميع هذه الأحزاب هي مع ترميم النظام ومع إعانة النظام على ترتيب بيته الداخلي وبالتالي مع إنقاذ النظام واستعادة أنفاسه حتى يتمكن من قمع الانتفاضة والالتفاف عليها لان الانتفاضة-في صورة تجذرها واستمرارها- تمثل خطرا على هذه الأحزاب وعلى النظام نفسه. لذلك حاولت الأطراف السياسية يمينا ويسارا الاستفادة من الأوضاع المتفجرة وتحديدا من التناقضات التي تشق الرجعية من جهة والتيارات الإصلاحية الانتهازية من جهة ثانية بهدف افتكاك بعض المواقع في المجلس التأسيسي .واتضح إن حسابات اليسار الانتهازي كانت مغلوطة من الأساس لأنها لم تحذّّر من الخطر الاخوانجي بما فيه الكفاية ولان القاعدة الشبابية قاطعت في مجملها الانتخابات ولم تشارك في حملة التسجيل منذ بروز شعار "وقيت باش تقيد".
فلماذا فشل ما يسمى باليسار في انتخابات المجلس التأسيسي؟
يرجع هذا الفشل إلى عاملين أساسيين: 1) العامل الموضوعي الذي وقع إهماله ولم يدخل في حسابات اليسار بفعل نشوته اثر حصوله على التأشيرة القانونية وانبهاره "بالانتصار" ويؤكد الواقع الموضوعي ان النظام لم يسقط وانه لا يمكن الحديث عن ثورة بما ان الرجعية الحاكمة تمسك بكل خيوط اللعبة الانتخابية وتسير بها في اتجاه إنقاذ النظام وان تطلب ذلك تغيير الأحزاب المشاركة في السلطة وتعويض التجمع بالنهضة مثلا وفق رغبات وتخطيط الامبريالية والرجعية الخليجية.
2) العامل الذاتي : ان سلاح اليسار يكمن أولا في خطه السياسي المدافع عن العدالة الفعلية وثانيا في التحام هذا الخط بالشعب المنتفض وتبني الشباب المنتفض هذه القيم وبالتالي تحويل الخط الى سلاح جبار قادر على الصمود في وجه مناورات الرجعية.غير ان اليسار لم يلتزم بخط ثوري بل بالعكس هرول نحو تبني مقترحات الحكومة المؤقتة وانساق وراء الأوهام والوعود بإمكانية الحصول على مواقع في المجلس وساهم عمليا في خطة ترميم النظام ودافع عن معزوفة التحول السلمي والتداول على السلطة في ظل نفس النظام العميل.كما ان اليسار لم يعمل على تأطير الجماهير في لجان مستقلة بل أصر على تشريك النهضة والبيروقراطية النقابية وبعض الدساترة فيما سمي بلجان حماية الثورة فظلت الجماهير المنتفضة في واد ولجان"حماية الثورة" المسقطة والمنصبة في واد آخر ولم يلتحم الخط الثوري بقاعدته الاجتماعية بل أن الشباب المنتفض تفطن لنوايا اليسار التي تريد هي الأخرى ركوب الانتفاضة والاستفادة من ضغط الشارع لتحقيق أهداف حزبية ضيقة لا تتجاوز حدود التواجد في المجلس(شعار الاحزاب في خدمة الاحباب).ولكل هذه الأسباب يصبح من الطبيعي أن ينتصر من يمسك بالسلطة أي بالجيش والبوليس والإعلام والمال الفاسد المتحكم في عملية التصويت وشراء الذمم.
وواصل اليسار حتى بعد الانتخابات في نفس المسار وظل سجين طرحه الانتهازي المتمثل في دعوة الشعب إلى التغيير عبر الصندوق الذي تتحكم فيه الرجعية العميلة. وهنا لابد من وضع نقطة استفهام كبيرة حول جدوى الانتخابات ليس في أشباه المستعمرات فقط بل أيضا في البلدان الرأسمالية ، فهل تغيرت الأوضاع مثلا في أمريكا وهل وصلت الطبقة العاملة إلى السلطة عبر الانتخابات وهل تمكنت الشغيلة-التي تمثل أغلبية السكان- من المسك بالسلطة في فرنسا وألمانيا واسبانيا الخ رغم وجود "انتخابات ديمقراطية "بالقوانين البرجوازية وتحت سلطة البرجوازية؟ بالطبع لا.فلماذا إذا لا يقيم اليسار فشله من هذا المنظور؟انه لا يفعل ذلك لأنه يسار انتهازي قبل بأن يكون عجلة خامسة يقع الالتجاء إليها لتزيين وجه الأنظمة العميلة والتظاهر بتطبيق الديمقراطية بالتعددية الحزبية.
2- اختلاف في كيفية تغيير الواقع
رغم مساهمة فصائل اليسار بصفة مكثفة في الانتفاضة ورغم نزول الجماهير الشعبية إلى الشوارع معبرة عن رفضها لواقع التهميش وما ينجر عنه من فقر وحرمان وإذلال فقد جنى ثمار الانتفاضة الغنوشي القادم من لندن أي الاخوانجية الذين لم يظهروا في التحركات الشعبية ثم المؤتمر من اجل الجمهورية-المرزوقي من فرنسا- والعريضة الشعبية للحامدي القاطن بلندن ورابعا التكتل ذو الجذور الدستورية . لقد اثبت الصندوق أن من له الدعم الخارجي أولا ويحظى بوفاق امبريالي ومن له السلطة والمال الفاسد هو الذي استحوذ على الغنيمة.
وأمام بقاء النظام على ما هو عليه-نفس الائتلاف الطبقي الحاكم- مع تغيير تركيبة الأحزاب الماسكة بالسلطة من خلال تعويض التجمع بالنهضة أساسا فان هذا التغيير التي عملت أمريكا على فرضه منذ الثمانينات سيطرح العديد من التحديات على الشيوعيين أولا وعلى مطالب الانتفاضة ثانيا وعلى المجتمع المدني وخاصة النساء ثالثا وعلى كل الليبراليين الرافضين للخلافة السادسة التي أعلن عنها الجبالي الوزير الأول المرتقب.
أ- ان الإخوان الماسكين بالسلطة حاليا في تحالف مع المرزوقي –بوق دعايتهم- سيعملون على تحويل تونس الى تونستان وكانت ضربة البداية من الوزير الأول المرتقب ورب عذر أقبح من ذنبه لان سمير ديلو لم يقم إلا بتبرير تصريحات الجبالي كما أن الغنوشي صرح بعزمه على تنقيح بعض الفصول من مجلة الأحوال الشخصية أما سعاد عبد الرحيم فقد هاجمت النساء العازبات والنساء الديمقراطيات وهي "كبش نطيح" مجعولة لاستفزاز كل من يريد التمسك بمكاسب المرأة وستعمل النهضة طبعا على التشبث بالسلطة وفرض الشريعة الإسلامية عندما ترتّب الأوضاع بتنسيق مع أمريكا خاصة والرجعية الخليجية الصهيونية.غير أن الصراع لم يحسم بعد لان من صوت للنهضة يمثل أقلية لا تتجاوز10 /1
ب- القوى التجمعية والدستورية التي وقع تهميشها ستحاول تدارك الموقف والرجوع إلى التنافس على السلطة مع الإخوان خاصة وأنها مازالت ماسكة بدواليب الدولة وهي تعوّل كذلك على أمريكا وفرنسا في مساعدتها على الرجوع إلى السلطة – وقد بدأ السبسي فعلا بتجميع الدساترة في حزب الوحدة الوطنية الذي أعلن عن تأسيسه أخيرا - وستستخدم القوى الدستورية الأعراف وتحديدا اتحاد الصناعة والتجارة وبيروقراطية اتحاد الشغل وما يسمى بمكونات المجتمع المدني وقد تحرّض على الإضرابات والانتفاضات في إطار صراعها مع النهضة وقد سبق لها أن لوحت بالعديد من الشعارات كبالون اختبار مثل الاستفتاء عوض المجلس التأسيسي والآن المجلس التأسيسي الموازي الذي يقترحه محسن مرزوق- وطني ديمقراطي وزميل شكري بلعيد سابقا- والتي تحوم حوله العديد من نقاط الاستفهام.(هو عميل بالتأكيد لكن لصالح من؟ ؟؟؟) .
وتشهد العائلة التجمعية الدستورية بعض الانقسامات فنجد من التحق بالنهضة بما أن العديد من رؤساء الشعب والعمد تجندوا لخدمة النهضة في الانتخابات بعد أن تلقوا الأموال اللازمة ونجد كذلك العديد من الأعراف الذين عبروا عن استعدادهم للتعامل مع النهضة ضمانا لمصالحهم كما نجد بعض الوزراء القدامى الذين لا يرون مانعا من مواصلة تقديم الخدمات الضرورية للنهضة عملا بمقولة "الدنيا مع الواقف" وتزايد كل هذه التفرعات التجمعية بحتمية التغيير الذي يعني في الحقيقة حتمية استمرارية نفس النظام الذي يتم إنقاذه بتشريك وجوه شابة جديدة .
ج- القوى الاشتراكية الديمقراطية المتشكلة من الحزب الديمقراطي التقدمي الذي سيقود المعارضة وحزب العمال الشيوعي وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين والقطب الحداثي وحزب آفاق تونس...مع التذكير ان بعض هذه الأطراف تحالفت مع النهضة قبل الانتفاضة( الديمقراطي التقدمي وحزب العمال الشيوعي) وشارك اغلبها في الهيئات المنصبة المسماة مستقلة بل ان ممثل التقدمي-الشابي- شارك في الحكومة الأولى مع ابن إبراهيم من "الطريق الجديد" وتطرح هذه الأطراف برامج اشتراكية ديمقراطية في ظل النظام القائم وتدعو إلى التعامل مع "المؤسسات الوطنية" في إطار ما يسمى" بدولة القانون" دولة الجنرال الفار آنذاك ودولة النهضة حاليا وتدافع عن نظرية التداول السلمي على السلطة وتوهم الشعب بإمكانية التغيير في ظل الهيمنة الامبريالية وتعده بتحقيق مطالبه في صورة وصولها إلى السلطة...
د- القوى الشيوعية
تضم هذه القوى العديد من المجموعات وبالرغم من اختلافاتها فهي في تناقض مع كل الأطراف المذكورة آنفا وتختلف معها في النقاط التالية : - تعتبر ما حصل في تونس انتفاضة شعبية عارمة على عكس الأطراف اليمينية واليسارية التي تتحدث عن ثورة وعن استكمال مهام الثورة وعن مجلس تأسيسي سيحقق مطالب الثورة الخ ...
- لم تشارك هذه القوى في الهيئات المنصبة الهيئة العليا...والهيئة غير المستقلة للانتخابات...
- قاطعت هذه القوى الانتخابات واعتبرتها مسرحية ومؤامرة ضد الشعب ودعا البعض منها المصرّين على المشاركة إلى مقاطعة الدساترة والإخوان و المتحالفين معهم من الانتهازيين .
- فضحت هذه القوى رغم اختلافاتها حقيقة المجلس التأسيسي واعتبرته غير ممثل لطموحات الشعب ولا يمكن أن يكون وفيا لشعارات الانتفاضة للأسباب التالية :
- إن الثالوث الماسك الآن بالسلطة لم يشارك في الانتفاضة فهو ثالوث وقع دعمه من قبل القوى الامبريالية والرجعية الخليجية وهو ثالوث مستورد من الخارج –من لندن وفرنسا- وقام بالترتيبات اللازمة في الخليج معقل الرجعية العربية
كما أن برامج هذا الثالوث العميل مناقضة تماما لمطالب الانتفاضة ولمصالح الشعب الكادح فهو يريد تأبيد الهيمنة الاستعمارية وتقنين التخلف باسم الخلافة السادسة بينما الشعب يريد إسقاط النظام ومحاكمة رموزه و إحلال المساواة الاجتماعية
-تعتقد هذه القوى رغم اختلافاتها أن النهضة طاعون سيفتك بالمجتمع وسيزرع الفتن والحرب الأهلية –وهو ما تريده الامبريالية للشعب العربي :التخلف والتجزئة-وقد انخرطت الجامعة غير العربية في هذا المسار الاستعماري بقيادة آل سعود وقطر.
3- تحديات الوضع ومهام الشيوعيين
يجد الشعب الكادح نفسه الآن أمام خطر أسلمة المجتمع : فالنهضة وأتباعها يواصلون استعمال لغة مزدوجة محاولين تمرير مشروعهم القروسطي و لكن عندما يفشلون في ذلك يلجؤون إلى التمويه و قلب الحقائق فيُسَارعون مثلا إلى تبرير تصريحات الجبالي الداعية إلى الخلافة السادسة وتبرير تصريحات شيخهم الغنوشي حول مجلة الأحوال الشخصية والبنود المتعلقة بالتبني وتعدد الزوجات وتصريحات سعاد عبد الرحيم حول النساء العازبات وقضية التبني والكفالة ومعاداتها المبرمجة ضد جمعية النساء الديمقراطيات.
وإلى جانب خطر الإخوان وخطر العودة إلى القرون الوسطى ، نُواجه خطر عودة التجمع والدساترة عموما – وان كان بينهم خلاف حول كيفية التعامل مع النهضة إذ هناك من يريد التعامل معها إيجابا و هناك من يرفض ذلك - فان بعض الرموز البورقيبية مثل الباجي قائد السبسي أو غيره قد ينجحون في لم الشمل لمواجهة النهضة والبروز بوجه لائكي قد يغالط فئات من الشعب . مع العلم أن السبسي قد بعث حزبا سمّاه حزب الوحدة الوطنية كما وقع ذكره آنفا .
والى جانب هذا الائتلاف الحاكم نجد المعارضة الاشتراكية الديمقراطية التي تمثل هي الأخرى في الحقيقة بديلا امبرياليا ينخرط في سياسة الاستعمار الجديد ويقبل بالتواجد في البرلمانات المنصبة والمؤسسات "الوطنية" غير المنتخبة ولا تعارض المخططات الامبريالية ومشروع الشرق الأوسط الكبير رغم المزايدة بالرفض لفظيا .
أما القوى الشيوعية التي قاطعت الانتخابات فتظل هي الأخرى مشتتة تتخبط في صراعات بعيدة كل البعد عن تطلعات الانتفاضة التي تأمل العثور على قيادة تنير لها السبيل وتساعدها على برمجة تحركاتها وضمان استمرارية النفس النضالي من أجل إحباط مشاريع النهضة والدساترة واليسار الانتهازي المهادن. فالمطروح إذا وبإلحاح حاليا هو وحدة الشيوعيين في علاقة مباشرة بمصالح الشعب المنتفض. وطالما لم تقترن الوحدة بوحدة الممارسة في خضم التحركات الشعبية وتفاعلا مع مطالبها وتطلعاتها فإنها تظل وحدة هشة تتحكم فيها الزعامات والنزعات الانشقاقية وفق الجهويات والولاءات والعشائرية.
انه لابد من الإقرار بمزايا تجربة الشيوعيين في القطر منذ أواخر الستينات لكن أيضا لا بد من الاعتراف بأن المجتمع الزراعي المتخلف ينعكس سلبا على العنصر الشيوعي الذي يتصرف في العديد من المناسبات كالسيد الإقطاعي وكأمير حرب أو شيخ قبيلة ، ونتحدث هنا عن تجارب ملموسة وعينات مدونة وموثقة حول بعض العناصر التي تقف على رأس مجموعات وطنية ديمقراطية أو شيوعية وتدرب عناصرها على الإتكالية والولاء إلى زيد أو عمرو فإذا انشق الزعيم الفذ ذهبت معه العشيرة ويرفض عناصر العشيرة حتى النقاش مع الطرف المقابل بأوامر من" القورو" .
أن وحدة الشيوعيين في تونس لن يكتب لها النجاح إلا إذا وقع تجاوز شيوخ القبائل والعشائر من خلال الارتباط بشباب الانتفاضة المتمرد الذي أعلن العصيان في وجه النظام ولن يعترف بمثل هذه الزعامات المتكبرة والمتخصصة فقط في إعطاء الأوامر .
يمر الصراع نحو الوحدة إذا عبر الانصهار في الجماهير وتبني مطالبها والالتزام بمصلحة الشعب ووضع هذه المصلحة فوق كل اعتبار ومن خلال الانضباط الحديدي للمصلحة العامة يمكن التقدم في عملية الوحدة على حساب المصلحة الضيقة ونرجسية البرجوازي الصغير الذي يدعي مسك الحقيقة المطلقة.
ويتم هذا الصراع من اجل الوحدة في علاقة مباشرة ودائمة بما حققه الخط الشيوعي والطرح الوطني الديمقراطي عامة من مكاسب نذكر منها خاصة ضرورة القطيعة السياسية والتنظيمية مع النظام القائم والتمسك بمبدأ النضال الوطني والصراع الطبقي ونبذ أطروحة المصالحة الوطنية-الميثاق الوطني- مع الأعداء على حساب الشعب والوفاق الطبقي في إطار نظام العمالة والتطبيع .
ووفق هذه التوجهات العامة وحسب ما أفرزته الانتفاضة والتحركات الشعبية التي سبقتها من تحالفات فانه يمكن القول أن الصراع من أجل وحدة الشيوعيين وتأسيس حزب الطبقة العاملة يهم الوطنيين الديمقراطيين الذين لم ينخرطوا في المسار الانتخابي المغشوش .
وتتبلور وحدة الشيوعيين في صراعها ضد التحريفية التقليدية المعاصرة –الاشتراكية الديمقراطية- أمثال جماعة الطريق الجديد وما يسمى القطب الحداثي من جهة وحزب العمال الشيوعي وحزب العمل الوطني الديمقراطي وحركة الوطنيين الديمقراطيين من جهة أخرى لان هذه المجموعات رغم تشدقها بالشيوعية فهي تطبق التحريفية وتمارس الوفاق الطبقي وتكرس سياسة التداول سلميا على السلطة .
إن الشعب هو صانع التاريخ وليست الأفراد أو الأحزاب التي كشفت الأحداث انتهازيتها أكثر من مرة.إن الشعب هو صانع التاريخ لكن لابد من وجود حزب شيوعي(أو حركة شيوعية) يتصدر نضالاته ويعمل على افتكاك السلطة لتطبيق سياسة شعبية تتخلص نهائيا من الهيمنة الامبريالية والاضطهاد الإقطاعي .
لذلك لابد من وجود تنظيم ثوري مهما كانت تسميته "يعرف كيف يربط القيادة ربطا وثيقا بالجماهير الواسعة" و "يثابر على الحقيقة ويتجنب ترديد أقوال الآخرين كالببغاء ويفكر بنفسه ويحلل الواقع طبقا للنظرية العلمية ويصلح الأخطاء دون عُقد ويعرف كيف يمارس النقد والنقد الذاتي في علاقة بالممارسة العملية صلب الجماهير".
إن وجود مثل هذا الحزب قضية حياة أو موت ، فإما أن ننجح في الدفاع عن الانتفاضة أو أن نترك الشعب يتخبط في عفويته ضحية سياسة الاخوانجية والبدائل الامبريالية الأخرى المتربصة به.
إن قضية وحدة الشيوعيين تطرح نفسها بكل إلحاح وعلى الشيوعيين إرساء الخطوات العملية في هذا الاتجاه من اجل الإسراع في تجسيم هذه المهمة حول برنامج واضح وخطة واضحة تساعد الشعب المنتفض على الحفاظ على الزخم النضالي وإفشال مخططات النهضة والتجمعيين من جهة وأطماع الانتهازيين من جهة أخرى وذلك اولا من خلال دعم وحدة الشيوعيين وثانيا عبر المساهمة في توسيع الجبهات المعارضة للإخوان والمتحالفين معهم. تونس 28-11-2011


Commenter cet article